عمرو العامري ..

لم يفقد بوصلته.. لم يكسر قلمه.

الحياة بارعة في إخفاء عثراتها الأولى. تريك الإنسان واقفا في آخر الطريق، ولكنها لا تخبرك أين تعثر أول مرة. نشاهد ابتسامته، وبدهاء هي تخفي الليالي الحالكة في عينيه. تأسرك روحه الشاسعة، ولكن الحياة في كل مرة تراوغنا حتى لا نشعر بذلك الكسر القديم الذي علمه كيف يتسع للآخرين. لهذا تبدو سيرة بعض البشر غير واضحة.. كل ما فيها يوحي بأنهم عبروا الحياة بخفة، بينما الحقيقة أنهم كانوا يحملون أثقالهم في صمت، حتى أتقنوا إخفاءها، ولم يعد أحد ينتبه إليها. أما الروائيون، فلهم طريقة أخرى في النجاة.. لا يروون جراحهم كما حدثت، إنما يعيدون خلقها. يبدلون أسماء أصحابها، ويمنحونها وجوها جديدة، وبيوتا أخرى، وطرقا لم يسلكوها، ثم يتركونها تمضي بين الناس على هيئة حكاية. وأحد من يصنع هذا التآخي الآسر بحرفية عالية هو الروائي “عمرو العامري”. فهو أكثر من مشى ببطء فوق الأشواك في هذه الدرب بين الحياة والكتابة، أكثر من داس شظايا الأمس برؤوسها السوداء الحادة. بقراءته لا تشعر أنك تدخل عالما متخيلا أو مصنوعا.. لأنه مع كل حكاية أنت تدخل طواعية حياة طويلة أعادت ترتيب نفسها بلغته المتفردة، وعليك أن تقرر طريقة الخروج. حياة من كلمات خرجت من قرية جنوبية صغيرة، وعبرت البحر، وأقامت في مدن كثيرة، لكنها ظلت، في مكان عميق منها، تمضي في الاتجاه نفسه باحثة عن البيت الأول. “عمرو العامري” السارد الكبير والذي ولد ذات يوم أقرب للموت منه للحياة في “القاسمية” ومن ثم انتقل إلى “القمري” الجنوبية جدا. والقرى لا تشبه المدن في صناعة أبنائها.. المدن تعلم الإنسان كيف يتجاوز ماضيه، أما القرى فتعلمه كيف يحتفظ به. هناك، حيث يعرف الناس بعضهم من نظرة واحدة، وتتبادل البيوت أخبارها كما تتبادل النوافذ الضوء.. تشكلت ذاكرته وملامحه، لا كمرحلة من العمر، وإنما لكونها الإرث الذي بقي مدفونا والنداء البعيد الذي يوقظه كلما أغوته الغربة. أراه واقفا مرتديا “شماغه” بعفوية.. يطل من شرفته على أزهاره الصباحية والطيور العابرة التي تتوقف لبعض الوقت وكأنها تلقي عليه تحية الأفق والزرقة. لم تكن “القمري” وأثر الجنوبي في تكوينه إلا الطريقة التي صار يرى بها الأشياء. ولهذا لا تفاجئك عودتها المتكررة في كتاباته، حتى عندما لا يذكرها إلا رمزا فإنها تحضر على هيئة مطر ونشيد راع عند الغروب وشقوق خشنة في الطين. ثم جاءت الحياة، وانتزعت منه أول يقين. رحلت الأم. وليس في حياة صبي خسارة تشبه خسارة الأم. فهي لا تترك غيابا فحسب، وإنما تترك فراغا يعيد ترتيب العالم كله. يصبح البيت أقل دفئا، والليل أطول، ويكبر الصبي وهو يحاول أن يفهم كيف تستطيع الحياة أن تستمر بعدما اختفى أكثر وجوهها طمأنينة؟ ثمة فقد لا يشفى منه الإنسان، ولكنه بمرارة يتعلم كيف يتعايش معه. وأجزم أن ذلك الفقد ظل يسير مع “عمرو العامري”، ليس كجرح مفتوح، وإنما كذاكرة مزدحمة بالحزن والحنين لوجه أمه وشجرة النيم التي كانت تحكي لها كل شيء. لا تبدو الأم في أعماله شخصية عابرة، ولا يبدو البيت مجرد مكان. كلاهما يحمل معنى يتجاوز ربما ما نقرأه ونفهمه، فشخصيات العامري لا تبحث عن نهايات كلاسيكية بقدر ما تبحث عن العودة في كل مرة. ربما بعد هذا الفقد لم يحتمل قلبه، واتسع الأفق.. جاء دور البحر رفيقا، كان اختيارا أقرب لقدر وجد فيه الملجأ والابتعاد لعله ينسى أو يُنسى. سنوات طويلة قضاها فوق ظهر السفن، يعبر الموانئ، ويغادرها، ويعود إليها. غير أن البحر، على سعته، لم ينجح في أن ينتزع منه ابن القرية. ظل الجنوب يسافر معه، كما تسافر رائحة الأرض في ثياب من رحلوا عنها. كان يعرف أن البحر لا يمنح وطنا، إنه فقط مجرد فرصة أطول للتأمل. وهناك، حيث لا شيء سوى الماء والسماء، تعلم الإصغاء إلى الصمت ومحاورته، واكتشف أن أكثر الرحلات مشقة ليست التي تقطعها السفن، وإنما ذلك الشعور الذي لا يفارق صاحبه، ليظل يذكره بما كانه يوما، وما أصبح عليه الآن. لا يبدو البحر في تركيبته مجرد مهنة، ولا مجرد محطة عابرة.. إنه مرآة كلما نظر إليها، رأى الطفل القادم من “القمري” يقف في الطرف الآخر من الماء، يلوح له بصمت، ويذكره بأن الإنسان قد يبتعد عن أماكنه، ولكنه لا يبتعد أبدا عن بداياته.. وهو الذي يقول في مذكراته “هناك أمكنة نحملها معنا أينما ذهبنا”. فالذي يقضي أعوامه بين المرافئ، لا يتعلم أسماء المدن وحدها، بل تتكون لديه حكمة أن لكل مدينة مخاوفها، ولكل وجه حكاية لا يقولها، وأن الناس، مهما اختلفت لغاتهم وأوطانهم، يتشابهون في شيء واحد.. إنهم جميعا يفتشون عن مكان يشعرون فيه أنهم وصلوا. لم يكن “عمرو العامري” يكتب الأمكنة كما يراها المسافر.. كان يكتبها كما يشعر بها، المدن في أعماله لا تشاهد من شوارعها، ولكنها تعرف من قلوب الذين يعيشون فيها، من لقاءات الرفاق وذكريات الطرق. والبيت لا يقف عند جدرانه، وإنما يمتد إلى كل ما يمنح الإنسان شعورا بالأمان. حتى البحر نفسه لا يحضر بطلا في الحكاية، إنه الراوي الممتد على طول العمر ومساحة الأحزان والغربة. في “بيت أمي” لا يعود البيت عنوانا لمكان، بل مرادفا لذاكرة لا تكف عن استدعاء أصحابها. وفي “تذاكر العودة” لا يسافر أبطاله إلى المدن، إنهم يتجاوزون ذلك الجزء الذي تركوه في سيرتهم الأولى. أما “جنوب جدة.. شرق الموسم” فهي ليست احتفاء بمدينة بقدر ما هي اعتراف جميل بأن بعض الأمكنة لا تستضيفنا، وإنما تتبنانا حتى نصبح جزءا من ذاكرتها. ثم تتوالى الأعمال.. “جيرة الوحشة” و”مزاد على الذكرى” و”رغبات مؤجلة” و”طائر الليل” وكلها تبدو، على اختلاف موضوعاتها وكأنها تعود إلى السؤال نفسه: ماذا يبقى من الإنسان حين يخسر الأشياء التي ظن أنها ستبقى إلى الأبد؟ لذلك لا تبدو شخصياته معنية بالترف والضحك الزائد عن الحاجة.. إنها معنية بالبقاء والعودة من كوابيس الغياب. شخصيات تبحث فقط عن ظل ترتاح فيه من عناء كتب عليها. حتى المرأة في رواياته، لا تدخل لتكتمل بها الحكاية، وإنما لتمنحها نبضها. ليست زينة للنص، ولا ظلا للرجل، وإنما كائن يحمل ذاكرته الخاصة، ويقاوم بطريقته الهادئة، ويحرس ما تبقى من دفء البيوت، كأنه ما زال يرى في كل امرأة شاركته توهج الحكاية شيئا من الأم الأولى التي غادرت مبكرا، ولم تغادر وحشة الليل ومخاوفه في قلب الصبي. وحين نتناول رحلة العامري بالمجمل، من القمري إلى البحر، ومن البحر إلى جدة، ومن جدة إلى الرواية، تكتشف أن الرجل لم يكن يعبر محطات متفرقة، ولكنه دون قصد كان يلملم شتاته بأشكال مختلفة. القرية منحته الجذور.. والبحر منحه الأفق.. وجدة منحته رحابة الإنسان.. أما الرواية فمنحته الحياة التي استطاع بها أن يجمع كل ذلك في روح واحدة. “عمرو العامري” الروائي والسارد البديع، والذي في اعتقادي أنه لم ينل بعد ما يليق بإبداعه السردي قراءة وحضورا. الربان الذي ظل وفيا للمكان والإنسان ولم يفقد بوصلته. والكاتب الذي لم تهزمه الأيام ولم يكسر قلمه. يكتب كما لو أنه يعرف أن الحزن لا يحتاج حتى يصل إلى استعراض نفسه، وأن الطيبة لا تحتاج إلى بطولة كي تكون عظيمة، وأن البسطاء وأبناء الطين يتركون أثرهم بهدوء يليق بأجسادهم النحيلة. لذلك تمضي رواياته هادئة كالمطر، لكنها تترك في الداخل ما تتركه المواسم في جذوع الأشجار. حين يطوي القارئ معه الصفحة الأخيرة، تكون الحبكة قد لفت حبالها حول معصمه، ويكون الإنسان الذي مر بين السطور خفيفا حاملا وردة في يد وآثار أشواكها عالقة في اليد الأخرى.