فيلم Blue Jasmine هوية على حافة الانهيار.
في معظم أفلام (وودي آلن) إن لم يكن كلها، يحضر سؤال الهوية بوصفه هاجسًا أساسيًا؛ كيف يمكن للهوية أن تتبدل أو تنسلخ باختلاف الزمن أو المكان أو الظرف؟ وكيف يمكن لذلك أن يحول الإنسان إلى كائن يمشي على قدميه، لكنه فقد المعنى. قدّمت (كيت بلانشيت) هذا السؤال ببراعة استثنائية في فيلم (Blue Jasmine)، وهو الأداء الذي استحقت عنه جائزة الأوسكار. جسّدت شخصية امرأة تبدو مثالية من الخارج، لكنها تنهار من الداخل شيئًا فشيئًا؛ امرأة سمحت لمجتمع المال والوجاهة بأن يصنع صورتها ويشكّل ذاتها الهشة. ولم تكن مأساة جاسمين أنها فقدت ثروتها، بل أنها فقدت اللغة التي كانت تعرّف بها نفسها. فهناك من لا يبني هويته على ما هو عليه، بل على ما يملكه، وعلى الصورة التي يعكسها الآخرون عنه، وحين ينهار هذا البناء لا يسقط المال وحده، بل تتشقق الذات أيضًا. قدّم (وودي آلن) شخصية تبدو في ظاهرها متعالية، كثيرة الشكوى، وأسيرة للمظاهر، لكنه يكشف تدريجيًا أن السطحية ليست جوهرها، بل القناع الذي احتمت به طويلًا، و كانت جاسمين تؤمن أن الأناقة والمكانة والرفاهية قادرة على إخفاء هشاشتها، حتى جاء الواقع ليجردها من كل ما كانت تتكئ عليه، وجعلتنا (كيت بلانشيت) نشاهد امرأة يتداعى عالمها الداخلي بصمت، من دون افتعال أو مبالغة، كانت نظرة واحدة منها كافية لتخبرنا أن الإنسان قد يخسر كل شيء قبل أن يدرك أنه خسر نفسه. وهنا يجد المشاهد نفسه في حيرة أمام البطلة؛ هل هي بطلة أم ضحية؟ وأجمل ما فعله (وودي آلن) أنه رفض أن يجعل جاسمين شخصية يسهل التعاطف معها فهي رغم كونها ضحية لخيانة زوجها هي شريكة في صناعة الوهم و كانت تعرف أن حياة زوجها قائمة على المال المشبوه، لكنها فضّلت الرفاهية على الحقيقة لذلك، عندما انهار كل شيء، لم تخسر زوجًا فقط، بل خسرت النسخة التي كانت تؤمن بأنها هي. تمثل جاسمين طبقة تعتقد أن الذوق والمكانة الاجتماعية هما ما يصنعان الإنسان، ولذلك لم تستطع التأقلم مع وظيفة عادية، ولا مع شقة متواضعة، ولا مع بشر يشبهون الواقع، وحتى عندما تبدأ حياة جديدة مع الدبلوماسي، تعود مرة أخرى إلى اختراع نسخة أجمل من نفسها، وكأن الكذب لم يعد وسيلة، بل أصبح هويتها. أعجبني أن الفيلم لم يقدّم الانهيار النفسي بوصفه حدثًا مفاجئًا، بل كعملية بطيئة يتداخل فيها الماضي بالحاضر، حتى أصبحت جاسمين عاجزة عن التمييز بين ما عاشته فعلًا وما كانت تتمنى أنها ما تزال تعيشه، أما مشاهد (الفلاش باك) فلم تكن مجرد استرجاع للذكريات، بل ملاذًا نفسيًا يرفض صاحبه مغادرته مهما كان مؤلمًا، ولهذا يبقى (Blue Jasmine) فيلمًا عن الهوية أكثر من كونه فيلمًا عن الثراء أو الفقر، وكأنه تشريح دقيق لمجتمع يخسر ذاته قبل أن يخسر أمواله، بل ويجعلنا نفكر في سؤال بالغ الخطورة وهو: من أنا إذا لم أعد أملك ما كنت أظنه أنا؟ يقول (سورين كيركغور): «أشد أشكال اليأس هو أن لا يريد الإنسان أن يكون نفسه» لا يمكنني أن أخرج من الفيلم دون أن أتذكر شخصية الهانم التي قدمتها العظيمة (سهير البابلي ) في مسلسل بكيزة وزغلول، شخصية (بكيزة ) التي فقدت المكانة الاجتماعية والثروة لتسقط في ذات الفخ وتعيش أزمة هوية أكثر من كونها أزمة إفلاس، وكما أسلفت، يكرر (وودي آلن) في أفلامه سؤالًا واحدًا بصيغ مختلفة: ماذا يحدث عندما ينهار الوهم الذي نعيش داخله؟ في (Blue Jasmine) يكون الوهم هو الثراء والمكانة، وفي أفلام أخرى يكون الحب، أو النجاح، أو الأخلاق، وأعتقد أن هذا هو سر شخصية جاسمين؛ فهي تشعرك في لحظة بأنها قادرة على التحول إلى امرأة مكافحة، وأن في داخلها امرأة ليست سطحية كما تبدو، لكن المجتمع يدفعها تدريجيًا نحو الحافة، حين يعاملها وفق صورتها الخارجية وحدها، وحتى عندما تحاول النهوض من جديد وتختلق كذبة أخرى، يلاحقها الماضي ويقضي على ما تبقى منها، لتسقط المرأة التي بدت مثالية يومًا، وتغدو سيدة تثرثر للمارة في الطريق عن ماضيها، لا بد أن كل واحد منا يعرف شخصًا يشبه جاسمين بدرجة ما؛ إنسانًا ربط قيمته بالصورة التي صنعها لنفسه، وحين تصدعت تلك الصورة، لم يعرف كيف يعيش خارجها، بل يمكن الذهاب إلى قراءة أعمق؛ فجاسمين ليست مجرد امرأة ثرية، بل هي الإنسان عندما تتحول هويته إلى أداء اجتماعي مستمر، وعندها يصبح سقوط القناع أخطر من سقوط الثروة نفسها. وهذه الفكرة هي ما يجعل الفيلم صالحًا للمشاهدة بعد سنوات، لأن الأزمة ليست أزمة طبقة، بل أزمة هوية. أما فنيًا، فلم يعتمد (وودي آلن) هنا على الإبهار، بل على السينما الهادئة، كما يتجنب المبالغة في تصوير الانهيار النفسي؛ فلا موسيقى صاخبة، ولا زوايا كاميرا استعراضية وبدلًا من ذلك، يترك الكاميرا تراقب جاسمين وهي تتداعى تدريجيًا وكلما ازداد اضطرابها، بقي الإخراج هادئًا، وكأن العالم لا يأبه بانهيارها، وهو ما يجعل المشاهد يشعر بالاختناق أكثر. نهاية الفيلم تترك في النفس شفقة عميقة تجاه امرأة فشلت في النهوض والعودة إلى الحياة التي كانت تعرفها، لتصبح واحدة من أكثر النهايات كآبة في سينما (وودي آلن)؛ بلا صرخة، ولا دموع، فقط هي امرأة تجلس و تحدث نفسها بعدما فقدت قدرتها على التمييز بين الواقع وما تتمنى أن يكون واقعًا، نهاية غريبة نرى فيها أن الإنسان قد ينجو من الفقر، لكنه لا ينجو دائمًا من انهيار المعنى، فكم من ذواتنا اليوم قائمة على صور قابلة للكسر؟ إن ما يطرحه الفيلم في جوهره ليس حكاية امرأة فقدت ثروتها إنما هي حكاية إنسان يكتشف متأخرًا أن هويته كانت مُستعارة! مما تركني أمام تساؤل يتكرر في ذهني حول من نكون حقًا في مجتمع يُكافئ الأقنعة أكثر مما يكشف الوجوه؟ وهل نمتلك ذاتًا أصيل أم نحن مجرد انعكاس لما يراه الآخرون فينا؟