تشرفت باقتناء كتاب بعنوان حائل كنوز ورموز للمؤلف علي بن حمود العريفي ممهورا بإهداء بخط يد المؤلف وفقه الله. ويقع الكتاب في (363) صفحة من الحجم المتوسط، ويحمل بين دفتيه عبق حائل وأريجها المضمخ برائحة العمق المتجذر في التاريخ والتراث، والكرم والشجاعة والعطاء!! كيف لا ورائد الكرم ومحفده حاتم الطائي الذي أروى التاريخ بكرمه وطيب معدنه ومحبته للضيوف وهو يردد: أضاحك ضيفي عند إنزال رحله ويخصب عندي والمكان جديب وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ولكنّما وجه الكريـم خصيب لدرجة أنه يعد غلامه إذا ما أتى بضيوف فإنه سيعتقه!! ليصبح مثلا يضرب به في الكرم وقِرى الضيوف، لتسير بذكره الركبان بين رائح وغادٍ ويشيع صيته بين القبائل العربية، بل والعالم أجمع!! وكون الزميل والصديق علي العريفي إعلاميا وأديبا وشاعرا وفنانا تشكيليا، فقد كتبه بلغة إعلامية سهلة ممتنعة، بأفكار أدبية راقية ، ومقطوعات شعرية جميلة تأسر القارئ وتخرجه من الملل ، كما أنه جسد فنّه التشكيلي في إبراز مهارته في اللوحات وعمقها وإقناعها ، وتأثيرها على القارئ من خلال تصويره الشخصي أو رسمه الأصيل!! ولأن حائل كانت ملتقى الحضارات وبوابة نجد من جهة الشمال فقد احتضنت كنوزا تاريخية ومخزونا زاخرا لما تمتلكه من آثار متناثرة على سفوحها وجبالها وسهولها، ونقوش على جبالها الحمراء والسمراء أذهلت كل من يمر عليها على مر التاريخ!! وإن ذكرت حائل ذكرت سلسلة جبال أجا وسلمى التي تحيط بهذه المنطقة الوادعة التي عكست روح وجمال أهلها وطيبتهم، فالكرم والطيب والنخوة والشجاعة لم تأتهم فجأة، بل كانت متأصلة فيهم وفي طباعهم التي لا تعرف التصنع. ولو تحدثنا عن بعض معالم حائل فلن نوفيها حقها من خلال مقال!! ولكني سأتحدث عن بعض معالمها، وليعذرني القارئ لو قصرت فيما نقلته. ومن بعض معالم حائل موقد حاتم في أعلى جبل السمراء، والمطل الذي يشرف على منطقة حائل بشكل بانورامي جميل!! وهناك بئر سماح ذات المياه العذبة، وغزارة مياهها المعدنية ، وواحة فيد التي يمر منها درب زبيدة الشهير والذي يعد أطول مساحة من جملة المساحات الخمس ، حيث يبلغ طوله ما يقارب 450 كيلو متر ، ولا ننسى جبل حبشي فهي منطقة مليئة بالآثار والأطلال ومقابر عمرها تربو على أربعة آلاف سنة!! والثعيلبي وسميراء وجبل ضايف يعد موقعا أثريا، والسفن وسراء، وجبة وهي من أهم وأقدم مواقع الرسوم الأثرية في المملكة والتي تعود إلى 1500 و 2500 سنة!! وجبل أم سنمان وموقع راطا والمنجور، والتي تضم رسوما ونقوشا أثرية تعود إلى نهاية العصر الحجري!! وقد تحدث المؤلف عن بعض العادات الكريمة في حائل، ومن بينها عادة تسمى بـ(النايبة)، وذلك عندما يقوم أحد الجيران ببناء مسكن له من بيوت الطين في ذلك الوقت ، فإن أهل الحي يتناوبون على دعوة عمال البناء لتناول طعام العشاء ، وتدور عادة (النايبة) على كل أهل الحارة مساعدةً لجارهم ومشاركةً له في مصاريف البناء رجالا كانوا أو نساءً!! وتحدث عن حي لبدة الثقافي ، وحي برزان ، والشبّة أو الديوانية التي يلفي عليها العديد من شرائح المجتمع ، فهي منبر ثقافي ديني اجتماعي ، والمشهد الثقافي المتمثل في المكتبات العامة والخاصة. كما تحدث العريفي عن أنواع الفنون الشعبية في منطقة حائل كالعرضة والسامري ،وأغاني السواني ، وأهازيج البناة ، وأغاني النخيل ، وأغاني النساء ، وأغاني الطحن ، وأغاني الهبش أثناء هرس القمح وتنقيته. وقد شد انتباهي أول سعودي ينال شهادة الدكتوراه في المملكة العربية السعودية ، وكلنا قد تعارفنا بأن أول من حصل على شهادة الدكتوراه في المملكة هو الدكتور عبدالعزيز الخويطر رحمه الله ، ولكني تفاجأت بأن أول سعودي قد حصل على الدكتوراه من حائل ، وهو:السيد محمد الرشيد نجل رشيد باشا قنصل المملكة العربية السعودية العام في دمشق من جامعة لوزان في جنيف!! وكانت عن “تاريخ العرب الدبلوماسي”. وتضم منطقة حائل ثماني محافظات بقعاء والغزالة والشنان وموقق والحائط التي كانت تسمى (فدك) والسليمي والشملي وسميراء ، وهذه المحافظات تزخر بكنوز عجيبة من الآثار والتراث الزاخر والكنوز الطبيعية!! وتضم حائل بين جنباتها عددا كبيرا من المعالم التاريخية والأثرية ، ومنها اكتشاف موقع أشولي في شبه الجزيرة العربية ،والذي يعتبر أقدم موقع أثري أشولي مكتشف في شبه الجزيرة العربية، قلعة أعيرف وتعود إلى العصور الإسلامية القديمة، قصر القشلة وهو معلم تراثي في حائل يجسد جمال العمارة التقليدية في نجد، قصر حاتم الذي يضم آثارا تعود لفترات قديمة، عقدة: وسميت عقدة نسبة إلى زوجة “عمرو بن غيث الطائي” وكان اسمها عقدة، موقع جبة الأثري، موقع الشويمس الأثري، جبال أجا وسلمى، وآثار الثموديين. وقد عرج المؤلف إلى تعريف طيء وشيء من أشعارها ، ومن بينها أبيات لحاتم الطائي يخاطب زوجته ماوية يعاتبها حينما لامته على فرط كرمه ، وإنفاقه المال: أماويُّ إن المال غادٍ ورائحٌ ويبقى من المال الأحاديثُ والذِّكرُ أماويُّ إنّي لا أقولُ لسائلٍ إذا جاء يوماً حلَّ في مالنا نزرُ أماويُّ ما يغني الثَّراء عن الفتى إذا حشرجت نفسٌ وضاقَ بها الصّدرُ وقد أفرد العريفي عنوانا لدرب زبيدة والذي يعتبر أعظم الصروح الهندسية لأمن وأمان الحجاج ووصول مياه الأمطار إلى برك زبيدة على محطات درب زبيدة ، وقد صرفت زبيدة زوج الخليفة العباسي هارون الرشيد المبالغ الطائلة حيث تعادل ستة أطنان ونصف من الذهب كما ورد في الروايات!! وتحدث المؤلف عن مرصد فلكي في جبال أجا اكتشفه الأستاذ مشاري النشمي عمره ما يقارب ثلاثة آلاف سنة، بل إن الشمس تدخل من فتحة في أحد كهوف الجبل في ساعة معينة وفي يوم معيّن من السنة !! حيث ربط ذلك بالأهرام التي عملها الفراعنة ، وقد يكون هذا دليل قاطع بأنهم قد مروا على حائل إبان حقبتهم!! وتحدث عن حي لبده الثقافي وحي برزان ، وحي حدري البلاد وحي مغيضة ويقول المؤلف لا يتسع المجال لذكر كل الحارات بحائل العابقة بالتاريخ والرجال ولعلي أختم هذه الإلماحة ببعض الأبيات التي قالها الشاعر الكبير راشد بن جعيثن ضاربا المثل بحبه لأرض اليمامة بعشق فهد العريفي لحائل: أحبّها حبّ العرب فكّة الرّيق على صبوح معبّسات الشّمايل أحبّها حبّ الوحش للشّواهيق أحبّها حبّ العريفي لحايل!! لقد استمتعت برحلة متعمقة عمق التاريخ في حائل حينما قرأت كتاب حائل كنوز ورموز للمؤلف علي العريفي وعايشتها وكأني بينهم!!