يكتب الشاعر عبدالله السفر عن أمه نورة بنت أحمد الحطَّاب: (وقعتْ كارثةٌ هزَّتْ والدتي هزًّا، وبقيتْ آثارُها النفسية معها طوال حياتها؛ أصيب الوالد في حادث تصادم في طريق عودته من العمل بين بقيق والأحساء؛ الإصابة خطيرة في الجمجمة؛ الدكتور كان يريد أن يضعه في ثلاجة الموتى) هذا الحادث المروع الذي نجا منه الأب خَلَقَ في الأم: ((الجزع .. الهلع .. الخوف .. القلق .. التشاؤم؛ هذه هي الصورة التي باتت عليها أمي؛ تعيش التوجس على زوجها وأبنائها وأقربائها جميعا؛ يرتفع منسوب القلق بانتظار الأسوأ؛ فيجعلها ملتصقةً بالباب؛ تنتظر على جمرها الذي لا يُطفأ أبدا) ويضيف: (بوفاة أبناء الابن جاسم، والبنت منيرة أيضا. واحدةٌ من أخواتي قَضَتْ حرقًا وهي تلعب مع صديقاتها، واحدة أخرى عانت مرضًا شديدًا لم يمهلها؛ جميعهم في سن صغيرة جدا؛ يتراكم الأسى الموجع، ويتكثَّف الجزع كأعتى عاصفة) ويشير إلى أن أمه؛ يوجف قلبها، بعد كل حادث عام؛ فهي تتوقع الأسوأ دائمًا فيقول: (شبَّ حريقٌ في أحد معامل البترول في بقيق حيث يعمل أخي؛ سحَّبتني معها من الأحساء إلى بقيق لتحضن ابنها، وتطمئن على سلامته؛ اطمئنان اللحظة؛ الذي سرعان ما يخمد لتستبدله بهَبَّةِ فزعٍ جديدة) ويضيف: (أصيب أخي حمد في حادث تصادم خطير في طريق عودته من العمل في الظهران إلى الأحساء؛ فانشق فؤادها شقًّا على ابنها الأكبر؛ عاشت أمي في جزع دائم) هذا القلق الدائم على الأولاد والالتصاق بباب البيت انتظارًا لمن تأخَّر دقائق عن موعده؛ هذا يُذَكِّرني بأمي (رقية الشمرية) فقد كانت شديدة القلق على أولادها؛ وهو قلقٌ دائم أصابها بالكثير من الألم والمشقة؛ خلال حياتها كلها. لكنها كانت صبورة غاية الصبر حين تحصل فاجعةُ الموت؛ فقد رأيتها تتصبَّر وتتجلَّد حين ماتت بين يديها صغيرتها لؤلؤة الجميلة، فسمَّت عليها البنت التي جاءت بعدها ولكن الموت أخذها أيضا وهي ما تزال طفلةً جميلة، ورأيتها تكتم ألمها حين مات أخي عبدالكريم بين يديها، ورأيتها تتصبَّر وتتجلَّد وتتماسك حين ماتت أختي الكبرى حصة أثناء الولادة؛ وهي فاجعة مروِّعة لنا جميعًا لأنها بلا مقدمات، ثم رأيتها تتحمل وتصمد لمصابها بوفاة ابنها الأكبر صالح؛ فقد كانت شديدة الترقُّب والقلق على الأحياء الأصحاء حين يتأخرون دقائق عن موعد عودتهم لكنها تصبح كائنًا آخر تمامًا حين يكون الغياب قاطعًا وأبديًا وفاجعًا؛ فهو حينئذ يكون حادثًا حاسمًا؛ ولا مجال فيه للانتظار أو الترقُّب!!! . أما الشاعر محمد الدميني فيتذكَّر المعاناة اليومية لأمه لجلب الماء؛ فيقول عن طفولته المبكرة جدا: (تحملني أمي من الأرض لأستقر فوق ظهر الحمار؛ بعد أنْ وضَعَتْ القِرَب الفارغة تحتي؛ لنبدأ رحلة الهبوط عبر منحدرات الجبال إلى قيعان الأودية؛ حيث الآبار المنزوية؛ ما أن نتقدم باتجاه فوهة البئر حتى نجد نساء القرية يتسابقن على الدلاء وملء قربهن بالماء؛ ووسط كل ذلك تندلع القصص والحكايات والأسئلة عن أحوال القرية: مَن جاء من الأسفار؟ ومن غادر، ؟ فضلا عن مناكفات أمهات الأزواج على الزوجات والعكس؛ أعانق تلك القصص طفلًا وأشعر أنني أكنز خطوة في عالم الأمهات الساحرات؛ ويفتح عيناي على خبايا القرية وحِيَلها، وسأتلقى حنان الأمهات وقُبلهن لطفل في الخامسة من عمره؛ كل هذا لن يُخفي عذاب الصعود مرة أخرى عبر المسالك الصخرية الوعرة؛ تتشارك في هذا العذاب الحمير المحملة بقِرَب الماء والأمهات اللاتي يحملن قِرَبًا إضافية على ظهورهن) إن الأم هي: (الشجرة الوارفة المنحوتة من تضحيةٍ وعطاءٍ مطلقَين) الأم قادرة: (على التنازل عن مباهج الحياة لصالح) الجنين الذي تحمله شهورًا في بطنها ثم حين يأتي يباشر الصراخ ليحرم الأم من النوم المنتظم. يتحدث عن الكدح المرهق للقرويين طول النهار: (القسوة مُكَوِّنٌ طبيعي في سلوك أهل القرية؛ شُحٌّ كامل لأبجديات الحياة؛ ما يجعل الناس في صراع يومي لتأمين أسباب حياتهم، وهناك التوجس الدائم من تقلبات الطبيعة؛ فقد ينزل المطر وقد يحل محله القحط، وقد ينزل عنيفًا وغزيرًا يهدد موسم الزراعة كله) النهار من شروق الشمس حتى غروبها كدحٌ وعملٌ متواصل: (وما أن يحل الليل؛ حتى يجلل التعبُ والسباتُ كل شيء) عملٌ وكدٌّ من شروق الشمس حتى غروبها؛ ومع مجيء الليل يكون السكون الشامل والنوم العام. ويتذكَّر محمد الدميني قسوة وصلف أبيه على أمه ومعاناتها من هذا الصلف القاسي فيتحدث عن ذلك ليختم القول عن: (ساعات الصراع القاسي مع أبي) هكذا كانت تعيش الأمهات الحنونات المكافحات في صراعات مريرة مع صعوبات ومرارات الحياة وتربية الأولاد وتكرار الحمل وتقارب الولادات ولا تكتفي الحياة بكل هذه المعاناة وإنما يكون رفيقُ الحياة الزوجُ قاسيًا وكثير الخصام؛ فالأمهات في بيئتنا القاسية كُنَّ يعانين من صلف الأزواج وقسوتهم وشراستهم وعنف تعاملهم؛ فقسوة الحياة تجعل الأزواج يُفرغون معاناتهم على الأقرب الأضعف إليهم. وتكتب نور الهاشمي؛ عن قسوة أبيها؛ حيث طلَّق أمها، بعد ولادة نور مباشرة؛ وانتزعها من حضن أمها وهي ما تزال في النفاس: (قام أبي بجبروتٍ؛ بانتزاعي من صدر أمي، وأنا بنت شهر واحد) وتقول عن أبيها: (أما أخطاؤه في حقي وحق أمي التي أنجبتني، واختطفني منها، وهي بعد نفساء، وحرمني من حليبها، وأنا بعدُ لحمة حمراء) لكنها تعترف بأن أباها قد اعتنى بها تغذيةً واهتماما وتنظيفًا: (كان يقوم بتحميمي، وقص أظافري، وتمشيط شعري، ويُحَنِّي كفَّي، وكان يفعل ذلك بحب وسخاء) أما رقية الهويريني؛ فتكتب عن أمها؛ هيا اللحيدان فتقول: (إن رحيل أمي يتجدد سنويًّا ولو قلت يوميًّا؛ لما بالغتُ؛ ففجيعةُ رحيلها جمرةٌ تتلظى في قلبي، وجرحٌ لم يندمل، ونزفٌ لا يتوقف) أما محمد الحرز؛ فكتب يقول: (كل الكلمات التي تربت في بيتي وسمعت حكاياتي وحفظتها عن ظهر قلب؛ تَعرف أن أنفاسها في الحياة هي أنفاس أمي) ويقول: (معصومة اسم أمي؛ كانت هادئة الطباع، لا يُسمع لها صوتٌ وإذا تحدثتْ فإن حديثها؛ يكون خافتًا؛ حتى وهي تأمرنا بجلب حاجيات البيت من السوق؛ هذا الهدوء انعكس على تربيتي، وتشرَّبتْه شخصيتي، وذهب في العمق من تفكيري وروحي) أما صيته الحميدان فتذكر كفاح أمها من أجل التعلُّم والاستنارة والتفتح لكن قبل ذلك تقول كلامًا ذا دلالة: (في غفوةٍ من ليلٍ بهيم؛ أخبروا طفلةَ السادسة عشرة؛ أنْ تتأهَّب للزواج؛ بعد أن قرر الإخوة وعمهم ذلك بعد وفاة والدها، وقد وافقوا على عريسها الذي يفوق عمرها ضعفًا) لكنها رغم التزويج المبكر القسري؛ فإنها لم تكن من النوع الذي يستسلم للواقع فلابد أن تبني ذاتها بعزيمة وإصرار تقول صيته عن أمها: (أنجبت مولودها الأول والثاني وحتى الرابع؛ ولم تتوان يومًا عن المدرسة؛ كانت تحفظ جدول الضرب وتُحَفِّظني إياه معها، تَدْرس القسمة المطولة وتشرحها لي بعد أن تتقن حلها؛ بها قرأتُ الصبر والسهر والسفر لرحلة كفاح لا متناهية؛ إني أنام .. يمضي الوقت وهي لا تهدأ.. لا تنام) هكذا تَصنع الأمهاتُ الأجيالَ الصبورةَ المكافحةَ الناجحةَ. ويكتب عبدالعزيز الحيص عن أمه (نورة الطيار) ويقول: (أحاديث أمي دومًا تفاجئني بلفتات تأتي طبيعية وجذابة ومعبرة؛ أمي أفضل حكَّاء) ويقول: (أمي على ملامحها ترتسم سيرة ونضال كل وجوه الأمهات؛ منذ الصغر كلما رأيت أمي تتحرك؛ أحسست أن الأرض كلها تزمُّ نفسها عند قدميها؛ العالم عندي ليس سوى بحيرة ساكنة؛ لا يُمَوِّج سطحها إلا قارب أمي) ويضيف: (نحن أجيالٌ مصنوعة من صبر الأمهات النبيلات؛ خصوصًا في فترات شظف العيش، وتَعاظُم الحاجة. قرأت لمؤرخ أمريكي يقول: حين يكون الوقت وقت أزمة وحرب ومجاعة؛ يكون الزمان زمان امرأة؛ فهي تتقدم الصفوف لتنقذ البشرية، وحين الوفرة والرخاء والدعة يكون الوقت وقت رجل، وقت أثَرَةِ الأقوياء) الأب قد يكون محاربًا؛ وهو بهذه الوظيفة يزهق الحياة؛ أما الأم فهي تُنجِب الحياة، وتُغَذي الحياة، وتربي أولادها على مواجهة صعوبات الحياة؛ فالأم نبعٌ دافقٌ بالحياة. أما الشاعر أحمد الملا فيكتب من الأحساء شعرًا عن أمه (عائشة العرفج): (خِلْسَةً حزَّت جلودنا مثل خنجرٍ سَنَّتْه الصخرةُ وقدحتْ أسماءنا الليالي؛ خِلسةً والنوم غافلٌ وفي صحونا آلمنا الجرج الذي لازلنا نفتش في ثيابنا عن دَمِه؛ ولم نر أين حطَّت الطعنةُ) ويقول: (سيذكرها زعفرانٌ كتبتْه في بياض الآنية؛ ستذكرها نارٌ علقت في ردائها يوم التهمتْ الحُمَّى أخَواتٍ أربع تباعًا؛ يذكرها فقيرٌ اعتاد شَرْبَةَ لبنِ الظهيرة، وغريبٌ شمَّ في رغيفها حنينَ الأهل؛ سيذكرها مارَّةٌ عَبَروا؛ لا أظنني قادر على كتابة سردٍ عن عائشة؛ لست مهيأ لهذا بعد؛ هذا أمرٌ لا أقوى عليه الآن) ويختم قوله الشعري: (هذا نصٌّ شعريٌّ اغْتَرَفْتُه عن عائشة من نوافير العين، ودم القلب، وعيون الأحساء) وتكتب أروى الغلاييني عن أمها (رجاء) التي منعها أبوها من مواصلة الدراسة بعد أن حصلت على الابتدائية؛ فتزوجت وأنجبت ثم بعد أن كبُرت وصارت أُمًّا لعدد من الأولاد؛ أتيح لها أن تحصل على شهادة المرحلة المتوسطة منازل في سنة واحدة، ثم حصلت على الثانوية ثم حصلت على الشهادة الجامعية ثم الماجستير ثم الدكتوراه. ولستُ من مؤيدي الإصرار على نيل الشهادات التعليمية؛ فالعمق المعرفي ليس مشروطًا بالشهادات بل بالشغف المعرفي العميق المتجدد. أما الشهادات التعليمية من دون شغف بالعلم؛ فهي مجرد حلية اجتماعية؛ مثل الأساور للبنات؛ مجرد مظهر خارجي؛ لا يقوم على مضمون داخلي.