سفر المكتبات..

حين تغادر الكتب رفوفنا.. تبدأ حياتها الحقيقية.

لكل قارئٍ نَهِمٍ، ومثقفٍ عارفٍ، أو كاتبٍ رصينِ الحرف والكلمة، مكتبةٌ تعكس اهتماماته؛ جمعها عبر كثافة اطلاعه، وفي سنوات الطلب، أو من خلال زياراته لمعارض الكتاب، واقتناءاته من المكتبات التجارية، أو إهداءات وصلته من أصدقاء، أو مراكز بحث، أو جمعيات، أو وُزِّعت في ملتقيات ثقافية. ومكتبته هذه ليست مجرد رفوفٍ تحمل عناوين، بل سنواتٌ من القراءة، والاكتشاف، والدهشة، والمراجعات، والرحلات البحثية. وكل كتابٍ فيها كان يومًا نافذةً أطل منها على عالمٍ جديد، أو معلومةً دقيقةً غيّرت قناعةً، أو تجربةً عمّقت الوعي، أو متعةً جماليةً تركت أثرها في النفس. تمتلئ مكتباتنا الخاصة بكتب الأدب والنقد، والرواية والقصة، والشعر، والفلسفة، والتاريخ، والدراسات الإسلامية، واللغة، والعلوم البحتة، والطب، والاقتصاد، والفلك، وعلوم البحار، والسير والتراجم، والرحلات، وغيرها من المعارف التي صاحبتنا في مراحل مختلفة من أعمارنا. قرأناها، وعدنا إليها مراتٍ عديدة، واستندنا إليها في كتابة المقالات، والبحوث، والمشاركات الثقافية، واستخرجنا منها ما أغنى تجاربنا الحياتية والإنسانية. غير أن سؤالًا جديرًا بالتأمل يفرض نفسه: ماذا بعد أن نُتمَّ رحلتنا مع هذه الكتب؟ هل ستبقى حبيسة الرفوف، يعلوها الغبار عامًا بعد عام، أم آن الأوان أن تبدأ رحلةً جديدة مع قرّاء آخرين؟ إن الكتاب لا يبلغ كمال رسالته وهو مغلقٌ بين جدران مكتبة خاصة، وإنما حين تنتقل فائدته من قارئٍ إلى آخر، ومن جيلٍ إلى جيل. فالمعرفة بطبيعتها لا تحب الاحتكار، بل تزدهر كلما اتسعت دائرة تداولها. ولعل الوقت قد حان لإطلاق مبادرة ثقافية عنوانها: “دع كتبك تواصل رحلتها.” مبادرةٌ تدعو أصحاب المكتبات الخاصة إلى مراجعة مقتنياتهم، والاحتفاظ بما يمثل قيمةً شخصيةً أو مرجعًا دائمًا، ثم إهداء الكتب التي فرغوا من الإفادة منها إلى مكتبات الجامعات، أو مراكز البحث العلمي، أو الجمعيات الثقافية، أو المدارس، أو الأندية الأدبية، أو المكتبات العامة، بل وحتى إلى القرّاء الذين قد تعجز إمكاناتهم عن اقتناء الكتب، أو ـ على أقل تقدير ـ فتح هذه المكتبات للراغبين في التزوّد بما تحويه من معارف، كما يفعل بعض الأدباء والمؤرخين، وهم قلّة، من خلال تخصيص ساعاتٍ في بعض أيام الأسبوع لاستقبال الزائرين وتمكينهم من الإفادة من محتوياتها. إن كثيرًا من الباحثين والطلاب يفتشون عن مراجع قد تكون مستقرةً منذ سنوات في مكتبة منزلية لا يفتح بابها إلا صاحبها، وربما كان كتابٌ واحدٌ مهملٌ على رفٍ خاص مفتاحًا لرسالةٍ علمية، أو بذرةً لمشروع بحث، أو سببًا في ميلاد قارئٍ جديد. وليس في ذلك انتقاصٌ من قيمة المكتبة الخاصة، بل هو ارتقاءٌ بدورها؛ إذ تتحول من ذاكرةٍ فردية إلى ذاكرةٍ جمعية، ومن ملكيةٍ شخصية إلى أثرٍ معرفي ممتد. إن أجمل ما يمكن أن يتركه القارئ بعد عمرٍ طويل مع الكتب ليس عدد المجلدات التي امتلكها، وإنما عدد العقول التي انتفعت بما قرأ. فالكتب، على خلاف كثير من المقتنيات، لا تنقص بالعطاء، بل تتضاعف قيمتها كلما تنقلت بين الأيدي، وأثمرت أبحاثًا، وإبداعاتٍ، وتجاربَ إنسانيةً قيّمة. وأستذكر في هذا برنامجًا شهريًا نفذه فريقٌ من المثقفين ضمن أنشطة (نادي باب المكتبة)، أطلقنا عليه اسم (سفَرْ المكتبات)؛ زرنا خلاله عددًا من المكتبات في منازل أصحابها، ومكتباتٍ تجاريةً أخرى، وكانت الفائدة كبيرةً للفريق. لقد آن لنا أن ننظر إلى مكتباتنا كما ننظر إلى عقدٍ من الجواهر؛ فلا تكتمل زينته وهو مخبوءٌ في صندوق، بل حين يراه الناس وينتفعون بجماله. وكذلك الكتب؛ فقيمتها الحقيقية ليست في كثرتها على الرفوف، بل في عدد العيون التي تقرؤها، والعقول التي تنمو بها. فلنمنح كتبنا فرصةً لحياةٍ ثانية… فربما كانت الصفحة التي انتهينا منها هي البداية الحقيقية لقارئٍ آخر. إن المبادرة التي أطرحها لا تدعو إلى التفريط بالمكتبة الخاصة، وإنما إلى تحويلها من ملكيةٍ ساكنة إلى معرفةٍ متحركة، ولعلها تستحق أن تُناقش. وإذا تبنّت هذه المبادرة «هيئة المكتبات» و وضعت لها برنامجاً تنفيذياً ، أو تبنّته الجمعيات الأدبية الحديثة (الأندية سابقًا)، والجمعيات الثقافية، أو الجامعات، تحت شعارٍ سنوي مثل: “أهدِ كتابًا… وازرع قارئًا” أو “دع مكتبتك تمتد إلى الآخرين”، فإنها قد تُسهم في إثراء المكتبات العامة، والمراكز الثقافية، وتوسيع دائرة المعرفة، وإحياء ثقافة تداول الكتاب، بدلًا من بقاء الكتب والمجلدات أسيرة الرفوف، وليمةً للغبار.!.