بعض ملامح الحركة الثقافية في المنطقة الشرقية في السبعينيات الهجرية (4-2).
هنالك عدد من العوامل التي يسرت تسارع نشاط الحركة الثقافية في المنطقة الشرقية- بالمعنى الشامل للكلمة- منذ مطلع السبعينيات الهجرية- الخمسينيات الميلادية-؛ لا بد من التطرق إليها سريعاً قبل الحديث عن بعض مظاهر النشاط الإعلامي والثقافي؛ تضاف إلى وجود نواة ثقافية تقليدية عريقة في الأحساء والقطيف، وأوردها هنا ليس من حيث الأهمية، بل من حيث الترتيب الزمني: العامل الأول- ويتطلب الأمر بعض الإطالة في الحديث عنه- هو قرب البحرين الجغرافي التي ترتبط معها المنطقة الشرقية بروابط تجارية واقتصادية كبيرة، وكذلك بروابط اجتماعية، فضلاً عن قوة العلاقة بين الحكام المتعاقبين في البلدين. وفي البحرين صدرت عدد من المجلات والصحف بين عامي 1369 و1355 هـ، أسهمت في إثراء الحياة الثقافية وسدت فراغاً في المنطقة، واتسمت بطابعها الحي النشط- والساخن سياسياً- والمنفتح انفتاحاً ايجابياً على المملكة، والمرحب بمشاركات المثقفين السعوديين بالكتابة فيها. وإضافة إلى المجلة الكبرى والرائدة في المنطقة والبارزة في العالم العربي- مجلة “صوت البحرين” الشهرية- التي صدرت بين عامي 1950 و1955 م، صدرت صحف أسبوعية مهمة وهي- على التوالي- “القافلة” الأسبوعية التي أصدرها الصحفيان البحرينيان الكبيران علي سيار ومحمود المردي، والتي حلت محلها بعد ايقافها صحيفة “الوطن” الأسبوعية، وصحيفة “الخميلة” الأسبوعية الأدبية التي أصدرها الصحفي الأرمني كارنيك جورج ميناسيان، و”الميزان” التي أصدرها عبدالله الوزان، و”الشعلة” التي أصدرها محمود المردي وأوقفت بعد صدور العدد الأول. وقد كانت تلك الصحف والمجلات تحظى بدعم كبير من المعلنين من كبار تجار البحرين، مثل عبدالرحمن القصيبي- وكيل المملكة في البحرين- وعبدالرحمن الزياني وخليل وأحمد كانو وحسين يتيم وغيرهم، وكذلك من عدد من الشركات البريطانية المنتجة لمختلف السلع. وكل تلك الدوريات أوقفت من قبل حكومة البحرين بتوجيه من المستشار البريطاني تشارلز بلغريف؛ على أثر الاضراب الشامل الذي شمل البحرين قرابة ستة أشهر عام 1956 م، وغادر محمود المردي وعلي سيار بسبب تبعاته البحرين، واستقرا في الخبر حيث عمل الأول فيها قرابة عشر سنوات والثاني قربة سبع سنوات. ويضاف إلى تلك الدوريات وجود إذاعة البحرين التي أسسها البريطانيون في بداية الحرب العالمية الثانية لخدمة أغراضهم الدعائية، والتي كانت تبث ساعتين في اليوم، منذ تأسيسها وحتى عام 1958 م. وتقول عنها مجلة “صوت البحرين”- العدد الأول من السنة الأولى- ذو القعدة 1369 هـ: “أثناء الحرب العالمية الثانية، أسدت القوات البريطانية الحليفة خدمة كبرى بإقامة الإذاعة اللاسلكية. وطبيعي أن الغرض الأول منها قد كان الدعاية لقواتها المحاربة. ولكننا لا نستطيع أن ننكر أن برامجها كانت مسلية ومقبولة وأنها لم تقتصر على الدعاية الجافة السافرة بل قدمت معها أحاديث شيقة تتناول نواحي الأدب والاجتماع وبرامج طريفة في التمثيل والغناء... وقد كنا نتمنى للقوات الحليفة، وقد ثبتت لها صداقة البحرين وتأييدها للديمقراطية حكومة وشعباً ان تتبرع بدار الإذاعة لحكومة البحرين لتواصل السير بها في خدمة الجمهور...”. وفي العدد الحادي عشر من السنة الثانية- في ذي القعدة 1371 هـ- سؤال لقارئ عن سبب توقف إذاعة البحرين وجواب المجلة على ما وصفته بالسؤال الحائر، وعلقت على عدم استجابة الحكومة لرغبات الألوف من أهل البحرين رغم استعدادهم لدفع الضرائب على أجهزة الراديو لتغطية تكاليفها. وتكرر السؤال عن سبب استمرار توقف إذاعة البحرين في أعداد لاحقة. ولم تعاود تلك الإذاعة البث إلا في نهاية عام 1956 م، في وقت لم تكن فيه إذاعة المملكة التي افتتحت عام 1369 م مسموعة في المنطقة الشرقية. ويضاف إلى ذلك وجود عدد من النوادي الثقافية النشطة في البحرين، وأبرزها نادي البحرين- النادي الأدبي سابقاً والذي أسس عام 1922 م، وكان من ضمن مؤسسيه الشيخ حافظ وهبة سفير المملكة لدى بريطانيا في الخمسينيات الميلادية- ونادي العروبة الثقافي- أسس عام 1939 م- والنادي الأهلي. وكلها حظيت بدعم مالي سخي من الملك سعود- حينما كان ولياً للعهد وبعد توليه الحكم-، إذ يجد القارئ في أعداد متفرقة من تلك الصحف إعلانات شكر من تلك الأندية؛ ومن ضمنها إعلان بارز نشره النادي في العدد الثامن من صحيفة “القافلة”- في 28/5/1372 هـ، الموافق 13/2/1953 م- يقدم فيه “أسمى آيات الشكر والامتنان – لولي العهد الأمير سعود بن عبدالعزيز- على منحته المالية الكريمة بتقديمه عشرين ألف روبية لإنعاش النادي وعلى هداياه الغالية لستة من الأعضاء...”. وكل تلك النوادي كانت تقام فيها محاضرات عامة وأمسيات الشعرية وتعرض فيها أفلام سينمائية، بالإضافة إلى ما يعرض في عدد من دور السينما في البحرين. العامل الثاني هو وجود شركة الزيت العربية الأمريكية- أرامكو- تلك الشركة العملاقة، التي تمثل واحدة من أنجح الشراكات الاقتصادية الكبرى في العالم بين دولتين، والتي أصبح لأنشطتها أثر ملموس في مختلف جوانب الحياة في المملكة، والتي- كذلك- اجتذبت عشرات الآلاف من مختلف أبناء المملكة للعمل فيها وفي حقولها ومرافقها. وسيفرد لها الجزء الرابع من هذه المقالات. وبحكم أن هذا الجزء يتعلق بالمكتبات العامة والتجارية فأكتفي بإيراد ما نشرته “صوت البحرين” في العدد الثامن من السنة الرابعة- شوال 1373 هـ، يونيو 1954 م- بقلم “القراء العرب في شركة أرامكو”، والذي قالوا فيه: “لقد فتحت أرامكو في جميع مناطق حقول النفط مكتبات أدبية حسبما يفرض عليها نظام الحكومة؛ ضَمَّت بين جدرانها بعض المؤلفات الأدبية على مختلف مذاهبها واتجاهاتها، وزودتها بمختلف المجلات والجرائد... لكن الذي يوجب عتبنا على أرامكو هو نقص المكتبات من مجلة صوت البحرين وجريدة القافلة، إننا نستغرب ولنا الحق في ذلك! فجرائد ومجلات جارتنا الحبيبة لا تدخل تلك المكتبات لماذا؟ هل لأنها تعالج أوضاع واقعنا العربي بصراحة ؟...”. ثالثاً، ميناء الدمام الذي انتهي من إنشائه في أوائل عام 1369 هـ، وبدئ في تفريع حمولات السفن فيه في 26/4/1369 هـ، الموافق 14/2/1950 م، حسبما ذكرت صحيفة “البلاد السعودية”، في تحقيق نشر في عدد خاص عن المملكة، صدر في ذي الحجة 1371 هـ، الموافق لشهر أغسطس 1952 م. وأصبح هذا الميناء مصدر جذب للكثير من الشركات والمؤسسات في الدمام وافتتحت شركات سعودية تقع مقراتها في جدة والرياض فروعاً لها في الدمام، مُشَجََّعةً بتوسع النشاط الاقتصادي الذي حفزه وجود الميناء. وقد أجريت على ميناء الدمام عملية توسعة وتطوير كبيرة نفذتها شركة براون الهندسية العالمية وافتتحها الملك سعود في حفل رسمي كبير في ربيع الأول 1381 هـ، الموافق لشهر أغسطس 1961 م، وفي خلال ذلك الحفل أصدر جلالته أمراً بتسميته بميناء الملك عبدالعزيز. العامل الرابع سكة حديد الدمام الرياض لنقل الركاب والبضائع، والتي افتتحها الملك عبدالعزيز رسمياً في 19/1/1371 هـ، الموافق 20/10/1951 م في حفل كبير في مدينة الرياض، وتبعاً لذلك إنشاء المؤسسة العامة للسكك الحديد في الدمام. ومما لا شك فيه أنه كان لهذا المشروع الحيوي الذي أمر جلالة الملك عبدالعزيز بإنجازه وتابع- رحمه الله- مراحل تنفيذه شخصياً أثر كبير في التواصل بين الرياض ووسط المملكة مع المنطقة الشرقية (انظر التحقيق المصور في صحيفة “عرفات” عن “سكك حديد المملكة...”، العدد 28، في 11/1/1378 هـ، الموافق 28/7/1958 م). وذلك في وقت كانت فيه الطرق البرية بين الرياض والدمام والأحساء والظهران والدمام والقطيف شبه بدائية. طريق الظهران الدمام انجز في رمضان 1371 هـ، الموافق ليونيو، وطريق الدمام الرياض انتهي من العمل في نهاية عام 1380 هـ، الموافق لشهر مايو 1961 م (انظر “أخبار الظهران”، “طريق الرياض- الدمام ونتائجه الطيبة”، العدد 57، 5/2/1381 هـ، الموافق 18/6/1961 م). ومع ذلك كانت الطرق بين الرياض والدمام، والظهران والدمام والخبر وسوء سفلتتها آنذاك محل شكوى الصحف، وقد خصتها صحيفة “الخليج العربي” التي كانت تصدر في الدمام بافتتاحية في العدد 6، في 16/3/1378 هـ، الموافق 30/9/1958”. ومن جانبه علق عبدالعزيز مؤمنة في زاويته الأسبوعية في الصحيفة نفسها- العدد 96، في 28/1/1380 هـ، الموافق 21/7/1960 م على موضوع الطرق تعليقاً طويلاً ورد فيه: “وقد فرح الشعب كثيراً بربط الرياض بالمنطقة الشرقية، وكذلك بتعبيد الطريق من الرياض إلى الخريس (خريص) حيث تنتهي نقطة تعبيد أرامكو والتي يبلغ طولها بالكيلومترات بين الظهران- خريس 300 كيلومتراً، ولكن.. إن بلادنا تنتج الأسفلت والأيدي العاملة في بلادنا ليست منعدمة، وتكاليفها ليست مرتفعة بالنسبة لمستوى المعيشة، فلماذا لا تزال الطرق عندنا بدائية على حالتها منذ عهد الجمال والحمير؟ ...”. وبالأهمية نفسها يأتي مطار الظهران الذي بدأ الخدمة بعد عام 1946 م، وهذا المطار وميناء الدمام في مرحلته الأولى أنشأتهما شركة المقاولات الامريكية الدولية “بكتل Bechtel”، التي نفذت عدة مشاريع حيوية في المنطقة ومن ضمنها مقر شركة أرامكو بالظهران. وأصبح هذا المطار منذ النصف الثاني من الستينيات الهجرية يستقبل طائرات خاصة بشركة أرامكو من أمريكا ورحلات الخطوط السعودية ورحلات عدد من شركات الطيران العربية وخصوصاً طيران الشرق الأوسط اللبناني وشركة طيران الخليج المتفرعة من شركة الطرق الجوية البريطانية BOAC، وهذه الأخيرة كانت تسير ثلاث رحلات يومياً من البحرين إلى الظهران وبالعكس، منذ شهر ذي الحجة 1371 هـ، الموافق لشهر أغسطس 1952 م، حسبما تفيد الإعلانات التي كانت تنشرها الشركة في مجلة “صوت البحرين”، وزيدت إلى أربع رحلات في عام 1953 م. وقد تطرق وزير المالية الشيخ عبدالله السليمان إلى سير هذه المشاريع الثلاثة في مقابلة أجرتها معه صحيفة البلاد السعودية في عدد خاص صدر في جمادى الأولى 1367 هـ، الموافق لشهر مارس 1948 م؛ واستلمت حكومة المملكة مدرجات المطار وجميع منشآته من الجهة الأمريكية المنفذة في حفل رسمي كبير أقيم يوم الخميس 2 جمادى الثانية 1368 هـ، الموافق 31 مارس 1949 م بحضور وزير الدفاع آنذاك الأمير منصور بن عبدالعزيز، رحمه الله. أخيراً- وليس آخراً- أمر ولي العهد الأمير سعود بن عبدالعزيز بنقل مقر إمارة المنطقة من الأحساء إلى الدمام، خلال جولة قام بها في المنطقة دامت أسبوعين، في جمادى الأولى 1372 هـ- يناير 1952 م-. وأتى هذا القرار- ضمن قرارات عديدة- بعد دراسة أحوال المنطقة وما يلزم من قرارات لتنظيم الإدارات الحكومية فيها وإجراءات لتطوير المرافق والخدمات المختلفة فيها. وقد أحدث ذلك القرار نقلة كبيرة في حياة بلدة صغيرة ثانوية مثل الدمام وحياة بلدة أخرى أصغر مثل الخبر، التي تبعد عنها مسافة عشرة كيلومترات؛ إذ سرعان ما نمتا نمواً متسارعاً بعد افتتاح العديد من الشركات والمؤسسات فيهما وفتح شركات سعودية كبرى فروعاً فيها، بالإضافة إلى فروع لعدد من البنوك. وبوسع من أراد معرفة جوانب من واقع هاتين المدينتين قبل انتقال مركز الإمارة إلى الدمام الاطلاع على ما كتبه محمد سعيد المسلم في كتاب “ساحل الذهب الأسود”، المشار إليه في الجزء السابق، ص ص. 27-40. ولا يخفى على القارئ ما لهذه العوامل من تأثير على الحراك في المنطقة بمختلف أبعاده، الاجتماعي والاقتصادي والعمالي- بفعل قدوم الآلاف من السعوديين من مختلف مناطق المملكة للعمل في أرامكو وميناء الملك عبدالعزيز والمؤسسات والشركات المختلفة، والبحرينيين كذلك- بلغ عددهم 16000 ستة عشر ألفاً، حسبما ذكرت مجلة “صوت البحرين” في محرم 1372 هـ، الموافق لشهر سبتمبر 1952 م- بالإضافة إلى عشرات الآلاف من العرب والأجانب. وقد ظهر جلياً أن هذا الحراك كان يشكل مادة ثرية للصحف والمجلات التي صدرت في المنطقة لاحقاً. المكتبات التجارية وتوزيع الصحف والمجلات والمكتبات العامة تنفرد “المكتبة الأدبية” التي أسسها أحمد عمر بايزيد في مدينة الخبر بأنها كانت المكتبة الأبرز لتوزيع الصحف والمجلات وبيع الكتب في المنطقة الشرقية طوال عقد السبعينيات الهجرية- الخمسينيات الميلادية. وقد ورد ذكرها لأول مرة في الصفحة الثانية من العدد الأول من مجلة “صوت البحرين”، في ذي القعدة 1369 هـ، أغسطس 1950 م، بصفتها وكيلة للمجلة في الخبر، مع إعلان صغير في الداخل يفيد بأنها متعهد الصحف والمجلات المصرية في الخبر والدمام وبيع الكتب الأدبية. ولم يرد في العدد المذكور ذكر لمكتبات سعودية تجارية أخرى. ورغم أنه ورد في إعلان منشور في صحيفة “الخليج العربي”- العدد 51، في 15/2/1379 هـ، الموافق 19/8/1959 م- بأنها “في خدمة القراء في الخبر والدمام منذ عشرين عاماً- أي في عام 1939 م، إلا أنني لم أجد لها ذكراً في صحف المملكة قبل بداية عام 1371 هـ، حينما ذكرت صحيفة “البلاد السعودية”- في العدد 1099، في 11/2/1371 هـ، الموافق 11/11/1951 م- أنها اعتمدت “الأستاذ أحمد بن عمر بايزيد وكيلاً عنها في قبض الاشتراكات والاتفاق على الإعلانات وتوزيع الجريدة في الدمام والخبر والظهران”. وطوال عقد السبعينيات الهجرية- الخمسينيات الميلادية- استمر ظهور اسم هذه المكتبة- المكتبة الأدبية- في كل الصحف البحرينية، ولاحقاً مع بدء صدور الصحف السعودية في المنطقة في 1374 هـ، ظهر اسم صاحب المكتبة أحمد عمر بايزيد لأول مرة بصفته موزعاً للصحيفة “في المقاطعة الشرقية”، ابتداءً من العدد الثاني من صحيفة “أخبار الظهران”، الصادر في 27/6/1374 هـ، الموافق 20/2/1955 م. ولم يتضح إذا ما كان للمكتبة أنشطة ترويجية عدا توزيع الصحف والمجلات السعودية والعربية؛ إلا أنها بدأت في الإعلان عن الكتب التي ترد إليها حديثاً، ابتداءً من شهر صفر 1379 هـ، إذ نشرت في العدد 52- الصادر في 22/2/1379 هـ، الموافق 26/8/1959 م- أنه يسرها أن تقدم لعملائها “عشرة كتب مختارة تقدمها لعملائها في هذا الأسبوع وسوف توالي تقديم روائع الإنتاج العالمي كل أسبوع”. وقد تحدثت عن وضعها عام 1378 هـ- 1958 م- صحيفة “الخليج العربي” التي خصتها بافتتاحيتين بقلم رئيس تحريرها محمد أحمد فقي، قال في الأولى منها- في 24/3/1378 هـ: “زرت قبل أيام مخزن مكتبة بايزيد زيارة سريعة لأمر يتعلق بالصحيفة.. وراعني أن أجد تلك الأكداس من الجرائد والمجلات السعودية وغير السعودية.. وراعني أن تظل هذه الأكوام في هذا المخزن هكذا مهملة... فبايزيد والحق يقال ليس لديه فن للدعاية وموظفوه لا يعرفون البيع أو العرض، وهو فوق هذا لا يعطي الصحف السعودية حقها من الدعاية والاهتمام...”. ويواصل فقي في العدد التالي التحدث عن وضع المكتبة وتعاملها مع ما يرسل لها من أعداد صحف ومجلات سعودية، ويقترح على أصحاب الصحف القيام بإجراء ما لمعالجة مشكلة التوزيع. ولا يخلو ما ذكره فقي في هاتين الافتتاحيتين من مبالغة فيما يخص الجهد الترويجي للمكتبة، فمهمتها البيع فقط، ثم إنني لم أجد في الصحف الأخرى انتقاداً لما قال بإنه إهمال من قبل المكتبة تجاه الصحف والمجلات، اللهم إلا ما ورد في مقال محمد بن عبدالله الحمدان- صاحب مكتبة قيس، رحمه الله- في مقاله المنشور في “القصيم”، في 7/1/1381 هـ- “ثلاثة أيام في مناطق البترول”-، الذي يقول فيه: “وقد طرقت أبواب المكتبات في الدمام أبحث عن الصحف المحلية كالبلاد والندوة والقصيم واليمامة فلم أجد منها شيئاً، أما الصحف والمجلات الخارجية فمتوفرة بكثرة وفي متناول اليد!!”. وبقيت المكتبة تمارس نشاطها في الخبر فقط- أي طوال عشر سنوات تقريباً- حتى مطلع عام 1379 هـ، حينما أعلنت في صحيفة “الخليج العربي” عن “حفلة الافتتاح” التي ستقيمها في فرع المكتبة بالدمام “وهي في الرونق الجديد”، ووجهت الدعوة للجمهور لحضور الافتتاح مساء يوم الثلاثاء 12/3/1379 هـ، بداية شهر سبتمبر 1959 م. وبعد عشرة أشهر باع بايزيد المكتبة على أحمد بارشيد، مقابل نقل قدم- كما ذكرت “الخليج العربي” في 5 صفر 1380 هـ، وغير اسم المكتبة إلى “مكتبة الثقافة السعودية”. ويدل إعلان للمكتبة- “مكتبة بايزيد”- عن قصة بعنوان “عاصفة في الأفق” نشر في صحيفة “البلاد” في 23/8/1381 هـ، الموافق 29/1/1962 م على انها انتقلت إلى جدة، إذ ذكر أنه يمكن الحصول على القصة في مقرها في ميدان باب مكة. ومهما يكن الأمر، فالأمانة تقتضي القول بأن هذه المكتبة- مكتبة بايزيد- قد أسدت خدمة كبيرة للمنطقة، وسدت فراغاً يعجب المرء لوجوده بداهة. وبالنسبة للمدن الأخرى فلم أجد ذكراً لمكتبة تجارية إلا اسم “مكتبة التعاون الثقافي” في الأحساء، التي ورد اسمها من بين وكلاء مجلة “صوت البحرين”، ابتداءً من العدد ½ من السنة الثالثة، الصادر في محرم 1372 هـ، الموافق لشهر سبتمبر 1952 م، ضمن قائمة ورد فيها اسم مكتبة بايزيد، واسم عبدالحميد الزائر كوكيل لها في القطيف واسم عبدالله عبدالرحمن الملا كوكيل لها في الأحساء أيضاً، وفي مكة المكرمة “مكتبة الثقافة”، وفي الرياض محمد بن شلهوب والمدرسة المحمدية. وأضيف إلى ذلك أن مجلة “هجر” أشارت في عددها اليتيم- محرم 1376 هـ، أغسطس 1956 م- إلى افتتاح “المكتبة الأهلية” و”مكتبة التلميذ” بمدرسة المبرز الثالثة. ومن بين المعلومات المهمة المتعلقة بالمتطوعين لتوزيع أعداد من الصحف في المنقطة الشرقية في مرحلة سبقت السبعينيات ببضع سنوات ما أوردته صحيفة “المدينة” عام 1367 هـ- في 1/12/1367 هـ، الموافق 4 أكتوبر 1948 هـ- التي ذكرت أن وكلائها في المنطقة هم: عبدالعزيز منصور التركي في الأحساء، أحمد بن الشيخ يعقوب في الظهران والخبر، فارس الحامد في الدمام والقطيف والعقير، ومحمد المعجل في الجبيل ورأس تنورة؛ ورجت الصحيفة “اعتمادهم وكلاء لها في دفع الاشتراكات ومراجعتهم في كل ما يتعلق بالجريدة”. ولاحقاً، نَوّهَت الجريدة في 4/12/1370 هـ بقدوم وكيلها في القطيف الأديب محمد الشيخ إلى المدينة. وبالنسبة للأحساء، فكما ذكر عبدالله عريف في واحد عن مقالاته عن زيارته للمنطقة الشرقية في صفر 1371 هـ، الموافق لشهر نوفمبر 1951 م، ، لم يكن عدد المشتركين في كبرى الصحف السعودية “البلاد السعودية” يزيد على خمس عشرة نسخة، والتصريف عن طريق البيع مفقود. وبالنسبة لهذه الجريدة من المفيد الإشارة إلى أنها أوردت اسم عبدالعزيز التركي من ضمن وكلاء توزيعها عام 1366 هـ، حسبما نشر في العدد 642، الصادر في 26/3/1366 هـ، الموافق 17/2/1946 م؛ وقد غطى في العدد المذكور وفي العددين الذين سبقاه زيارة الملك عبدالعزيز للأحساء والظهران بصفته مراسلاً للجريدة. وكان التركي حينها يعمل معتمداً لمعارف الأحساء، عندما كان الشيخ حمد الجاسر رئيساً لمراقبة التعليم في الظهران. وبالنسبة للمكتبات العامة، فبالإضافة إلى المكتبات التي ورد سابقاً أن أرامكو افتتحتها لموظفيها وعمالها في عدد من مناطق انتاج ومعالجة النفط في بداية السبعينيات الهجرية، أشير وبإيجاز شديد إلى مكتبة فرع معهد الأحساء العلمي الذي افتتح في شهر محرم 1374 هـ، و”المكتبة الأهلية العامة” في القطيف التي ورد ذكرها لأول مرة في “الخليج العربي”، المؤرخ في 16/11/1379 هـ، والمكتبة العامة بالأحساء التي افتتحت في شهر رجب 1381 هـ.