تأملات في “سيرة ذاتية لغيمة”للشاعرمحمد خضر..

عندما تتحوّل الاستعارات إلى سيرة.

إن قراءة ديوان”سيرة ذاتية لغيمة” للشاعر محمد خضر(دار أدب، 2023م) في أول تماسٍّ مع النص، تثير جملة من السمات الجمالية والدلالية المتشابكة، من بينها: تحويل قصيدة النثر، عبر بنيتها السردية، وإيقاعها الداخلي إلى قصص قصيرة تتحول بدورها إلى مشاهد سيرية متشظية، إضافة إلى بناء معمار ٍاستعاريٍّ متماسك يُشكِّل نواة لتحويل الذهن من الغيم إلى المطر، ومن الموت إلى الولادة داخل صيرورة البنية التكرارية التي تنتج ميلاد الاستعارة والسيرة على حدّ سواء. وانطلاقًا من هذا الأفق، تأتي هذه المقالة بوصفها قراءة صحفية تستضيء بهذه الملامح، وتتبّع بعض تجلياتها في بنية الديوان ومساراته التأويلية. وفي هذا السياق، يطالعنا استهلالٌ سرديٌّ ينطوي على بُعد فلسفي يزاوج بين المطر والحكاية في صيغة اقتباس من الفيلسوف المثالي الألماني (هيغل): ( من الطبيعة نقرأ التاريخ، ومن تناقضها ندرك أنها أصل كل حركة وكل حياة). إنه ملفوظ يجيب على مقدمة الشاعر حينما يقول: أنت القديم في المطر، يعرفك جيدًا.. منذ الطفولة حين كنت تظنه بكاء السماء.. حتى هذه اللحظة وهو يبلل وجهك بالحكايات. نتلقّى هذا المدخل الفلسفي الرومانسي من خلال تشاكل: المطر حكاية.إذ يبني المتلقي في ذهنه عوالم لقطرات المطر، وهي تحكي حركة الحياة قطرة قطرة. وذلك عبر وحدات دلالية متشاكلة وهي: المطر، الطفولة، بكاء السماء، الحكايات، كل حياة، حركة. ومن هذا المنطلق، نقرأ قصيدة”غيمة” بغية الكشف عن بنائها الاستعاري، وآليات تشكله. إذ تنتقل السيرة في القصيدة من الفكرة إلى الكائن، حيث تتشكل حكاية الهوية، وهوية الحكاية. من قبل أن تعرف أنها سَتمضِي نحو الجبال الجرداء، من قبل أن تكبر..تكبر ويكسوها السواد من صغرها حين كانت فكرةً لرياح عاتية وهي تدركُ أن المعنى في البذرة في شجرة على وشك الموت في وردةٍ مغلفةٍ لحفلِ ميلاد. إن تلك المقاطع تحكي سيرة الغيمة، وكيف تحولت مع الريح إلى سواد يطلّ على حياة طبيعية على وشك الموت. إنها استعارة مفهومية تسند الصغر والطفولة للغيمة التي تتحول إلى فكرة، وتمثل الذات، وهي تجابه العالم. وهذا ما تمثله الاستعارات الآتية: “من قبل أن تكبر”،”من صغرها”،” وهي تدرك المعنى”، وهو ما يكرّس حضور استعارة المطر المركزية التي تقوم على أساس جسدنة العزلة والموت نحو أمل الانبعاث من جديد، وهو مايشكل المحور الدلالي للنص: “المعنى في البذرة” مما يقود المتلقي إلى الانصات بعمق إلى سيرة الغيمة التي تبحث عن هوية المطر وسط العتمة والسواد. إن هذا المنظور الجمالي الشعري يقود إلى تشييد هوية الغيمة عبر تناص داخلي لمكونات القصيدة مع بعضها بعضٍ، وللقصائد الأخرى في الديوان كذلك، فالمطر يحاور العتمة، ويحاور السواد، والعتمة تحاور الجفاف، والبذرة تحاور المعنى. إن هذه البنى الشعرية التي تنبثق من استعارات المطر والغيمة يوازيها سردٌ متزامن يزاوج بين الحكي والشعر الملفوظ عبر مستويات هي: مستوى التبئير؛ حيث قصائد الشاعر تجعل من الغيمة قصة تدور حول قصص صغرى، مثل:”ولادة”،”غيمة”،”سحب”،”حقل”،”مطر” وغيرها. ونضيف إلى هذا المستوى بنية الصراع الدرامي الذي تختزله الجملة السيرية الشعرية الآتية: ( مطرٌ ليس أكيدًا)، يقول: يتردد ينهمر قليلاً يتوقف فجأةً لأنها صحراء.. لا أحد هناك ربما لأن جسد الرمالِ لم يعد عاريًا ربما لم يعد في الأمر مغامرة قصصُ التيه في الجهات انتهت وبات السرابُ حيلة قديمة والقافلة المنتظرة بالهودج لن تعود إلا كقصةٍ في فيلم وثائقي .. المطر سؤالٌ لم يجد إجابة في كل مرةٍ تجيبهُ الأرض بالمزيد من الأسئلة فيعود.. ومن هنا تتداعى قصص الغيمة عبر هذين المستويين، فينشأ الصراع بين الغيمة والعطش وبين المطر والدلاء الخاوية. وبذلك فنحن أمام هوية مضمرة، هي هوية الشاعر الذي يرى ذاته غيمة تحتبس في السماء ،وتنتظر انفلات السحاب إلى حفيف الشجر، وخيالات المطر. إذن، نلحظ أن الشاعر يبحث عن قصة الولادة، وهي ولادة ليست من الفراغ، بل تشكّل قصة غيم محمّل بالحكايات؛ وهذا يعني أن الشاعر ينسج قصيدته النثرية، وفي داخله ذاكرة جماعية سابقة، مما يدل على أن أن الهوية لا تمنح مرة واحدة، بل تتشكّل قطرة قطرة مع زخم الغيمة وسيرتها المتواصلة. وهذا ما يفسّره نسق الاستعارات الذي يزاوج بين عناصر متباعدة في الزمان والمكان غير أنها منسجمة وجدانيًّا وذهنيًّا في هذا السياق من قبيل: “شغف البساتين”و”منابت النعناع”و”عطش الأمكنة”..وهذا مايتمثّل في صراع الرغبة والهوية. أي صراع الواقع والحلم والممكن، يقول في مقاطع نصه”غبار”: • الغبار رغبة الترابِ أن يتحولَ إلى غيمة. • يعود الغبارُ إلى الأرضِ وفي ملامحه بقع زرقاء • عائلاتٌ من الغبار ِ فقدت أطفالها على رفوف النوافذ. • الغبار: ترابٌ مدّ لحافه لأكثرَ من قدميهِ • وحده التائهُ لا يفرقُ بين الغبارِ والضباب. .. • الغبار محاولة الصحراء الأولى للطيران. ... لكن الأحلام السعيدة واصلت السفر.. بنفس عدد المقاعد المحجوزة، وبطاقة إرشادات الوقاية وعدد الملوحين بقلوبهم في بوابات المغادرين.. نحن أمام تصور نسقي استعاري ينطلق من نواة الغيم، ليحكي رغبة الذات في بناء سيرة تحكي أولاً، ثم ثانيًا تتحول إلى انبعاث من رحم الجفاف، بل إن الاستعارة المركزية السابقة تتشظى إلى حكايات تتداولها القصيدة ذاتها. يقول في قصيدة “شتاء”: يوجعنا الشتاء بهذا الليل الزائدِ عن حاجة المرء.. برائحة المعاطف القديمة.. بذاكرةِ القصائد التي لم تكتمل.. بصوتِ أغنية من شباكٍ بعيد.. برسائل العائدين بعد سنوات.. ليسألونك وهم في محاولة تذكر ِوجهكَ الأول: كيف الحال؟ إن المتلقي، وهويقرأ حكايات الغيمة، تتشابك في ذهنه مؤشرات ما نعته أمبرتو إيكو بالقارئ الضمني، فيتساءل: إلى متى تنتهي قصص خريفنا بمطر يتجاوز العدم، كما في قوله:أنا فراشتك أيها الوجود أنا تاجك أيها العدم من مائك تجرعت ذراتي ومن وقع صوتك في شوارع الفضاء نسجت موالي الأول .. وقعنا كثيرًا بالخطأ والعمد واللعب وقعنا..كي لا تشعر الكائنات المتوحشة أننا نقوى على شيء.. فلم نعد نرانا سوى حفرة مضيئة بين جبال الأكوان البعيدة أنا شذرة من ضلعك تلك التي لونت البحر بماء أرواحنا والصحراء بألوان أو جهنا في الطفولة.. والأسماء بنصيبنا من أحزاننا.. وانطلاقًا من هذه الوقفات التي استثمرنا فيها مفاهيم التناص المساند والاستعارة النسقية والتكثيف والتبئير السردي وغيرها نطرح تساؤلاً جديدًا، وهو: كيف ينتقل الديوان من جنس السيرة التقليدية . أي من السيرة الواقعية إلى السيرة الاستعارية داخل البنية الكلية للديوان بوصفها مشروعًا مفتوحًا للتشكّل والتأويل. إن الديوان، وهويحتفي بالمطر وأحلام الطفولة، يجعل ثيمة”الوجود” أساسًا لذلك الحلم بالمطر، فقصيدة “تكوين” تشكل محورًا دلاليًّا للقصيدة بوصفه نسقًا عامًا. إذ يتجلى الصراع بين الوجود والعدم تمثله كلمات مثل:” الوجود”،”العدم”،”تجرعت”،”نسجت”،”القدر” وغيرها مما تتناسل عنه متواليات سردية؛ فكل استعارة في الوجود تحكي حكاية:”أنا فراشتك أيها الوجود”.إذ يسجل السرد هنا حالة الذات والفضاء.أي نسبة الأنا إلى الفراشة ثم إلى الوجود، ثم تتشكّل استعارة العدم في قوله: أنا تاجك أيها العدم ويغدو السرد، من جديد، قائمًا على تقديم متوالية العدم، ثم تتنامى الحكايات من استعارات متراكمة بكثافة، كما في قوله: من مائك تجرعتْ ذراتي ومن وقعِ صوتك في شوارع الفضاء نسجتُ موالي الأول الصوت الذي كتب في طرقاتنا الحظ، والنصيب والقرعة، والقدر والنجمة الحرز.. إذ نلحظ أن في كل استعارة حكاية: فمن الماء يتجرع الإنسان ذرات الحياة. إذ تتشكل حالات الإنسان استعاريًّا عبر تراكم الفعل الماضي”نسجت”،”كتب”؛ حيث ذرات الحياة تنشطر إلى أصوات في الطرقات، وانكسارات بين الحظ والنصيب، والقضاء والقدر. ذلك التوليد المتوازي للاستعارة والحكاية يعترف به الشاعر نفسه، حين يقول: احتفاءً بجدران أجداد البشرية الأوائل الذين أقاموا عليها معارضهم الرمزية وحرروا حكاياتهم الآسرة : حين اكتشفوا لأول مرةٍ الفرقَ بين الصرخة واللغة.. وأن صورتهم في النهر.. هي صورتهم الأبدية.. فبالنظر إلى تراكم الأفعال الماضية، والمركب الاسمي”حكايات” يتجاوز الشاعر السرد الذاتي ليتحول إلى سيرة جماعية تحكيها الغيمة والطريق والأودية والشتاء؛ بل تمتد إلى المعاطف القديمة المرتبطة استعاريًّا بذاكرة القصائد: برائحةِ المعاطفِ القديمة.. بذاكرة القصائد التي لم تكتمل.. إذن، حوّل شاعرنا في ديوانه”سيرة ذاتية لغيمة” الاستعارة إلى سيرة، وحوّل السيرة من بعدها الذاتي إلى بعدها الجماعي والوجودي في تحوّل فكري أشبه ما يكون بشعرية السرد، وسرد الشعر.