«زين صار عندنا» وثقافة الاكتفاء..

حين يصبح الوجود إنجازًا.

ليس من الصعب أن تلاحظ أن كثيرًا من النقاشات حول الإنتاج الثقافي والفني، وحتى التجاري، تكاد تنتهي بالعبارة نفسها: (زين صار عندنا)، سواء انتُقد مسلسل تلفزيوني، أو فيلم سينمائي، أو مؤلَّف، يتحول النقاش سريعًا من تحليل اللغة والإخراج والبناء الفني إلى التأكيد على مجرد الوجود: (المهم أن لدينا صناعة درامية)، أو (هذه البداية)، وحين يتعلق الأمر بمؤلَّف، يركز الدفاع على ترجمته أو مشاركته في محفل دولي، كأن الحضور الخارجي يعفي النص من أي مساءلة عن قيمته الفنية الذاتية. تبدو هذه العبارات في ظاهرها تعبيرًا عن التشجيع والإيجابية، لكنها في العمق تكشف عن تصور ثقافي يستحق التأمل الجاد، فبدلًا من أن يدور النقاش حول جودة العمل ومستواه، يتحول إلى احتفاء بمجرد وجوده، لم يعد السؤال: (ما قيمة هذا العمل؟)، بل: (زين إنه موجود). يمكن ملاحظة هذه الظاهرة في مجالات متعددة ، ففي الدراما كثيرًا ما يطغى الاحتفاء على النقد، ويحل التصفيق محل القراءة الفنية، فتغيب مناقشة الكتابة والإخراج وبناء الشخصيات ، وحين يتعلق الأمر بالكتب، ينصرف النقاش في أحيان كثيرة إلى حضور المؤلف، أو ترجمة الكتاب، أو مشاركته في المعارض والمحافل، أكثر من انصرافه إلى مناقشة الأفكار أو اللغة أو البناء ،وحتى في الأسواق، تبدو وفرة المنتجات والمشاريع التجارية أحيانًا أكبر من تنوعها الحقيقي؛ فكثير منها لا يعاني من رداءة واضحة، لكنه أيضًا لا يبلغ مستوى التميز؛ ينجح في تلبية الحاجة، لكنه نادرًا ما يصنع تجربة تستحق أن تُتذكر .  هذا التصور يفرق بين من يحتفي بالبدايات كخطوة أولى، وآخر يجعل من هذا الاحتفاء بديلاً عن السعي نحو الإبداع والإتقان، ليست المشكلة في وجود أعمال متوسطة المستوى، إذ إن كل المجتمعات تنتج أعمالاً متفاوتة، ولا توجد نهضة في اي مجال تبدأ بالكمال، المشكلة الحقيقية تكون عندما يتحول هذا المستوى إلى السقف الذي تستقر عنده التوقعات، وعندما تصبح عبارة (نحن ما زلنا في البداية) تفسيرًا دائمًا لكل نقص، حتى بعد مرور سنوات طويلة وعشرات المشاريع. بتأمل المشهد التجاري الترفيهي يلاحظ درجة عالية من التشابه بينها، ديكورات ضخمة ولافتة للنظر، غالبًا ما تفتقر إلى هوية فنية أو ثقافية مميزة. الموسيقى والأغاني تكاد تكون واحدة، وقوائم المشروبات تعيد إنتاج الأفكار ذاتها مع اختلافات بسيطة في النكهات أو نسب السكر، يتحول التنافس إلى تحسين الانطباع الأولي والإبهار البصري، لا إلى ابتكار تجربة فريدة، نتيجة لذلك، يستطيع الزبون الانتقال من مقهى إلى آخر دون أن يشعر بفقدان شيء جوهري، لأن الفروق بينها سطحية ، وقد اخترت المقاهي لكونها الواجهة الأكثر وضوحًا لموجة الانفتاح الثقافي والترفيهي، فكما شهدت البلاد توسعاً في الحفلات والإنتاج الفني، شهدت أيضًا انفجارًا في عدد المقاهي، حتى أصبحت إحدى أبرز المساحات التي تتجلى فيها طريقة إنتاج التجربة التجارية والثقافية. المقاهي ليست سوى مثال على آلية أوسع، فعندما يضعف الجوهر، يبدأ التعويض بالمظهر، في الفن يكون التعويض بالمؤثرات أو النجوم أو الحملات الترويجية، وفي المنتجات التجارية يكون بالتغليف، وفي الخدمات بالديكور والإبهار البصري، هذه العناصر ليست مشكلة في ذاتها، لكنها تفقد قيمتها عندما تتحول من وسائل تعبر عن الجودة إلى وسائل تخفي غيابها تفسير هذه الظاهرة بقلة الخبرة أو ضعف الإمكانيات لا يبدو كافيًا، فكثير ممن يدافعون عن هذا المستوى قضوا سنوات في أبرز المدن الثقافية العالمية، واطلعوا على نماذج متقدمة في السينما والأدب والتصميم، ومع ذلك، يبقى الرد الشائع (لا تقارن، نحن في البداية) أو (زين صار عندنا). ينقسم هذا السلوك إلى نمطين في الغالب: النمط الأول يدرك جيدًا الفرق بين المتوسط والمتقن، لكنه يطالب بخفض سقف التقييم بحجة أننا ما زلنا في مرحلة (التأسيس)، إلا أن هذه المرحلة تبدو بلا نهاية واضحة؛ فلا أحد يحدد متى تنتهي أو كم عامًا نحتاج بعدها لنطالب بمستوى أعلى، رغم أن الإنتاج الفني المحلي يمتد لعشرات السنين، وسبق أن قدم أعمالًا، بعضها بالأبيض والأسود، وأخرى تجاوز عمرها ثلاثين عامًا، أثبتت أن الجودة ليست أمرًا جديدًا أو مستحيلًا. أما النمط الثاني فأكثر تعقيدًا؛ فالإقامة في الخارج لا تحول تلقائيًا المعايير الجمالية،  إذ يمكن للفرد أن يعيش طويلاً وسط الفنون دون أن تؤثر في وعيه، لأنه يبقى أسير دائرته الاجتماعية والثقافية، يستهلك التجربة دون أن يسمح لها بأن تعيد تشكيل وعيه، فليست كل تجربة تتحول إلى معرفة، وليست كل معرفة تتحول إلى ذائقة، وإنما يحدث ذلك فقط حين يكون الإنسان مستعدًا لأن يراجع معاييره السابقة في ضوء ما يراه ويتعلمه. غالبًا ما يعمل مقدمو المنتجات والخدمات ضمن افتراضٍ ضمني بأن الجمهور سيرضى بما يُقدم له، ومع مرور الوقت، يتحول هذا الافتراض إلى ثقافة إنتاج لا تقتصر على الفن، بل تمتد إلى مختلف القطاعات، فيصبح الاكتفاء بالمستوى المتوسط خيارًا أكثر أمانًا من السعي إلى التميز.  والأخطر أن هذه البيئة تولد ثقة مفرطة في الإنتاج المتوسط، فيُقدم كإنجاز استثنائي،  ويُستقبل النقد بوصفه موقفًا سلبيًا، حتى يصبح الاحتفاء هو اللغة الوحيدة المقبولة، ويغيب التقييم الجاد! من المفارقات أن هذه الثقافة ترفض المقارنة بالمعايير العالمية عند النقد، لكنها تتطلع بشدة إلى أي اعتراف خارجي، وتمنحه قيمة استثنائية؛ فمشاركة في مهرجان، أو ترجمة، أو ثناء، أو توصية، تتحول سريعًا إلى برهان على الجودة، مهما كانت طبيعة ذلك الحضور أو أسبابه. ليس في الطموح إلى العالمية عيب، بل هو سمة الثقافات الحية، لكن المشكلة تكمن في جعل المجاملة، أو التوصية، أو الإشادة الخارجية، بديلًا عن تقييم الجودة من الداخل ، وهكذا تصبح الجودة خيارًا ُ اختياريًا، لا التزامًا أساسيًا . المجتمعات التي بنت تقاليد راسخة في الأدب والفن والرياضة لم تفعل ذلك بالتصفيق لكل شيء، بل برفع سقف التوقعات باستمرار، ورفض الاكتفاء بالبدايات كخاتمة. فالمجتمعات لا تتقدم حين تكتفي بوجود المنتج، بل حين تجعل جودة المنتج موضع سؤال دائم، أما حين يصبح الاكتفاء ثقافة، فإن المستوى المتوسط لا يعود مرحلة في طريق التطور، بل يتحول إلى السقف الذي تتوقف عنده الطموحات. المشكلة إذن ليست في وجود المستوى المتوسط، فهو موجود في كل المجتمعات، بل في تحوله إلى مستوى مريح، لا يدفع المنتج إلى مراجعة نفسه، ولا يدفع الجمهور إلى المطالبة بما هو أفضل، بعدما اعتاد هذا المستوى وانخفض سقف توقعاته، وعندها لا يعود (الوسط) مرحلة عابرة، بل يصبح ثقافة كاملة.