أكتب هذه المقاربة بوصفها محاولة جادّة لفتح باب النقد من الأدب السعودي إلى الأدب السعودي، ذلك الباب الذي نحمله ونحن مثقلون بحساسيتين: حساسية القارئ، وحساسية الكاتب، ولعلنا جميعًا مصابون، بنسب متفاوتة، بحساسية النقد، وهي حساسية لا أعفي نفسي منها. عن رواية القار للروائي علوان السهيمي ورغم أن هذا النص يفصل بينه وبين كاتبه خمسة عشر عامًا، إلا أنه جدير بأن يُشار إليه؛ لأن كاتبه كان شجاعًا بما يكفي لفتح جرحٍ يُخبَّأ دومًا بشتى صنوف الأقنعة والأردية: جرح العنصرية. لم يتوانَ «السهيمي» في روايته «القار» عن مجابهة مأزق اللون، والبشرة، بل أراد لنصه أن يكون واقعيًا، فحدده جغرافيًا، واختار له مكانًا رآه صالحًا لكتابة هذا الجرح، ما جعلنا نسقطه بيسر وسهولة على خارطتنا الخاصة، ثم خارطتنا العربية الأوسع، وبعدهم على الإنسانية الأشمل: تلك العنصرية المقيتة، تجاه كل الألوان، وبينهم الأسمر، والأسود وفي أماكن بات الأبيض والأشقر جزءًا من المعاناة والتندّر. هذا ما تفعله العنصرية المقيتة بهذا العالم. يتجاسر علوان في نصه ليضعنا في إحدى الحارات الفقيرة، ليضيف إلى المأزق مأزقًا أخلاقيًا يعيشه أصحاب البشرة السوداء -تحديدًا- ويجدون أنفسهم محاصرين به. هذا النص يشبه طوبًا يُرصّ فوق بعضه كالبنيان، لتتسلل منه صنوف من المشكلات: الأخلاقية، واللا أخلاقية، والعنصرية، والطبقية، والجندرية، والجنسية. نحن بحق أمام مآزق عديدة يحملنا إليها النص: الأنوثة والذكورة، الفقر والغنى، العلم والجهل، والوطني وغير الوطني، وهنا يتشكل الخيط بين بطله «عبده» وزوجته السورية «سحر»، ومن جهة أخرى نظرة هذه الزوجة لاحقا إلى السعوديين والسعوديات قبل معايشتهم، وبعدها. وفي قلب ذلك كله يتواجه لوني البشرة ( الأبيض و الأسود). ورغم أن النص يفصلنا عنه عقد ونصف، إلا أنني كنت طوال قراءتي أتحسس هذا أتذكر مقولة فيثاغورس»: لا ننزل إلى النهر ذاته مرتين»، لأن النهر لن يكون ذات النهر، ولأننا لن نعود نحن، أي لن نعود كما كنا. يا لها من رواية صالحة رغم كل هذا العمر، ورغم أنني إلى هذه الساعة التي أكتب فيها مقاربتي عن هذا النص لست متأكدة إن كنت أحببت الرواية ، وكل ما أنا متأكدة منه أنني مصابة حتى اللحظة بانفعال شديد، للحد الذي تمنيت فيه مقابلة أبطالها، والحديث معهم. ومع أن النص جعل سحر - العروس التي قالت إنها تريد أن تصنع صينية دجاج - تنهض لتضع الدجاج في القدر بدل الصينية، ولم أفهم لماذا غيرت قرارها، رغم أن إعداد الصينية أيسر. ولم أفهم لماذا كان على «عبده» أن يكرر عبارة: «أعضاءه وأعضائها» بهذا الكم الهائل، وكأنه بالجنس - وبالجنس وحده - ينتصر على لونه الذي تسبب له بالأذى النفسي، والعقد النفسية، والشعور بالنقص وربما العار، لونه الذي هو بذاته كرهه، ، وكأن العنصرية المقيتة التي تحيطه غير كافية، ليغدو عنصريًا على نفسه جالدا ذاته بلسانه، وشعوره، ناظرًا إلى عرجته التي أصيب بها بسبب رصاصة في فخذه، يوم كان عسكريًا قبل تقاعده المبكر بسببها، إعاقته تلك على أنها نقص مضاف إلى نقائصه. وإن كان هو مهووسًا بالأعضاء وتكرارها، والتفكير المستمر بها، فلماذا كان على سحر أيضًا أن تغسل «أعضاءها»، رغم أنها هي المتحدثة؟ هل أصابها مسٌّ من زوجها الذي تمقته، حتى أصبحت تحمل كلماته في رأسها؟ رغم أن كلماته أصلًا كانت في رأسه وحده، ولم ينطق بها، مع الأخذ بعين الاعتبار تلك البذاءة التي حكى لها عنها... عن طفولته وعن حيه الذي نشأ فيه؟ وشيخ الحي الذي تأملنا فيه خيرًا حين ردع زوجته عن عنصريتها عندما جاورهما العروسان -المختلفين على لونيهما- فأحدهما أكثر سمرة حد السواد والأخر أشد بياضاً- عاد بعد أن قرأ كتابًا فقهيًا، ليخرج له من حياة العنصرية جار آخر يسأله عن «العبد»، الذي نهره ليذكره بأن «أكرمكم عند الله أتقاكم»، ثم يخطب في المسجد لاحقًا حول «أحكام زواج العبيد من الأحرار»! ثم، لماذا كان عليه أن «يلعق أفكاره»؟ والأم عائشة التي ظهرت طوال النص في صورة امرأة بسيطة متواضعة لا تستطيع استخدام الهاتف. إلا أنها ومع كامل بساطتها كانت تتحدث بفصاحة ومجاز لا ينتمي لذلك البيت الذي عاشت فيه متربعة على الأرض في انتظار ابنها «عبده» لينهض للمدرسة ويعود إليها بين يوم وآخر مصاباً ودامياً. أخيرًا: تراه كيف استطاع «السهيمي» أن يسدّ جميع مسام هذا النص، إلى الحد الذي لم يكن فيه زوجان يعيشان حياة سوية؟ بل لم يكن أحد الزوجين في أي من الزيجات التي سرد لنا أحداثها يطيق الآخر. لعلّ الشيخ وزوجته فقط هما من عاشا حياة سوية، وهادئة، على الرغم من أني لم أعد متأكدة منذ أن أرضعت طفلها طالبة منه ألا يحدق فيها بحجة أنها «تستحي». وبعد هذا كله هنيئًا لك شجاعتك أيها السارد البديع، وهنيئًا لنا أن نقرأ أدبًا سعوديًا شجاعًا، يفتح لنا جرح العنصرية الغائر دون أن يهابه، ليقف أمامه بصدق السرد الإبداعي. و لأنك أغريت القارئ بتنويه أن الرواية كُتبت عكسيًا من اليوم الثلاثين لزواج عبده وسحر عودة إلى اليوم الأول، أصبت القراء بإغراء البدء من الفصل الأخير، إلا أنني أستطيع الآن أن أؤكد لك أن هذه الرواية يمكن أن تُقرأ بالاتجاهين: من اليوم الأول إلى الثلاثين، أو كما كتبتها أنت، دون أن يختل توازنها.ولعلنا، بعد خمسة عشر عامًا في هذا العام 2026 المأزوم بالعنصرية حول العالم، وأنا أشكك حتى في تذكرك لكل تفصيل كتبته أشجعك على إصدار طبعة جديدة منقحة؛ لأن شجاعتك، وقرّاءك، لهما حق عليك أن تعيد كتابة النص من نهر محبرتك الآن. *روائية وكاتبة سعودية