حين يكتب الزيتون سيرة أبي ..

هناك رجالٌ لا يتحدثون كثيرًا، لكن الأرض تحفظ أسماءهم، وتعرف وقع خطواتهم، وتبادلهم الوفاء عامًا بعد عام وأبي واحدٌ من هؤلاء. منذ عرفته، لم تكن الزراعة عنده مهنة، بل كانت حياة. كان يرى في كل شجرة روحًا تستحق العناية، وفي كل غرسة أملًا، وفي كل موسم وعدًا جديدًا من الله. كان يخرج إلى أرضه قبل أن تستيقظ الشمس، يعود إليها وكأنه يعود إلى جزءٍ من قلبه، يحدّث أشجاره بصمته، ويقرأ في أوراقها بشائر المواسم، ويؤمن أن الأرض لا تخذل من أحبها وأخلص لها أراه يتأمل الأشجار، يلمس الأغصان برفق، ويتابع نموها كما يتابع الأب أبناءه وهم يكبرون عامًا بعد عام يتأمل بمحبة دهشة خطواتهم صوت ضحكاتهم وكل عمر يمتد لتكبر معه المحبة عاما وراء عام. كبرت وأنا أرى هذا المشهد يتكرر؛ رجلٌ يحمل في قلبه حبًا عجيبًا للأرض، الأرض التي امتدت فيها جذور محبته ليصبح هو وهي وطن أخضر يشبه في تفاصيله والدي وحده  والدي الذي طالما آمن أن في كل هذه الصحراء الجبال حكاية ربيع يحتاج فقط قلبا صادقا محبا كوالدي ليعطيه من وقته عمره وإيمانه ويقينه ليزهر لتتحول حكاية الصحراء لربيع لايشبه في تفاصيله سوى لون العلم أخضر يمتد بهجة وسلام ومحبة. وفي جبال الفقرة القريبة من المدينة المنورة ، هناك حيث تمتد أشجار الزيتون التي غرسها ورعاها بيديه، ومع مرور السنوات، صار الزيتون أكثر من شجر؛ صار قصة صبر، وحكاية وفاء بين مزارعٍ أحب أرضه وأرضٍ بادلت الحب بالعطاء. ثم جاء ذلك اليوم ، اليوم الذي حمل خبر فوز والدي الغالي بالمركز الثاني ومداليتين فضيتين في الجودة والاستشفاء في منافسة دولية لزيت الزيتون في لندن. حين سمعت الخبر، لم أفكر في الجائزة أولًا، بل عادت إلى ذاكرتي كل تلك الصباحات التي خرج فيها إلى أرضه، وكل المواسم التي انتظر فيها الثمرة، وكل الدعوات التي كان يرددها وهو يعمل بصمت. شعرت أن العالم أخيرًا رأى ما كنا نراه نحن منذ سنوات؛ رأى قيمة هذا الجهد، وصدق هذا الإخلاص. لم تكن الميدالية الفضية مجرد تكريمٍ لمنتجٍ زراعي، بل كانت تكريمًا لقصة كاملة، لرجلٍ آمن بالأرض فأعطاها عمره، وآمن بالله فكان يقينه أكبر من كل تحدٍ واجهه. وكان الأجمل أن هذا الإنجاز لم يحمل اسم أبي وحده، بل حمل اسم وطننا أيضًا  ففي كل جائزة دولية يحققها أبناء المملكة رسالةٌ للعالم بأن هذه الأرض المباركة لا تُنبت الزيتون فقط، بل تُنبت رجالًا يعرفون معنى العمل والإتقان والصبر. اليوم، وأنا أنظر إلى هذه الميدالية، أراها أكبر من معدنٍ يلمع أراها سنواتٍ من الكفاح اختُصرت في لحظة، وأرى فيها وجه أبي المطمئن، ويديه اللتين حملتا التراب بمحبة، وأرى وطنًا نفخر بأن أبناءه يرفعون اسمه عاليًا في المحافل الدولية. هنيئًا لك يا أبي هنيئا لنا ونحن نرى قصة محبتك هذه وعطائك. هنيئًا للأرض التي أحببتها فأحبتك، وهنيئًا للزيتون الذي حمل قصتك إلى العالم، وهنيئًا للوطن برجالٍ مثلك يؤمنون أن أعظم الإنجازات تبدأ ببذرة، ثم تكبر بالصبر، حتى تصبح فخرًا يروى للأجيال. “وطني وما ينفكُّ قلبيَ عاملاً ‏في حقلِ حبِّكَ يحفرُ الآبارا ‏لترنَّ أجراسُ السنابل مرَّةً ‏أخرى،ونقطفَ لحنَها أشعارا” جاسم الصحيح