اقرأُ ويُحجبُ عنّي الجمالُ بدعاوى أدركتُ فيما بعد أنّها زائفة. هكذا كانت تجربة قراءتي لشعرية محمد أبو شرارة عبر دواوينه الثلاثة: ـ اعترافٌ في حضرة الأنا 2015 م. ـ السماويّ الذي يُغنّي 2018 م. ـ أغنية على حافة الريح 2023 م. كان يدور في ذهني سؤالٌ عن نسبة الشعرية في نصٍّ مناسباتي، أياً كانت هذه المناسبة. هل كان هذا حكماً مسبقاً قبل الدخول إلى النصّ، أم أنّ المسألة عبارة عن قناعة خاطئة شائعة لا تستطيع الانحياز إلى الشعر أياً كان موقعه. بالنسبة لقصائد المناسبات، يقول غوته الشاعر والروائي الألماني: كلّ شعرٍ هو شعر مناسبات، ومنذ وقتٍ مبكّر انتبه لذلك الدكتور عبد الله الغذامي في كتابه «ثقافة الأسئلة ـ 1992 م»، يقول: وباب المناسبات، وهو بابٌ عريضٌ وواسعٌ، وهو أحد الأبواب التي مسّها من الظلم والحيف الشيء الكبير والجليل، منذ أيام مدرسة الديوان إلى اليوم، مما بلغ بالمتكلمين (أو الكاتبين) حدّ طردها من ديوان الأدب، ووصف كل ما هو مناسباتي بأنه ليس أدبياً وأنّ شعر المناسبات ليس شعراً. وهذا شعار شاع في نقدنا شيوعاً غوغائياً سالت بسببه الأقلام والأفواه مستنكرةً لكل قول يرتبط بمناسبة، واعتبرت هذا صنيعاً لا يدخل في الأدب، ونحن لو قبلنا هذا لأخرجنا معظم أشعار العرب وأشعار المعاصرين ولن يبقى لنا بعد ذلك سوى النزر اليسير من صافي القول الذي ربما جاء حراً من المناسبة. هل ترتكز قصائد محمد أبو شرارة على المناسبة إلى هذا الحدّ؟ في الواقع أنّني عندما قرأت قصائد محمد أبو شرارة عبر دواوينه الثلاثة، وصلت إلى أنّ هذه القصائد تتأرجح بين الملحمية والغنائية ضمن مناسبات شتّى، ثمّ أنّ الشاعر يتّكئ على نفسه كثيراً في بعض القصائد الملحمية، مثلاً قصيدة «معلّقة للاحتفاء بالهشاشة» ما يقارب 80 بيتاً، وقصيدة «محراب الماء» ما يفوق 50 بيتاً، ألقيت في افتتاح مهرجان أبي تمام، وقصيدة «نقشٌ على ذهب النيلين» أكثر من ثلاثين بيتاً، ألقيت في افتتاح مهرجان الشعر العربي بالخرطوم، وقصيدة «شرفة الرؤيا» أكثر من ثلاثين بيتاً، قيلت في حفل افتتاح بيت الشعراء في الأردن. ثم انظر إلى الأجواء التي يضع الشاعر نفسها فيها في مواجهات تناصٍّ كبرى، مثلاً قصيدة «اعترافٌ بين يدي أبي تمّام»، وقصيدة «في حضرة المتنبّي»، وقصيدة «مقتل كليب» إلى روح الشاعر أمل دنقل، وهكذا. أجل، القصائد كتبت في مناسبات بعينها، أو في أجواء استحضار شخوص ونصوص بذاتها، لكن، ماذا يقول النصّ في آخر الأمر؟ ولنبدأ الآن باستكشاف تجربة محمد أبو شرارة الشعرية من خلال عناوين دواوينه. والعنوان الشعريّ تكوينٌ لغويٌ دالٌّ، وكما تؤكد الدكتورة دوش الدوسري في كتابها «العنوان: تشكيله الجمالي ومحاوره الدلالية»: «تكمن أهمية العنوان في كونه ينفتح على ثلاث جهات، على النصّ حيث يرتبط معه في علاقات قوية، وعلى المتلقي حيث يكون جاذباً ومدهشاً، وعلى العنوان نفسه، بوصفه يحمل ملامحه في الدلالة والبناء الجمالي، ويستدعي القراءة والتأمّل والتأويل. عنوان الديوان الأول للشاعر محمد أبو شرارة هو: «اعترافٌ في حضرة الأنا»، وهو في الحقيقة التفاتٌ ما إلى الذات الشاعرة، وتقديمها للعالم كأنا شعرية واثقة، يقول: «نبوءتي لغتي العليا»، وهو في هذا الديوان شاعرٌ يحتجُّ، هل الشعر إلا احتجاجٌ على العالم بطريقةٍ ما؟! وكما يقول نزار قبّاني: ماذا من الشعر يبقى حين يرتاحُ؟! لكن الشاعر بالرغم من ذلك ينحاز إلى غنائية تتجلّى فيما بعد، لكنها غنائية تنشد الحرية وتكون بها، يقول: والشعر مثل النهر يجري بنا والمـــرء مغلوبٌ على أمــِهْ فما يُغني طـائرٌ مــوثقٌ طـائرٍ يمــرح في قفرِهْ في ديوانه الثاني بعنوان «السماويّ الذي يُغنّي»، وإن كان العنوان يؤكد مزّية الغناء هذه لهذا السماويّ، إلا أنّ هناك بقايا «الأنا» الأولى، يقول: قال لي الكوكب القصيّ: اتّخذني وســوى قِبلة الـ «أنا» ما اتّخذتُ ويقول: من أنتَ؟ قال: اقترح اسماً فقلتُ لهُ في جبّتـــي مـــددٌ يُفضـــي إلى مــــددِ ولكنه يكاد يصل إلى حقيقة الأمر، يقول: الشعر برق الفكرة العــذراء والمعنى فضـــوحُ الشعـر تهويم الخيال ويُفسد الشعــر الوضوحُ الشعــر سرّ الســــدرة العليا يُجلّيها الجنوحُ قل للقصيدة: «هيت» إنّ الشعر ممتنعٌ مليحُ وجــــع القصيدة للمغنّي والخــليّ المستريحُ ليس للمغنّي إلا وجع القصيدة! في ديوانه الثالث بعنوان «أغنية على حافة الريح» يبدو الشاعر أكثر قدرةً على تقبّل الأمر، فيكتب «معلقةٌ للاحتفاء بالهشاشة» هكذا مرةً واحدة، يقول: طلبتُ حين انشطـــرتُ أغنيةً واحدةً لم أفز بواحدةِ أفرُّ من قِبلتي ويرهقني طوف المريدين حول صومعتي مـــواسمٌ أُجّلت وأمنيةٌ خضــــراء ما أثمرت بسنبلةِ لكن هل يتخّلى محمد أبو شرارة عن «أناه»، أبداً!، يقول في آخر القصيدة: قصيدةٌ أُحكمت فرائدها كســـورةٍ في الكتاب مُحكمةِ تقول للبحر وهو منسرحٌ: ضفائري يا خليل مِنسأتي أمرّد الصــرح باسم فاتنةٍ من عبقـــر الفنّ أيّ فاتنةِ أتيتهم بالمجاز معجـــزةً فأنكروا آيتي ومعجـــزتي لعلّنا نفهم الآن هذه الطاقة الشعرية الواثقة التي يمتلكها الشاعر للتصدّي لكتابة قصيدة مناسبات ملحمية، يضع فيها شعريته على المحكّ كلّ مرة، وبكل هذا الجموح. ولكن، هل للشاعر محمد أبو شرارة وجه آخر غير هذه الملحمية النافرة! كأنّ محمد أبو شرارة يلتقط أنفاسه بين هذه القصائد التي تصرّ أن تترافع ضدّ قبح العالم، فهو يجد نفسه أحياناً مشدوداً إلى الغناء، والغناء وحده، في قصائد غاية في العذوبة والشغب اللذيذ، يقول: ألا يا ورد لا تحــزن وحقّ الحبّ لا تحــــزنْ تثنّ ومِل مع النسمات يا جـــــوريّ يا سوسنْ وإن رفّ الهــــوى يوماً للثم العطــــر واستأذنْ فأرسل عطرك الفوّاح هل خُلق الشذا يُسجنْ؟! ويقول في قصيدة «مرايا الشاطئ الرملي»: أنا طفــلها أم أنها طفـلي نلهـو فيتبع ظـلها ظلي طفلين عدنا عند شــرفتنا لا أهلها انتبهـوا ولا أهلي أحلامنا بالرمل نرسمهــا والموج يمحـو حلمنا الرملي طفـــلان إلا أنّ في فمنــا ظمأً، فمن يروي الظما؟ قل لي ويقول في قصيدة «هيولى»: تجسّدي يا هيولى تكشّفي يا ستورُ مظلّتان ومـــاءٌ ومخمـــــلٌ وعبيرُ تغار منكِ المرايا كما يغار الحـريرُ والياسمين يُصلّي وتستحمّ العطورُ في آخر كتاب صدر عن تجربة محمود درويش ـ وما أكثر الكتب التي تصدر عن تجربته ـ كان الكتاب للناقد وصديق الشاعر محمود درويش لسنوات الدكتور صبحي حديدي بعنوان «مستقرّ محمود درويش: الملحمية الغنائية وإلحاح التاريخ» عام 2024 م، يحاول الكتاب معرفة لماذا محمود درويش محمود درويش، يؤكد الدكتور صبحي حديدي في فصل «سطوة الملحمة وإلحاح الغناء» أنّ تجربة محمود درويش مرّت بعدة مراحل، وكان بدء ظهور المرحلة الملحمية مع ديوان «مديح الظل العالي ـ 1983 م» و «حصار لمدائح البحر 1984 م»، وتبدأ المرحلة الغنائية مع ديوان «هي أغنية، هي أغنية ـ 1986 م» وديوان « وردٌ أقلّ ـ 1986 م»، أما المرحلة التي امتزجت فيها الملحمية مع الغنائية فكانت مع ديوان «أرى ما أريد ـ 1990 م» وديوان «أحد عشر كوكباً 1992 م»، يقول صبحي حديدي: «وفي هذه المرحلة كان درويش يستكمل الفصل الأنضج في تجربته في مصالحة الموضوع الملحمي مع الموضوع الغنائي». بعدها بدأت بالطبع تجربة محمود درويش التي نعرفها جميعاً مع ديوان «لماذا تركت الحصان وحيداً ـ 1995 م» فما بعده من دواوين. تجربة محمد أبو شرارة تشكّلت ـ دون وعيٍ ربما ـ في ظلّ مزيجٍ نفسيٍّ ومعرفيٍّ بين الملحمية والغنائية، نقرأ له في قطعةٍ من أربعة أبيات كيف يمزج بين الحالتين، يقول: ردّي قميص المـــاءْ لعــــيون من سكبهْ إنّ الحــروف غناءْ وأناملـــــــي قصبهْ يا مريم العــــذراءْ عيسى على الخشبةْ تبكي عليه سمــاءْ يبكي لمن صــــــلبهْ انظر كيف يمزج بين ملحمية «صلب المسيح» وغنائية «مخاطبة الأنثى والوزن والقافية» في مساحة صغيرة لا تتعدّى أربعة أبيات! أنا أحبّ محمد، ورهاني على تجربة الشاعر محمد أبو شرارة في قادم الأيام يستند إلى طاقةٍ شعريةٍ هائلةٍ ليست مؤمنة بذاتها وأناها فحسب، بل تستثمر هذه الأنا النافرة التي عُجنت شعراً، وتستثمر هذه الطاقة الإبداعية المشحونة والمقتحمة في آنٍ، ثم تؤمن بالشعر صيغةً أخيرةً لمخرج طوارئ مقترح من هذا العالم.