غوايات الكتب المدهشة.

للكتبِ الجميلةِ سطوةٌ على الذاكرة ، تتركُ أثرها العميق رغم مرور الكثير من السنوات تحت جسر الزمن. هنا باقةٌ من تلك الكتب التي قرأتُها باكرًا وشغفتُ بها كثيرًا ، وظلّ تأثيرُها قائمًا إلى يومنا هذا. لذا أكتبُ عنها هذه الإضاءات المقتصدة ، لعلَّ جيلًا جديدًا من هُواةِ القراءةِ والكتابةِ والإبداع يصطفيها كما اصطفيتُها ذات شغف. 1 باكرًا قرأتُ كتاب “ العمق الرمادي “ ، للشاعر الروسي يفغيني يفتوشنكو ( قام بترجمته إدريس الملياني ، وصدر عن “ أزمنة “ بالعاصمة الأردنية عمّان ) إنه سيرةٌ مليئةٌ ، مكتوبةٌ بحبرٍ صافٍ وروحٍ جلية..تتناول سنوات الطفولة والصبا ، العذابات المبكرة ، والبدايات العجيبة الأولى على مستوى الكتابة .. مكابدات الحياة ، عثراتها ، ومخاتلاتها المُرّة ، سطوة الأيديولوجيا وما تحدثه في النفس البشرية من تلف ، الرقابة الصارمة على الإبداع في بلده ذاتَ حقبةٍ مريرة والتلصص على أصابع الكاتب وتفتيش الهواء الذي يتنفسه ..كما تتناول بلغةٍ بسيطةٍ عميقةٍ جميلةٍ ساحرةٍ و ساخرةٍ وناقدة ذلك الفكر المغلق كصندوق ، الفكر الذي يفضي إلى صوغِ أصنامٍ جديدة في كل مرحلة ، و تقديس “ الديكتاتور “ وتقديمه لحشدٍ واسعٍ من الناس بوصفه بطلًا مغوارًا ورمزًا خارقًا للعادة.. وبما انه وُضِعَ في منطقةٍ مقدسة فهو حتمًا - والحال هذه - فوق مستوى النقد والتمحيص والمساءلة.. يفتوشنكو هنا يشيرُ - من دون مواربةٍ - إلى “ ستالين “ الذي اتضحتْ حقيقتُهُ بجلاء بعد رحيله ، فهو ذلك الدمويُّ البشع ، مهندسُ المجازر ، وسليلُ حقبةِ الآثام . المهم في هذا السياق هو إن الشاعر يفغيني _ على حدِّ قوله - حينما رأى ما يجري في جنازة ستالين من حماقاتٍ قرر على الفور إجراء “ مراجعةٍ “ جذرية - ولربّما جاءت متأخرةً - كيلا يظل رهينةً لهذا الفكر “ القطيعيِّ “ الذي يسوقُ الناسَ إلى بريّةٍ عريضةٍ واسعةٍ معتمةٍ كما لو كانوا محضَ أنعامٍ مصابةٍ بالعمى. 2 هذه الرواية العظيمة لسيلفيا بلاث التي بعنوان ( الناقوس الزجاجي ) - الصادرة عن دار كلمة في “ أبوظبي “ - لها “حكاية “ طويلة ، أوجزها هكذا : رفضتها محررتان في دار هاربر ـ تكبران بلاث سنًّا ـ بحجة إن الرواية “ مخيبة للآمال “ ، وإنها “ صبيانية “ .. بعد انتحار بلاث في العام 1963 ، عُرِضَتْ الروايةُ ذاتُها على شخصٍ يُدعى فرانك سيوسيا ـ وهو مدير مبيعات بارز في الدار نفسها ـ لكنه كان يتصف  بنظرة ثاقبة تمكنه من التعرف على الكتب العظيمة آنَ قراءتِها .. قرأها في ليلةٍ واحدة ، شغفَ بها ، وتوقع أن تحقق مبيعات استثنائية ، وفعلًا صدقَ حدسُهُ. قامت الدارُ بنشرها ، ومنذ العام 1972 بيعت منها قرابة 3 ملايين نسخة ، ثم احتلت مكانها على الفور ضمن قائمة الكتب الأكثر مبيعًا ، ورَسَّخَتْ نفسَها كتوأم للرواية الشهيرة “ الحارس في حقل الشوفان “ للكاتب الأمريكي جيروم ديفيد سالينجر الصادرة في العام 1951. جدير بالذكر أن سيلفيا بلاث شاعرةٌ رائعةٌ أيضًا .. منذ سنواتٍ ليست بعيدةً قرأتُ لها مختارات أدارت رأسي ، صادرة في مجلد أنيق عن دار “ كلمة “ في أبوظبي ، ترجمها بحبره الرائع سامر أبو هواش. هذه الشاعرة ذات الروح القلقة أنْهَتْ حياتها منتحرةً بالغاز بطريقةٍ قاسيةٍ ومؤلمة .. مصيرها المأساوي هذا دفعني إلى التساؤل بريبة : هل لزوجها الشاعر “ تيد هيوز”  يدٌ في عذاباتها ؟ أم إنها مهيأة نفسيًّا لإطفاءِ حياتِها هكذا وهي في ربيعها الثلاثين ؟ 3 “ الطريق الوحيد “ للروائي التركي الكبير عزيز نسين ، رواية مبهجة مثل روايته العظيمة الأخرى “ زوبك “ ، تتناول عالم الاحتيال بلغةٍ ساخرة ، لا تخلو من مرحٍ داكن ..يتحدث نسين عنها قائلًا : “ تعرفت على بطل هذه الرواية عام 1956 في سجن باشا قبصي. كان محتالًا ذا سوابق ، عمره يزيد على الخمسين عامًا. وقد شكّلَ لي المصدرَ الحيَّ لاستلهام شخصية باشازادة الذي أحكي عنه في الرواية” ، ويتابع نسين حديثه قائلًا : “ كأكثر المحتالين كان باشازادة حَكَّاءً ماهرًا ، وكأكثر المحتالين أيضًا يحكي وقائعَ ملفقةً كما لو انها وقعتْ له في الحقيقة ، ولكثرة ما يكرر سرد حكاياته يُصدِّق ما لفقه هو من كذب. ولأنه يصدّقُ هو أولًا ما يحكيه من تلفيقاتٍ كاذبةٍ تصبح هذه الحكاياتُ مقنعةً ومؤثرة “.. هذا المحتال كان يبرع في ابتكار المبررات لإسكاتِ ضميرِهِ عند ارتكابه ذنبًا ما ، قائلًا : “ كانت كافةُ الطرقِ مغلقةً في وجهي ، بقيَ أمامي طريقٌ واحد “ ، لهذا السبب - يضيفُ نسين - أطلقتُ على هذه الرواية “الطريق الوحيد”. هذه الرواية صدرت عن دار المدى بدمشق ، وقام بالترجمة المبدع الراحل عبد القادر عبد اللي المتخصص في ترجمة الأدب التركي. 4 من الروايات التي راقت لي كثيرًا ( تُرْجِمَتْ إلى أكثر من خمسين لغة في العالم ) رواية “ الرجل الذي مات مرتين “ ، وهناك ترجمة ثانية لها بعنوان “ ميتتان لرجل واحد “ ، وثمة ترجمة ثالثة أيضًا بعنوان “ كانكان العوّام “ ، للروائي البرازيلي جورج أمادو ، المهتم كثيرًا بالعوالم السفلية لمدينة “ باهيا “ وبأولئك المسحوقين الذين دأبَتْ الحياةُ الغليظةُ أن تضغط عليهم بأقدامها الرثة .. حين مات “ جواكيم “ في البيت ميتةً عاديّةً لم يصدق أصدقاؤه المقربون هذه الميتة التي حَلَّتْ به ، إذْ من المفترض أن يموت غرقًا كميتةِ أيِّ بحّارٍ جسور ، كميتةِ فارسِ الريحِ والليلِ والزرقة ، الذي تخلَّى عن البيت والعائلة والأصدقاء القدامى والحياة المستقرة ووهب نفسَهُ لقيم التشرد و الصعلكة حيث النوم في الحظيرة والعيش في المهب ؛ لذا تحلَّقَ حوله الأصدقاءُ تحت جنح الظلام كندماءٍ مخلصين ، وظلوا يسردون حكايةً أخرى لموته ، حكاية تليق بسيد التسكع في “ باهيا “ .. وفيما كانوا يتناوبون على حراسته الليل كله شرعوا يتذكرون الكثير من الانتصارات والجسارات والمراثي ويقولون فيه قصائدَ عذبةً مليئةً بشجنٍ حارقٍ تمتدحه وتمتدح الصعلكة وفرسانها الرائعين. في خاتمةِ الروايةِ والليلِ معًا يحملونه على مضض في قاربٍ و يلقون به في البحر ليموت ميتةً أخرى تليق بفارسٍ صعلوكٍ ظلَّ حيًّا في الوجدان ، في الشعر والأغاني معًا. 5 تحت سماءٍ نظيفةٍ ، حيث رقة النسائم ، أعدتُ قراءةَ كتابٍ جميلٍ سبق أن قرأته قبل سنوات ...كتاب بعنوان “ مشاهد إنسانية “ للشاعر التركي الكبير ناظم حكمت ..كان هذا الكتاب النثري - الذي يوشك أن يكون شعرًا - في مكتبتي أيام الجامعة في أربعة أجزاء ، لكنَّ نارًا شرسةً أتتْ على محتوياتِ الغرفةِ التي كنتُ أقطنُها فوق السطح بما فيها المكتبة التي بكيتُ عليها بحرقة ، ألم أكنْ أجمع محتوياتها قطرةً قطرة ؟ .. في العام 2001 استعدتُ الكتابَ حين اشتريتُهُ من المعرض الدولي للكتاب بجدة ..تحديدًا من دار الحوار.. وكانتْ قد جمعَتْ الأجزاءَ كلَّها في كتابٍ واحد. ناظم حكمت هنا يكتب تأملاته ومشاهداته وهو في المعتقل ، يستعيدها من الذاكرة أو يرصدها عبر ما رآه في السجون ..إنه يكتبُ حيواتِ الناسِ البسطاء ، أمثال خليل وعائشة وزينب ومصطفى وحمدي ...الخ ..وهو بهذا كمن يؤرّخُ للحربِ العالميةِ الثانية التي كانت تستعرُ في تلك الأثناء .. لهذا كان هاجسُ الموتِ طاغيًا وهو يكتب : “ ما أشبه الإنسان بالورد ، يذوي في لحظةٍ واحدة “ ، ويقول : “ بعد موتي أنا .. الآخر سيعيشُ ..وآخرُ سيموت ..في حين سأستمرُّ أنا حيًّا “ .. أو قوله لفائق بيك : “ لأنك وحيدٌ في الحياة ، تبقى وحيدًا أيضًا في الموت “ ..ويبدع ناظم حكمت في تأملاته اليومية وهو يرصدُ بسطاءَ الناسِ قائلًا : “ كان خليل يدخلُ عالَمَ التأمُّل ، وكأنه يدخل من أحد الأبواب “ ..أو قوله : “ كان علي يروي حلمه والآخرون يصغون باحترام ،ليس الاحترام لمن رأى الحلم ، لا ..إنه للحلم بالذات “ ..كما يتألق في رسم صور شعرية فاتنة فيما هو يرصد التفاصيل ، هكذا : “ سقط كيسُ الورقِ من حضنِ الدومللي ، تناثرتْ حبَّاتُ التفاح على الأرض كأطفالٍ فرحين “ ..كما يهيمُ بالمرأة ويبدعُ في وصفها : “ تلك المرأةُ التي لم تهْرَمْ أبدًا ، ممتلئةٌ كالخبزِ الأبيض ، بيضاءُ وناعمةٌ “ .. أو كقوله : “ أنا مَنْ رأيتُ جمالَ يديك ، إنَّ يديكِ خارقتان للعادة “..الجميل هو إنَّ ناظم حكمت ظلَّ دائمًا مدافعًا عن الأمل وهكذا يطلقُ سؤالَهُ طيرًا طليقًا في سماءٍ صافيةٍ : “ مَنْ قالَ إنَّ بالإمكانِ هزيمةَ الأمل ؟ مَنْ يستطيعُ هزيمةَ أملِ البشريّة ؟ “ ، كما ظلَّ متفائلًا على الدوام ، ألم يقلْ - ذاتَ سيرةٍ - رغم كل العذاب : “ الحياةُ جميلةٌ ، يا صاحبي “ ؟ 6 “ هكذا أتينا إلى الحياة “ ، و “ هكذا سرنا “ ..جزءان من كتابٍ في ألف صفحة ، يختزلان ـ بلغةٍ شيقة و ساخرة ـ سيرة الروائي التركي الكبير عزيز نيسين ، بدءًا من الطفولة والصبا والشباب وانتهاءً بمرحلة الشهرة والذيوع والأضواء والنضال والسجون والمآلات المرعبة .. قرأتُهما في جلسةٍ طويلةٍ ممتعة ..أذكر جيدًا أن القراءة انطلقت عصر الأربعاء وانتهت عصر الخميس ..حين أتذكر كل هذا أقول ضاحكًا : يا لجنون القراءة في تلك المرحلة المليئة من حياتي ! هذه السيرةُ جميلةٌ حقًّا كونها تكنزُ تجربةً غنيّةً في الكتابة والحياة ..مبثوثٌ بها اللؤم والبراءة ، النصر والخذلان ، الأعراس والمراثي ، السجن والحرية ، الكتابة والواقع ، السلطة والكاتب ، الوردة والعطر ، العاصفة والنسيم ، الإخفاقات والأماني ، الضحك والنحيب ، الكتابة والإنسان ، البسالة في قول ما ينبغي أن يُقال مع الاستعداد الباهر لتحمل العواقب... باختصار ، هي سيرةٌ مليئةٌ بالمواقف والمشاهد والأحداث والكثير من التحديات التي واجهت صاحب “ زوبك “ ، و “ الطريق الوحيد “ ، و “ بتوش الحلوة “ ، و “ يحيى ، يعيش ولا يحيى” ، وسواها.