تطل الفنانة التشكيلية نورة الخالدي كحارسة أمينة لذاكرة المكان، حيث تطوع ريشتها لتوثيق تاريخ الجبيل البحري وتفاصيل الحياة الاجتماعية القديمة ببراعة تتجاوز رصد المشهد إلى استنطاق الروح. وقد برزت الخالدي كقوة فاعلة في المشهد الفني من خلال مشاركتها في العديد من المعارض، وهي عضوة في جمعية جسفت وجمعية نون الفنون، ونادي سعودي آرت للفنون البصرية. في هذا الحوار، نغوص في أعماق تجربتها التي تزاوج بين الأمانة التوثيقية والشفافية الجمالية، لنستكشف كيف تصيغ الفنانة السعودية خطابها البصري في مواجهة أسئلة الحاضر وتطلعات المستقبل. * كيف تشكلت ملامح ذاكرتك البصرية الأولى في مدينة الجبيل، وكيف استطاعت تفاصيل تلك البيئة الساحلية أن تفرض سطوتها على ريشتك في بدايات التكوين؟ ** حبي للفن بدأ منذ الصغر، وكانت الجبيل بساحلها وصحرائها وتراثها مصدر إلهامي الأول، لذلك حرصت على أن تعكس لوحاتي هذا المكان الذي نشأت فيه، وأن أوثق تفاصيله كما عشتها. * برز في لوحاتك اهتمامٌ دقيق بالتراث البحري من خلال تجسيد سفن “السنبوك” و”الجلبوت”؛ كيف تعيدين صياغة هذه الرموز التقليدية لتعبر عن مفهوم “فخر الماضي” في سياق فني معاصر؟ ** علاقتي بالبحر امتداد لما ورثته من أهلي وأجدادي، فوالدي كان يعمل في البحر مثل كثير من أبناء المنطقة الشرقية. أرسم الجلبوت والبانوش وغيرها من الموروثات حتى يتعرف الجيل الجديد على حياة الآباء والأجداد وتراثهم. * تناولتِ في لوحاتك واقع المرأة قديماً ومظاهر التعليم في الماضي؛ فما هي الرسالة الجمالية التي تسعين لإيصالها من خلال تسليط الضوء على هذه الأدوار المجتمعية والتاريخية؟ ** المرأة قديمًا كان لها دور كبير في المجتمع، لذلك أحببت أن أوثق أزياءها التراثية وزينتها وطريقة حياتها، لأنها جزء مهم من هويتنا. كما رسمت الكتاتيب لأستحضر ذاكرة التعليم القديم، وأحكي للأجيال الجديدة كيف كانت بداية رحلة التعلم في الماضي، حتى تبقى هذه التفاصيل الجميلة حاضرة في الذاكرة. * ما هي الفلسفة الفنية التي تنطلقين منها عند الرسم المباشر أمام الجمهور، وكيف يؤثر هذا التفاعل الحي على طاقة اللون والخط في لوحاتك؟ ** أحب الرسم أمام الجمهور لأنه يخلق تواصلًا مباشرًا مع الناس، وأشعر بسعادتهم وهم يتابعون مراحل ولادة اللوحة. هذا التفاعل يمنحني حماسًا وثقة أكبر، ويجعلني أرسم بعفوية، فتخرج الألوان والخطوط أكثر حيوية وتعبر بصدق عما أريد تقديمه. * إلى أي مدى تساهم الملتقيات الفنية النسائية في الكشف عن المواهب وتطويرها، وما الذي يحتاجه الفن التشكيلي في المناطق المختلفة ليتحول إلى ثقافة مجتمعية عامة؟ ** شاركت في تنظيم عدد من المعارض والملتقيات بين عامي 2023 و2025 عندما كُلفت بإدارة نادي سعودي آرت في المنطقة الشرقية. وأسهمنا في تنظيم فعاليات لليوم الوطني ويوم التأسيس، إضافة إلى مبادرات مجتمعية، وأرى أن مثل هذه الملتقيات تفتح المجال لاكتشاف المواهب وتشجع الفنانين على التطور. * في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة، كيف تخدم لوحاتك التي توثق “الجبيل القديمة” بناء جسور التواصل بين الأجيال الشابة وبين هويتهم التاريخية؟ ** هدفي أن يرى الشباب في لوحاتي جانبًا من تاريخ الجبيل كما كان في الماضي، وأن يتعرفوا على حياة الآباء والأجداد وعاداتهم ومهنهم وتفاصيل يومهم. عندما يشاهد الجيل الجديد هذه الأعمال، أشعر أنني أسهم في ربطه بتراثه، وتعزيز اعتزازه بهويته، لأن اللوحة تستطيع أن تحفظ الذاكرة وتنقلها من جيل إلى جيل. * انطلاقاً من رؤية المملكة 2030، كيف تقرئين مستقبل الفن التشكيلي السعودي كأداة للدبلوماسية الثقافية، وما هو الدور المنوط بالفنانة السعودية في تمثيل هذه النهضة عالمياً؟ ** الفن التشكيلي السعودي يشهد تطورًا كبيرًا، ورؤية المملكة 2030 فتحت أمام الفنانين فرصًا واسعة. وأتمنى أن أقدم من خلال أعمالي صورة جميلة عن تراث المملكة وثقافتها في المحافل المحلية والعالمية.