كوم النور اسم رواية للكاتبة ثرية الإنتاج ريم البسيونى، التى تتابع رواياتها عن تاريخ مصر ، روايتها «أولاد ناس» عن الحقبة المملوكية، و روايتها « القطائع»عن أحمد بن طولون ، و روايتها «الحلوانى» عن الحقبة الفاطمية . أما هذه الرواية «كوم النور» فعن الحقبة الخديوية ، و كلمة الخديوي معناها سيد بالفارسية، و قد أطلقت على ثلاثة من حكام مصر ، إسماعيل ، وتوفيق وعباس حلمي الثانى، وعنى هذا اللقب إعطاء حاكم مصر نوعا من الاستقلالية و تمييزه عن ولاة الدولة العثمانية في باقي الأقاليم . يفهم من قراءة روايات ريم البسيوني أنها لا تتفق مع المفهوم الذي شاع في مصر و الذي يقول أنه قبل حكم الجيش كان الحكام أجانب عن مصر، فالسياق الروائى يبرز مصريتهم ، لأن مصر لها خصيصة صهر كل من سكنها ليصبح من أولاد الناس ، و هذا يفسر حالة العشق بين أبطال روايتها و الشعب المصري الذي كانت نساؤه يهدهدن أطفالهن بأغنية «الله حي عباس جي! ضرب البمبة في إيد العمدة وتنه جي..» يقصدون بالعمدة المعتمد البريطانى، ثم أصبحت ضد كل ظالم . عاش عباس في المنفى ثلاثين عاما، نفاه الإنجليز بعد أن حكم ثلاثة و عشرين عاما، و لكنه ما كف يوما عن العمل من أجل مصر ، وتحريرها من الاحتلال الإنجليزى والارتهان للنفوذ الأجنبي، بل أسمت الرواية « كوم النور» ، وهي قرية في ريف مصر عريقة في تاريخها ، كان اسمها كوم ألبول، بألف مهموزة و الكلمة تعنى كوم الماء ، و نظرا لظلال المعنى في العربية فقد حُول الإسم إلى « كوم النور» . و كما ربطت سيرة عباس حلمى الثانى بالقرية فقد ربطته أيضا بأشهر أثارها و أجملها « جامع هلال باشا» ، و تلك تيمة تصحبها ريم في رواياتها ، أي إحياء تاريخ الآثار ، بل وجعلت من هلال -وهو اسم يرمز لإمام المسجد ، أو الثري الذي بناه في اشارة لدور الشعب في بناء الوطن- المرشد الروحي للخديوى عباس حلمى الثانى. و ربطت بين بناء أول مدرسة فى كوم النور على عهد الخديوى ، و دخول بناتها الجامعة المصرية، مستثمرة المعنى الرمزي لاتحاد حلم الخديوى بأحلام الشعب ، فالخديوى حارب كرومر ممثل المستعمر الإنجليزى ، لإنشاء الجامعة المصرية ، الإنجليز لم يكونوا يرون أن المصريين يصلحون لتعلم العلوم الإنسانية، و بما أنهم كانوا يتحكمون بموارد مصر فلم يكونوا موافقين على الإنفاق على التعليم الجامعي، و لكن الرجل أخذ يستنهض الشعب المصري للتبرع، فيستجيب أمراء بيته و أغنياء الشعب ، و يسبقهم هو فيتبرع من دائرته الخاصة التى برع في استثمارها ليستغني بها عن أعطيات الإنجليز له و لشعبه. و قد برز هذا في مشروعاته التى خرجت بالشعب إلى حقبة التنوير. تعيد البسيوني هنا كتابة التاريخ بشكل روائى ، اعتمدت في مصادرها على ما تبينته في دراستها للآثار المصرية من أختام تدل على أن للخديوى دورا في بنائها و صيانتها ، ثم عثرت على مذكرات الخديوى المكتوبة بالفرنسية و طابقتها على الواقع ، كذلك بحثت عن أرشيف العائلة الخديوية ، و ما تحتويه الأوراق الخاصة عند أحفاد الخديوى لتخرج بهذه السيرة الروائية . و للتاريخ أن يقول كلمته ، فالمعروف أن ريم البسيوني شديدة التعاطف مع أبطالها ، نري هنا أنها كتبت سيرة مثالية للحاكم المخلص الذي يواجه احتلالا ساحقا، دون هوادة، يواجهه و هو في الحكم و كذلك و هو في المنفى ، حاكم أخلاقي بكل معنى الكلمة ، واسع الحيلة ، يحارب النفوذ البريطانى في عصر دار بريطانيا ، بكتاباته عن حال مصر المحتلة التى يذيقها الانجليز الهوان، التى تغفل اسم المؤلف ، يكسب تعاطف بعض المؤثرين من الإنجليز ليسندوا مطالب مصر، ينشئ الجمعيات السرية، يرعى القيادات مثل مصطفى كامل ليكونوا أندادا للانجليز، يحاول أن يلعب على التناقضات بين فرنسا و إنجلترا، و عندما يٌنفى يحتال للوصول إلى أهدافه، فهو مرة يحمل جوازا إيرانيا، و أُخرى يظهر في شخص تاجر من أذربيجان. كما أنه رجل جذاب تحبه كل النساء في الإطار الأخلاقي الذي يرضيه ، لم يقبل التسلي بالجواري، وعندما ضغطت عليه أمه اختار جارية فأعتقها وأصبحت أم أولاده، حاول أن يجعل منها شريكة في الحكم و صديقة على مستواه، و لكن ذلك ما لم تكن مؤهلة له، انقطعت العلاقات العاطفية بشكل طبيعي دونما جراح، استعادته السويسرية صديقة أيام مراهقته، جاءته في لحظة عصيبة ، ازرته في إحدى المحن، أسلمت و قبلت تغيير اسمها و احتشمت، لكنها في مصر لم تكف عن المقامرة، ظنت أنها ملكة أوروبية، استثمرت كرمه الواسع لتنتفق عن سعة ، حين ضاقت بها أمواله أرادت أن يأخذ لها من اموال الشعب، لكن هنا تجاوز حدود التسامح بين المحبين، و استغلت الصحافة الموالية للانجليز تصريحاتها، فكان لا بد من الافتراق ، لكنها ماتت على الإسلام ، و دفنت في مقابر المسلمين، و لم ينفك الرجل عن رعايتها و رعاية زوجته الأولى حاكما و منفيا، رغم أن كلتاهما في حقبة نفيه آثرتا السلامة والبعد. ثم الحبيبة الفرنسية ، السكرتيرة السرية للعمل ضد الإنجليز كانت زوجته الثالثة ، اخلصت له حين كان ضعيفا ، إدارت أمواله لحمايته و لصالح معشوقته مصر ، و عندما ماتت أعادت أخواتها له كل أمواله التي كانت بعهدتها ، كانت محبوبة حقيقية ، شاركته في اعباء الحكم حاكما و منفيا ، الحبيبة التي بقيت بعده ، البهلوانة أم الشعور، قامت بكل الأدوار لصالحه، بهلوانة تمثل الذكاء الحريف للمصريين ، حتى كُسرت رجلها و استبدلتها برجل خشبية ، تشبه ساحرة الهرم في روايات ريم البسيوني الأخري ، إحدى رموز مصر التى تربط الحاكم الجديد بالجذور الفرعونية. في لحظة ما تخلى عنه بعض خلصائه، منهم أفراد من عائلته ، رأوا بأن عدم مهادنة الإنجليز قد أفقدت فرعهم الحكم ، و نقلته إلى عمه فؤاد ، الذي كان مثل أخيه توفيق، راضٍ أن يكون آلة بيد الإنجليز، لم يكن أحد يتصور أن مصر قادرة على الخروج من النفوذ الانجليزى، قال البعض أن الشجعان أحيانًا يأتون في أيام لا تناسب شجاعتهم، أتى الأوروبيون لكى يمسكوا بزمام ثروات مصر ، و يتحكموا في ماليتها و ثرواتها ، يريدون أن يأخذوا من الشعب مردود القروض الربوية الكثيرة التى تورط فيها جده اسماعيل ، حلمه ببناء قاهرة على غرار باريس ، فيها أوبرا ، و سكك حديدية .. إلخ ، انتهى إلى ديون لم يقم بها إنتاج مصر كلها ، الخطوة الثانية كانت عندما دخلت الجيوش الانجليزية مصر إثر ثورة عرابي ، يومها قالوا أنهم سيرحلون، و بقوا، لم يتركوا ورائهم شيئا يذكرهم به الشعب المصري ، و حين دخلت الدولة العثمانية إلى جانب ألمانيا في الحرب العالمية الأولى أُعلنت الحماية على مصر ، كان الإنجليز قد تلاعبوا بالأسرة العلوية في مصر ، استخرجوا الأمير حسين كامل ليحل محل الخديوى عباس الذي نفوه ، وعند وفاته جاؤوا بالملك فؤاد ، و كلما حاول أحد هؤلاء الملوك أن يخرج عن سيطرتهم و لو قليلا ، هددوه بكثرة المنافسين من الأسرة وكلهم يتهيأون للقفز إلى العرش مقدمين الولاء للإنجليز، و فيما بين الحربين العالميتين تلاعب الإنجليز بالأحزاب المصرية، عاش الخديوى في المنفى، أحيانا في يخت يحمله ويحمل تابوتا ليحفظ فيه إن مات حتى يعود جسده إلى مصر ، شهد ثورة ١٩١٩ التى حملت بعض أفكاره ، و ناضل في المنفى ضد معاهدة ١٩٢٢ ، كانت معاهدة انعكست فيها موازين القوة بين طرفين غير متكافئين . نصح عباس مصطفي النحاس و مكرم عبيد أن يوحدوا الأحزاب المصرية ، حتى لا يستثمر الإنجليز خلافاتهم ، فى لحظات إفاقة نادرة قبل أن يعفو عن ابنه الذي لم يسمح له الملك فؤاد بالذهاب لزيارة والده ، و ظل على ذلك طويلا ، حتى أذن الملك ، حين لم تعد خطورة الخديوى على ملكه كما كانت، أخذ الخديوي يقترب من السبعين، ثلاثون عاما مرت على منفاه، لم يلن، ظل في عهدة الشعب المصري، ذاكرة ملهمه، و أملا لم يضعف، ابتعث طه حسين أول خريجى الجامعة المصرية ليدرس في السوريون، كما ابتعث من قبله عددا من خريجى مدرسة الحقوق ، منهم مصطفى كامل ، و جاءت سهير القلماوى تزوره، أول خريجة مصرية من الجامعة تشكره على دعمه للعلم، أشار عليها بأن تتخصص في « ألف ليلة و ليلة». ذكرت الكاتبة أنه كان خارج مصر عندما حصلت مأساة دنشواى ، حاول أن يستبق إعدام المظلومين بالعودة سريعا، لكن الإنجليز لم يتمهلوا، مارسوا طغيانهم مستغلين غيبته، لم تتعرض الرواية للظروف التى جعلت المنفلوطى يهجوه عندما عاد من أوروبا بقصيدة ، سارت على نهج قصيدة المتنبي في هجاء كافور: قدوم و لكن لا أقول سعيد و عود و لكن لا أقول حميد و مُلك و إن طال المدى سيبيد يذكرنا مرآك أيام أُنزلت علينا خطوب من جدودك سود ، فرغم أن التاريخ يذكر بعض القادة بصورة مثالية، إلا أن هذا الرجل ورثه من عائلته من كان حريصا على تشويه سيرته، ثم جاءت حقبة الجيش في مصر لتلقي ستارا على التاريخ قبلها، و لكن الرواية تتحدث عن الإنسان لا عن القائد ، وكان يمكن أن تتحدث عن ضعفه الذي لا يخلو منه أحد. و لكن الكاتبة أضفت على بطلها مثالية حتى عندما بدا منه ضعف، و كما ذكرت فإن الحكاية لمن يرويها. ما كتبه الرحالة المصري محمد لبيب البتانونى الذي رافقه في رحلة الحج ، أنه كان متواضعا، مخبتا، فقد أصر على أن يطوف ماشيا لا على الخيل لكسب الأجر ، و حرص على خدمة المسجد النبوي خلال إقامته في المدينة ، وكان بارا بالفقراء و المنقطعين من الحجاج. و توافق ما ذكر عنه في الرواية من صفات حميدة مع ما ذكرته زوجته الأوروبية التي صار اسمها جويدان في مذكراتها التى نشرت دار الهلال ترجمة لها ، و لكنها ذكرت أن عقلية زوجها التجارية جعلته يهتم بالتجارة و تنمية الثروة أكثر من أي شيء آخر، و مما يعزز ذلك الرأسمالية أنه حين تيقن من أنه لن يعود إلى مملكته ،تنازل للملك فؤاد عن العرش مقابل ثلاثين ألف جنيه . روت زوجته أيضا استقباله في الإسكندرية للاجئين بعد حرب البلقان إذ أشرف على رعايتهم بنفسه. و كان رحيما عطوفا. قد يختلف النقاد على تقييم الرواية أدبيا لكننى احمد للكاتبة ربط قراءها من الأجيال الجديدة بتاريخهم ، خاصة مع وجود محاولات حقيقية لطمس التاريخ ، و أهنئها على جمهورها من الشباب الذي يتجاوب مع مطولاتها الروائية، فعلى شغفي بالموضوع كان الإغراق في تفاصيل الجزء الثانى دافعا عندى للشرود وإعادة القراءة مع التخطيط تحت بعض السطور حتى لا تضيع التفاصيل .