الكتابة عن الذات بشكل خاص فعل مربك من الناحية المنطقية، فالشخص الذي يكتب هو نفسه الشخص الذي عاش الحدث وهو نفسه الشخص الذي يحكم عليه بعد عدة سنوات، فهو يعيش ثلاثة أدوار مختلفة تنطق بصوت واحد تخفي التوتر بينها خلف سلاسة السرد وواقع الحدث والشعور الذي يحيط به، فحين يروي كاتب مذكراته بصيغة (شعرتُ) أو (أدركتُ لاحقاً) فهو يمزج بين الذات التي عاشت والذات التي تحكم ومن ثم يقدم للقارئ محصلة لرحلة بعيدة عن الأعين وهذا المزج مريح للقارئ لأنه يمنحه رفقة شعورية داخلية، لكنه يخفي أيضاً كل التردد والتناقض والصمت الذي رافق اللحظة الأصلية قبل أن يُعاد صياغتها بحكمة اللاحق المذكرات المسرحية الأدبية تنشأ من رفض هذا المزج، لأنه حين يكتب صاحب هذه المذكرات حواراً كاملاً بدل جملة سردية ملخصة فهو يعيد إلى كل صوت في حياته استقلاله الخاص، مثلاُ شخص يتكلم بجملته هو وشخص آخر يرد بجملته المختلفة دون تعليق يشرح دافع أحدهما أو يحكم على موقف الآخر، فالقارئ هنا يقف أمام اللحظة نفسها كما وقعت بتردداتها وتناقضاتها ويستنتج الجوهر بنفسه من إيقاع الكلام قبل تفسير الراوي له. ظهرت المذكرات المسرحية بشكلها الحديث في أواخر القرن التاسع عشر مع صعود شخصية عامة تحمل سحراً وجودياً، عندما نشرت سارة برنار عام 1887 كتابها (حياتي المزدوجة) كانت أول من جعل من المذكرات نصاً أدبياً يتجاوز السرد الزمني إلى استكشاف طبيعة الهوية المسرحية، فكانت برنار تكتب عن جسد يتقاسمه آخرون وعن صوت يتحرر من أسراره وكأنه وجود يتجزأ بين الذات الحقيقية والذات الممسرحة ويحمل نصها ذلك الاكتشاف المبكر أن الإنسان يعيش حياة ثانية تشارك الأولى في حقيقتها، وكتابة هذه الحياة تقترب من الكتابة عن الموت والولادة معاً فجعل هذا الرفض للمزج يحمل موقفاً فلسفياً من طبيعة الذاكرة نفسها لا يقل عمقاً عن الموقف الأدبي، لأن الذاكرة للحدث حين تُستدعى تعيد خلق الماضي من موقع الحاضر بمعرفة لاحقة لم تكن متاحة وقت وقوع الحدث، فيخفي السرد التقليدي هذا ويقدم نفسه كناقل للماضي بينما ما تكشفه المذكرات المسرحية عبر شكلها الأساسي هو أن كل حوار مكتوب بجمل منسقة عن محادثة جرت قبل الفعل، فلا تحتفظ ذاكرة أي إنسان بحوار كامل كلمة كلمة بالطبع وهذا الاعتراف الضمني بالتأليف يمنح النص نوعاً مختلفاً من الصدق تجاه طريقة عمل الذاكرة نفسها. تاريخ المذكرات المسرحية بدأ بطريقة أكثر فلسفة للوجود الخطابي بين الخلق والخالق، كان القديس أوغسطينوس عندما كتب الاعترافات ( Confessions ) بصيغة مخاطبة مباشرة كانت تختفي المسافة الزمنية بين وقوع الخطيئة وكتابة الاعتراف بها ويبقى القارئ داخل لحظة التوسل فيبدو فعل الشيء نفسه بصورة أكثر تجريداً حين بنى على حوار بينه وبين الشخصية فلسفة السؤال والجواب بلا راو ثالث يمزج صوتهما في تفسير واحد . انتهجت ذلك أيضاً المدرسة الروسية إذ حولت المذكرات المسرحية إلى منشور فكري عميق، قسطنطين ستانيسلافسكي نشر عام 1924 (حياتي في الفن) فكان الكتاب لحظة فارقة، ستانيسلافسكي كتب شهادة على ولادة فن التمثيل الحديث للراوي يتداخل في نصه السرد الشخصي مع التأمل النظري فيروي رحلة تقليدية تصعد الى البحث عن الأصالة الداخلية، وأكمل بعده ميخائيل تشيخوف هذا المسار بكتابه ( طريق الممثل ) حيث يسجل لحظات اكتشافه لعلاقة الجسد بالخيال ويشكل النصان معاً الأساس الفكري للمذكرات المسرحية كأدب يتجه نحو فلسفة فنية سردية . الأدب العربي يحمل نصوصاً تنتمي إلى هذا النوع بخصوصية ثقافية، توفيق الحكيم قدم سجن العمر سجل فيه رحلته الفكرية المسرحية. كان يكتب عن لحظات الاكتشاف عن علاقته بالتراث وعن صراعه مع الجمهور والنقاد فبدت مذكراته كوثيقة ثقافية تكشف عن تحولات المجتمع العربي في القرن العشرين، وهو يقترب من هذا المنطق في بعض كتاباته الفكرية التي أنشأها على حوار بين أصوات داخلية متعددة فكل صوت يحمل حجته الخاصة يقرر وحده مضمون كل شيء وهذا الاقتراب هو استجابة لمعضلة الكتابة عن الذات نفسها، معضلة أن كل صوت واحد يحكي عن نفسه ويمارس نوعاً من الرقابة الداخلية على الأصوات الأخرى التي شاركته حياته وكان الحل المسرحي لهذه المعضلة بتوزيعه الكلام على أسماء متعددة في بداية كل سطر فيفكك هذه الرقابة من عملها و يصبح الصوت مستقلاً يقف على قدم المساواة نفسه مع صوت آخرفي مساحة الصفحة. رافقه يوسف وهبي في طريقة المذكرات المسرحية، حيث ترك مذكرات تسجل ولادة المسرح المصري الحديث، فكان يكتب وهبي كشاهد على عصر ما بعد نهاية آخر مشهد من المسرحية وبعد إغلاق الستار فيسجل لقاءاته بالفنانين ويصف تلك اللحظات التي تحول فيها المسرح من ترف أوروبي إلى فن مصري أصيل يحمل نصه في طياته تاريخاً اجتماعياً كاملاً قبل المشهد وبعده وهي التي شكلت كتابة سيرة ما بعد إسدال الستار بطريقة اليوميات خلف الكواليس. ما يميز هذه النصوص هو ذلك الازدواج الذي يحكمها الكاتب، فيكتب كإنسان عاش تجربة ويعي أن هذه التجربة تتجاوزه وهذه الذات في هذه المذكرات ذات متعددة، فيمنح التعدد النص غنى يفوق أشكال السرد الأخرى لأن الزمن يتسم بالمرونة، فالحاضر يتوقف حين تبدأ الذاكرة بالسرد ويبقى حاضراً في النبرة والاختيار اللغوي فنرى نبرة الصوت في النص واختيار الكلمة وطول الجملة كلها تكشف عن موقع الكاتب من ماضيه و يظهر الزمن هنا أبعد ما يكون خطاً مستقيماً داخل فضاء متشابك تتداخل فيه الأحداث. الفضاء المسرحي يكتسب في هذه المذكرات أبعاد رمزية جمالية للتجربة الإنسانية الممسرحة للكواليس النفسية والخشبة التي تقع عليها الأحداث، الصالة تبدو ممتلئة بأعين تستشف تجربة مماثلة بشرية والستارة كلها تتحول إلى معالم وجودية مشتركة تمثل الانتظار بين التحول والظهور والكشف واللقاء والحكم، عندها الكاتب يتحرك بين هذه الفضاءات وينقل القارئ إلى عوالم تحمل في طياتها رمزيات عميقة عن ظهور النور والظل في تجربته الذاتية. المذكرات المسرحية تظل شاهدة على لحظات نادرة لأن كل نص يمثل تجربة فريدة تنفرد بها ذات الكاتب، وتعمل الكتابة في الوقت ذاته بتسجيل تاريخ إنساني، تاريخ علاقة الإنسان بنفسه وتاريخ تلك اللحظات التي يتجاوز فيها الإنسان حدود ذاته وهكذا تظل المذكرات المسرحية حية تتجدد مع كل قارئ يدخل إلى عوالمها فيجد نفسه في الظل ويواكب تجربه تسقط نفسها عليه فتعطي جزء من المشاركة ومن ثم السلام والتسامح الإنساني تجاه التجربه نفسها. * كاتبة ومترجمة. الرياض