قراءة في تحولات الوظيفة السردية في الرواية الحديثة..
من الصوت الميتاسردي إلى الراوي الميتاسردي.
شهدت الرواية الحديثة تحولات لافتة في بنيتها السردية، فلم تعد الحكاية غايتها الوحيدة، بل أصبح السرد ذاته موضوعًا للتأمل والكشف. ومن أبرز تجليات هذا التحول ما يُعرف بـ “الميتاسرد” (Metafiction)، حيث يلتفت النص إلى ذاته، ويكشف للقارئ آليات بنائه، ويجعله شريكًا في إدراك كيفية تشكّل العالم الروائي. وتعرّف الناقدة باتريشيا واو الميتاسرد بأنه: “وعي النص بذاته بوصفه بناءً وصناعة بشرية”، وهو تعريف يوضح أن الرواية الميتاسردية لا تكتفي بتمثيل الواقع، وإنما تكشف في الوقت نفسه عن الوسائل التي تُنتج بها هذا التمثيل، فتنتقل القراءة من متابعة الحكاية إلى مساءلة طرائق بنائها. وفي السياق العربي، يشير سعيد يقطين في كتابه قضايا الرواية العربية الجديدة إلى أن “... ما يتكفل بإنجاز هذا الميتاروائي الناظم الخارجي، كصوت سردي…”، وهو توصيف ينسجم مع حضور الصوت الميتاسردي بوصفه معلقًا على عملية الكتابة، أو كاشفًا لأدواتها، أو مذكرًا القارئ بأنه أمام نص يُصنع، لا واقع يُنقل. غير أن التأمل في بعض التجارب الروائية الحديثة يكشف تحولًا لافتًا في وظيفة هذا الصوت؛ إذ لم يعد يقف عند حدود التعليق أو كشف آليات السرد، بل تجاوز ذلك إلى التفاعل المباشر مع العالم الحكائي، فأصبح يتدخل في الأحداث، ويتحاور مع الشخصيات، بل ويسهم في توجيه مصائرها. وهنا يبرز التساؤل: هل يكفي أن نطلق على هذا الحضور تسمية “الصوت الميتاسردي”، أم أن تطور وظيفته يدعونا إلى توصيف أكثر دقة؟ ولعل من المناسب - بوصفه مفهومًا إجرائيًا - اقتراح مصطلح “الراوي الميتاسردي” للدلالة على الراوي الذي لا يكتفي بالتعليق على الكتابة، وإنما يعبر حدود الخطاب إلى داخل العالم الحكائي، فيمارس سلطة السرد وسلطة الفعل معًا. فهو راوٍ واعٍ بعملية الكتابة، لكنه، في الوقت نفسه، يصبح عنصرًا من عناصر الحكاية، قادرًا على التأثير في مسارها، لا مجرد مراقب لها. وهذا الاقتراح يستجيب لظاهرة نصية تكشف عنها بعض الروايات الحديثة، حين تتجاوز الوظيفة التقليدية للصوت الميتاسردي كما استقر في كثير من الكتابات النقدية. ويتضح ذلك في بعض الروايات السعودية الحديثة، حيث لا يظل الراوي خارج العالم الحكائي، بل ينفذ إلى داخله، ويتعامل مع الشخصيات بوصفها كائنات قابلة للحوار والتأثير. ففي رواية “زيارة سجى” لأميمة الخميس، يتجاوز الراوي حدود السرد ليصبح فاعلًا في الحدث نفسه، إذ يقول: “وأخذت أردد معها: انصرف ويجا، انصرف… وباتت تتبعني تردد ما أقول… ثم همست أنا: انصرف سجى”. في هذا المشهد لا يصف الراوي الحدث من الخارج، ولا يكتفي بالتعليق عليه، بل يشارك في صناعته؛ إذ يصبح طرفًا في الفعل السردي، ويتدخل مباشرة في مصير الشخصية، بما يفضي إلى تحريرها من عالم “الويجى”. وهنا تتبدل وظيفة الراوي من ناقل للحكاية إلى مشارك في تشكيلها، وهو ما يثير التساؤل حول مدى كفاية توصيفه بوصفه “صوتًا” فحسب لاستيعاب هذا الحضور السردي. ولعل النقد الأدبي يظل حيًا بقدر ما يظل منفتحًا على مراجعة مفاهيمه، وقدرته على تفسير الظواهر النصية الحقيقية. وإذا كان “الصوت الميتاسردي” قد نجح في توصيف مرحلة من تطور السرد، فإن بعض التجارب الروائية الحديثة تبدو وكأنها تدعونا إلى التفكير في مفهوم آخر، هو “الراوي الميتاسردي”، بوصفه راويًا يعبر من مراقبة الحكاية إلى المشاركة في صناعتها من الصوت الميتاسردي إلى الراوي الميتاسردي. * ماجستير في الدراسات الأدبيّة - جامعة القصيم.