قراءة في أسلوب الكتابة القصيرة جدًا في مجموعة (رأيته يفتش عن صحراء) للدكتور سامي جريدي..

حين تتحوّل العين التشكيلية إلى مرآة سردية.

تمثّل نصوص سامي جريدي في هذا الكتاب تجربة لافتة في حقل كتابة القصة القصيرة جدًا، فإلى جانب إجادتها التكثيف اللغوي والاشتغال الرمزي والانزياح الدلالي، فهي تشير لنا بجلاء إلى انتمائها العميق إلى منطق الصورة قبل منطق الحكاية. وتكمن فرادة هذه التجربة واختلافها عن النسق المعتاد في كونها صادرة عن فنان تشكيلي، الأمر الذي يفتح آفاقًا تأويليةً بالغة الأهمية لتفكيك هذه النصوص وفهم بنيتها الداخلية، وآليات تشكّلها، وطبيعة اشتغالها الجمالي والرمزي. فالقارئ يشعر منذ اللحظة الأولى أن هذه النصوص لا تُبنى انطلاقًا من السؤال السردي التقليدي: ماذا حدث؟ أو كيف بدأ الأمر؟ إنما من سؤال آخر أكثر بصريّة: كيف يُرى العالم؟ وهذا التحوّل الجوهري في زاوية الرؤية والتبئير والتناول هو مفتاح الدخول الحقيقي إلى عالم سامي جريدي السردي. من الجدير بالذكر أن أبرز سمة في أسلوب سامي جريدي في “رأيته يفتش عن صحراء”: هي سيادة الصورة المشهدية على البنية الحكائية، أي هيمنة الصورة على الحدث. فمعظم نصوصه تنطلق من لقطة بصرية مكثفة مشحونة، تتكاثف فيها الحركة واللون والكتلة والظل وتتعاضد قبل أن تتشكل منها الدلالة. في نصوص مثل: (تحليق – رقاب – يوم الذبح الأكبر – عواء) نلاحظ أن المشهد يتقدم على السرد، والصورة الذهنية تكتمل قبل أن تجسدها الكلمات، وأن القصة تُبنى من مشهد بصري مركزي، ثم تُترك للقارئ مهمة تأويله دلاليًا وتشكيل المعنى بنفسه حسب طبقته المعرفية وحالته الشعورية، فالمعنى يُؤول ويُنقب عنه تنقيبًا عميقًا ولا يُقدم جاهزًا، ففي أقصوصة “رقاب”، مثلًا، لا تقوم القصة على حكاية متسلسلة تقليدية، إنما تقوم على مواجهة بصرية مشحونة ومدهشة بين: رقبة الناقة العالقة في صخور الوادي، ورقاب البشر المرفوعة نحو السماء، وهي مقابلة ذكية تنتمي بوضوح إلى التركيب التشكيلي المتكئ على المفارقة البصرية والتوازن الدلالي بين الكتل والأحجام. هذا الحضور الكثيف للصورة لا يمكن فصله واقصاؤه عن خلفية الكاتب التشكيلية؛ إذ يبدو جليًّا أن جريدي يفكّر بالعين- إن جاز لي هذا الوصف- قبل أن يفكّر بالكلمة، بمعنى أنه يرى المشهد أولًا ويشكّله ذهنيًا حتى يكتمل، ثم بعد ذلك يبحث له عن صياغة لغوية رصينة ومشدودة. ولو تمحّصنا هاته النصوص بعين التسجيل والتحليل لوجدناها تمتاز بخصيصة جلية، ألا وهي: الاقتصاد اللغوي المحكم الصارم في مقابلة الثراء الدلالي الكثيف الذي يجتاز طبقة النص الأولى إلى فضاءات رحبة شاسعة كالصحراء في امتدادها وتكتمها، فالجملة عند جريدي قصيرة، ومشحونة، ومشدودة، ومحكمة، ومُوظفة بعناية ودُربة، لكنها محمّلة بطاقة رمزية عالية تفتح أبواب التأويل والانزياح على مصاريعها. في نص مثل “فدية”، نجد أن الحوار لا يتجاوز ثلاثة أسطر، لكنه ينفتح على أسئلة كبرى تتعلق بالعنف الأول، والقتل المؤسَّس، وعبثية الفداء. وهذا يشي، بلا شك، بقدرة الكاتب على تكثيف المعنى وجدل خيوطه بمهارة دون الإخلال بالدهشة، وهي من أصعب مهارات القصة القصيرة جدًا. غير أن هذا الاقتصاد اللغوي لا يسير دائمًا في اتجاه قصصي صرف؛ ففي عدد من النصوص مثل:”ناي، الهودج، تفاصيل، المقولات”، نجد أن اللغة تميل إلى الانزياح الشعري والتجريد الرمزي على حساب الحدث، ما يجعل هذه النصوص أقرب إلى قصيدة نثر مكثفة منها إلى قصة قصيرة جدًا منضبطة. أما المفارقة الكامنة في نهايات أقاصيص سامي جريدي فهي تبلغ مستوىً فنيًا عاليًا؛ لأنه يعتمد على المفارقة المشهدية لا على البلاغة اللغوية والإغلاق الرمزي المعقد. في أقصوصة “يوم الذبح الأكبر”، مثلًا، تتجلى المفارقة في تعليق فعل التفريغ المقدس لدم الأضحية حتى لحظة غروب الشمس في “قرني شيطان”، في توتر مذهل يجمع بين الطقس الديني والخرافة الشعبية القروية. وفي أقصوصة “فدية”، تقوم القصة كلها على مفارقة صادمة: استعارة بندقية لقتل قابيل، بينما القتل قد تم بالفعل. هذه المفارقة لا تعمل فقط على مستوى الدهشة والمراوغة اللغوية، بل تفتح أفقًا فلسفيًا ومفاهيمًا حول استمرار الجريمة الأولى في الزمن الإنساني. وفي أقصوصة “رقاب” نجد أن المفارقة بصرية صافية، تقوم على التوازي بين رقبة الحيوان ورقاب البشر، في حركة تصاعدية درامية من الصدمة إلى الرجاء. هذه النصوص تؤكد أن جريدي حين يكتب قصة قصيرة جدًا، فإنه يراهن على المفارقة المشهدية لا على الزخرفة اللفظية، وهو خيار فني ناضج قطعًا. وفي هذا الكتاب نجد أن بعض نصوص سامي جريدي تتسم بحسّ أنثروبولوجي واضح دون مواربة، يتجلى في الاشتغال على المعتقد الشعبي والطقس الجمعي. ففي أقصوصة “يوم الذبح الأكبر”، يتعامل النص مع الدم بوصفه عنصرًا طقوسيًا مشحونًا بالخرافة والموروث، كاشفًا عن التداخل والتماهي المعقّد بين المقدس والأسطوري في الوعي الجمعي. وفي أقصوصة “رقاب”، يستحضر الكاتب مشهدًا قرويًا كاملًا، تتحول فيه الصدمة الطبيعية إلى لحظة دعاء جماعي خاطف، في صورة تمثل عمق ومتانة العلاقة بين الإنسان القروي والطبيعة والسماء. هذا البعد الأنثروبولوجي يعمّق النصوص، ويمنحها جذرًا ثقافيًا محليًا واضحًا وأصيلًا، دون أن تقع في المباشرة، أو التقرير، أو الوعظ، أو المحاكاة. ومما قدمت أعلاه يمكن القول إن سامي جريدي يكتب بعين الرسام لا بقلم القاص التقليدي. ويتجلى ذلك في عدة مظاهر مهمة، مثل: هيمنة المشهد على الحكاية، والتفكير بالكتلة والظل والحركة، والاشتغال على التكوين البصري، والاعتماد على اللقطة الذهنية والتشظي النفسي لا التسلسل الرتيب. فالأقصوصة عنده غالبًا ما تبدو وكأنها لوحة مكتملة في جدار رخامي لا حكاية متدرجة. ولذلك، نجد بعض نصوصه تنتهي دون قفلة قصصية تقليدية؛ لأنها تكتفي بإغلاق بصري أو حسّي أو شعوري، وأرى أن هذا التأثير التشكّيلي يمتح نصوصه بقوة تصويرية عالية ويمدها بحسٍّ مشهديٍّ لافت، واقتصادٍ لغويٍّ نابعٍ من دقة الرسم وذهنية المفاهيمية التي تُوّلد المعنى ولا تُسلّم بالمعنى القارّ المبتذل، بيدَ أنه في الوقت ذاته قد يدفع بعض النصوص إلى التجريد المفرط، وإلى التحول من القصة إلى الومضة الشعرية. ختامًا، أقول إن تجربة سامي جريدي في الكتابة القصيرة جدًا تمثل تجربةً بصرية بامتياز، تنطلق من العين قبل اللغة، ومن المشهد الذهني قبل الحكاية المكتوبة. وهي تجربة غنية، لافتة، متعددة الطبقات، تتأرجح بين السرد والشعر، وبين الحكاية واللوحة، وبين المفارقة والتأمل والانزياح.