قدّمت مبادرة الشريك الأدبي للمشهد الثقافي السعودي نماذج جديدة من صناع المبادرات الثقافية، الذين ساهموا في تصميم المبادرات، وإدارة البرامج، وبناء الشراكات، وتحويل الأفكار إلى مشاريع ذات أثر مجتمعي مستدام. ومع اتساع نطاق المبادرة، تشكلت كوادر ثقافية تجمع بين الرؤية الإبداعية، والقدرة على التخطيط والتنفيذ، بما يعكس التحول الذي يشهده العمل الثقافي في المملكة نحو مزيد من الاحترافية والعمل المؤسسي. وفي هذا السياق، برزت تجارب يقودها مثقفون ومبادرون، نجحوا في الانتقال من تنظيم الفعاليات إلى بناء مشاريع ثقافية متكاملة، تستند إلى الشراكات، ورؤية واضحة للأثر الثقافي والمجتمعي. في هذا الحوار، يتحدث مؤسس ورئيس صالون نُبل الثقافي، الأستاذ منصور بن عمر الزغيبي، عن تجربته بوصفها أحد النماذج التي برزت في إطار مبادرة الشريك الأدبي، وكيف تحولت فكرة ثقافية إلى مشروع مجتمعي مستدام، وما يتطلبه بناء المبادرات الثقافية وصناعة أثرها في المملكة. مساحةً للحوار والأدب *ما الفكرة التي انطلق منها صالون نُبل الثقافي؟ وكيف تحولت إلى مشروع يقوم على الشراكة وصناعة الأثر؟ وما الذي يمثله اسم “نُبل” في هذه التجربة؟ -وُلدت فكرة صالون نُبل الثقافي من علاقة مبكرة بالكتاب والقراءة، ومن إيمان راسخ بأن الثقافة لا ينبغي أن تبقى حبيسة القاعات أو محصورة في دائرة النخب، بل يجب أن تكون قريبة من المجتمع، حاضرةً في تفاصيل حياته، ومؤثرةً في وعيه وذائقته، وتناغماً مع المبادرات الثقافية الرسمية. ومن هذه القناعة جاءت فكرة “ نًبل “ ؛ ليكون مساحةً للحوار والأدب، ومنصةً تلتقي فيها التجارب والأجيال والتخصصات، وليجعل من العمل الثقافي ممارسةً مجتمعيةً مستدامة، تتجاوز حدود الفعاليات إلى بناء الوعي وصناعة الأثر.. ومنذ بدايته، كان الهدف ألا نكتفي بإقامة الفعاليات، بل أن نبني تجربة ثقافية تقوم على جودة المحتوى، واكتشاف المواهب، وصناعة الشراكات، وتحويل الأفكار إلى مبادرات تترك أثرًا ممتدًا. أما اسم “ نُبل “ فلم يُختر لأنه اسمٌ جميل فحسب، بل لأنه يختصر الفلسفة التي يقوم عليها الصالون. فالنُّبل في تصورنا قيمةٌ تُوجِّه الفكرة قبل أن تُوجِّه العمل؛ نبلٌ في الكلمة، ونبلٌ في الحوار، ونبلٌ في الاختلاف، ونبلٌ في الشراكة، ونبلٌ في خدمة المجتمع. ولذلك حرصنا أن يكون الاسم انعكاسًا للهوية التي نحملها، وأن تكون كل مبادرة نقدمها جديرة بأن تنتمي إلى هذا المعنى. لذلك أردنا أن يكون الاسم هويةً ومعيارًا في الوقت نفسه؛ بحيث تحمل كل فعالية أو مبادرة أو شراكة شيئًا من هذا المعنى، وأن يظل صالون نُبل وفيًّا لرسالته في نشر الوعي النبيل، والارتقاء بالذائقة، وتعزيز المعرفة، وجعل الثقافة أسلوب حياة الثقافة ليست حكرًا على النخب *ما أصعب اختبار واجه صالون نُبل في بداياته؟ وهل كانت التحديات في الموارد، أم في ترسيخ نموذج مختلف للعمل الثقافي؟ -التحدي الأكبر لم يكن في الإمكانات، وإنما في ترسيخ مفهومٍ مختلف للعمل الثقافي، يقوم على أن الثقافة ليست حكرًا على النخب، بل حقٌ لكل أفراد المجتمع. كما واجهنا تحدي الاستمرارية، لأن المبادرات الثقافية لا تنجح بالحماس وحده، وإنما تحتاج إلى رؤية واضحة، وإدارة واعية، وشراكات فاعلة، وفريق يؤمن بالرسالة. وتجاوزنا تلك التحديات بالعمل المتواصل، وجودة المحتوى، واحترام الجمهور، وبناء الثقة مع الشركاء، حتى أصبح الأثر الذي تحققه المبادرات هو أفضل تعريف بالصالون. منظومة متكاملة *كيف تُبنى الخريطة البرامجية لصالون نُبل؟ وما المعايير التي تحكم اختيار موضوعات تمتد من الأدب إلى الفنون والعلوم والرياضة؟ -نحن لا ننظر إلى الأدب بوصفه مجالًا منفصلًا عن بقية المعارف، بل نراه مساحةً رحبة للحوار معها جميعًا. فالثقافة الحقيقية لا تعرف الحدود الجامدة بين التخصصات، بل تبحث عن نقاط الالتقاء التي تثري المعرفة وتوسع أفق الإنسان. ولذلك حرصنا على تقديم برامج تجمع بين الأدب والفلسفة، والفنون، والعلوم، والتراث، والرياضة، والقانون، والتقنية، وغيرها، لإيماننا بأن الإنسان لا يتكون من معرفة واحدة، وإنما من منظومة متكاملة من الخبرات والثقافات. الشريك الأدبي *برأيك، ما الذي أحدثته مبادرة الشريك الأدبي في بنية العمل الثقافي السعودي؟ وكيف انعكس هذا التحول على تجربة صالون نُبل؟ -أرى أن مبادرة الشريك الأدبي من المبادرات الاستراتيجية التي أحدثت تحولًا مهمًا في العمل الأدبي والثقافي بالمملكة. فقد أسهمت في بناء بيئة أكثر احترافية، ورسخت مفهوم الشراكة بين الجهات الحكومية والقطاع غير الربحي والقطاع الخاص، ودفعت المبادرات الثقافية إلى تطوير برامجها، ورفع جودة مخرجاتها، وقياس أثرها المجتمعي. وبالنسبة لنا، أتاحت المبادرة تنفيذ مشروعات نوعية، وإطلاق مسابقات وإصدارات ومبادرات، والتوسع في الشراكات والوصول إلى شرائح جديدة من المجتمع، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في جعل الثقافة جزءًا من الحياة اليومية. الاقتراب من المجتمع *يلاحظ حرصكم على بناء شراكات متنوعة. ما الرسالة التي تسعون إلى إيصالها؟ -نحن لا ننظر إلى الشراكة بوصفها غاية، وإنما وسيلة لصناعة أثرٍ ثقافي أوسع. وقد أثبتت التجربة أن الثقافة تستطيع أن تتقاطع مع التعليم، والصحة، والإعلام، والرياضة، والفنون، والقطاع غير الربحي، والقطاع الخاص، وأن كل مجال يحمل فرصة لبناء مبادرة تخدم الإنسان والمجتمع. لذلك حرصنا على أن يذهب الصالون إلى الناس، لا أن ينتظر الناس ليأتوا إليه، لأن الثقافة كلما اقتربت من المجتمع ازدادت تأثيرًا واستدامة. ترسيخ مكانة المملكة *بعد أن قطع صالون نُبل هذه الرحلة، كيف ترون ملامح المرحلة المقبلة؟ وما الرؤية التي تقود مشروعكم الثقافي في السنوات القادمة؟ -ننظر إلى كل إنجاز باعتباره بداية لمرحلة جديدة، لا محطة أخيرة. ونطمح إلى تطوير صالون نُبل بوصفه منصة ثقافية وطنية تسهم في دعم المبدعين، وتعزيز القراءة، وتوثيق الحراك الأدبي، وبناء المبادرات المستدامة، مع توظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في خدمة الثقافة. كما نعمل على توسيع حضور الأدب السعودي، وتعزيز جسوره مع العالم من خلال مشروعات نوعية تُبرز منجزه الثقافي، وتسهم في ترسيخ مكانة المملكة بوصفها حاضنة للإبداع والمعرفة. الشغف بالثقافة *كلمة أخيرة للشباب والشابات الذين يحملون شغفًا بالأدب والثقافة. ما الذي يحتاجه الشباب اليوم لتحويل شغفهم بالثقافة إلى مبادرات ومشاريع تصنع أثرًا في المجتمع؟ -أقول لكل شاب وشابة يحملان شغفًا بالأدب والثقافة: اجعلوا المعرفة أساس رحلتكم، والقراءة رفيقة طريقكم، والإنسان غاية ما تقدمونه. فالثقافة ليست تكديسًا للمعلومات، وإنما بناءٌ للوعي، وتهذيبٌ للذائقة، ومسؤوليةٌ تجاه المجتمع. ولا تنشغلوا بسرعة الوصول بقدر انشغالكم بجودة ما تقدمون؛ فالأثر الحقيقي لا يصنعه الحضور المؤقت، بل يصنعه العمل المتقن، والاستمرار، والإخلاص للفكرة. وكل كتاب تقرؤونه، وكل تجربة تخوضونها، وكل مبادرة تطلقونها بإتقان، تسهم في بناء شخصيتكم قبل أن تسهم في خدمة الآخرين. كما أوصيهم بالانفتاح على مختلف مجالات المعرفة، وبناء الشراكات. وأختم بتوصية أراها من أهم المهارات في هذا العصر، وهي تطوير مهارات الاتصال والتواصل؛ فالمثقف الذي يجمع بين عمق الثقافة، وحسن التواصل، والقدرة على الإنصات، يكون أقدر على صناعة الأثر، وخدمة الثقافة، والإسهام في بناء مجتمع أكثر وعيًا ومعرفة.