نشر روايتي الأولى ودافع عن المطالبات بسحبها من السوق.
سمعت عن دار المفردات وصاحبها الأستاذ عبد الرحيم الأحمدي لأول مرة من الصديق عبد الكريم العودة، حيث أثنى كثيرا على صاحبها، ووصفه بأنه يمتاز بالطيبة ودماثة الخلق، ولأن عبد الكريم يحمل السمات السامية ذاتها، وغالبا ما يسقطها على الكثيرين، إذ يرى جل الناس طيبين، تقبلت ما قاله بتحفظ حتى التقيت بأبي مروان ووجدته، كما وصفه الأخ عبد الكريم وأكثر. وتعرفت عليه عن قرب حين قامت داره عام 2009 بنشر أول عمل روائي لي، رواية السواق التي تطالب بحق المرأة في قيادة السيارة. وجدت معاملة بالغة الاحترام والتقدير، لم يفاوضني عن تكاليف النشر، ولا عن هامش ربحه، ولا عن حق المؤلف، ولم نوقع عقودا، كلمته ثقة، ومعاملة عقد، فقد شعرت أنه يتعامل مع صديق، ليس هذا فقط، بل تولى مهمة مراجعة الجهات المعنية بالنشر لفسح الكتاب، ولما وزعت الرواية، واعترض البعض على إثارتها إشكالية حق المرأة في قيادة مركبتها، حينها كانت تعد منكرا، وطالبوا بحجب الرواية، وسحبها من السوق، تصدى الأستاذ عبد الرحيم للدفاع عن الرواية ومؤلفها. ومما لفت انتباهي أني رأيته يتعامل مع كتابي بعناية وحرص، وكأنه مؤلفه، رأيته منكبا عليه مراجعا ومنقحا ومصححا، وهذه المعاملة لا تخصني وحدي، فكل ما ينشر في داره يحظى بمثل هذه العناية الفائقة، فهو لا يكتفي بما يقوم به المصحح اللغوي، فحرصه شديد أن يخرج الكتاب من داره خال من العيوب. إن الأستاذ عبد الرحيم الأحمدي من الناشرين القلة النادرة جدا الذين يهتمون بالكتاب ومؤلفه، فهو لا يتعامل مع الكتاب كسلعة يتكسب منها، ولا يتعامل مع المؤلف كزبون عابر، يهم الأستاذ عبد الرحيم الكتاب، كما يهمه المؤلف، هذا ما يميزه عن بقية الناشرين، إذ أن أغلبهم مع الأسف يتعاملون مع المؤلفين معاملة البائع والمشتري، لا يعنيهم في المقام الأول إلا كم يكسبون من هذا العمل، مما حذا بالشاعر عدنان العوامي صديق أبي مروان أن يستبدل الراء في مفردة ناشر بحرف اللام، وأراه مصيبا وليس متجنيا، فقد أصبحت دور النشر مع الأسف دكاكين معنية بالربح في المقام الأول إذ يشكل ذلك محور اهتمامها لا أهمية الكتاب، ولا مكانة مؤلفه. عبر دار المفردات سما الأستاذ عبد الرحيم برسالة النشر إلى مرتبة خاصة، تجعلنا لا نبالغ، ولا نجانب الحقيقة إذا وصفنا داره بأنها مؤسسة غير ربحية، ذات رسالة ثقافية في الدرجة الأولى، تهدف نشر الكتاب وخدمة الإبداع والثقافة، لم يتخذ النشر تجارة رابحة، إنما بدافع تعلقه بالمفردة الهادفة كونه مبدعا له في النثر والشعر أعمال متميزة. تجسد هذا التعلق والاهتمام بخدمة الجليلة التي قدمها للأدب المحلي والخليجي، فمن مآثره البارزة التي قدمها للأدب المحلي موسوعة الأدب العربي السعودي الحديث في عشرة مجلدات، تضمنت دراسات ومقالات نقدية والسرد القصة القصيرة والرواية والمسرحية والسيرة الذاتية، وكذلك الشعر. اختار لها نخبة مؤهلة من الأكاديميين المختصين في الشأن الأدبي والثقافي والتاريخ، الذين عكفوا عليها كل في اختصاصه. أصدرها بمناسبة الذكرى المئوية لتأسيس المملكة، تتبعت هذه الموسوعة وأرخت لمراحل تطور الحياة الثقافية والأدبية في المملكة. لم تقتصر جهود الأستاذ عبد الرحيم على خدمة الأدب المحلي، فقد قامت دار المفردات بإعداد دليل الأدباء بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، حيث تواصل مع الجهات المعنية بالشأن الثقافي، كما تجشم معاناة القيام بعدة زيارات لدول الخليج كي يجمع مادة هذا الدليل، ثم إعدادها ومراجعتها والإشراف عليها، وأصدر دليل المؤلفين في الخليج، تكمن أهمية هذا الدليل لخدمة المهتمين بالشأن الأدبي والثقافي من دارسين وباحثين. أكثر من ثلاثين سنة أنفقها أبو مروان في خدمة الكتاب قدم خلالها اسهامات بارزة وذات قيمة في خدمة الأدب والحركة الثقافية عامة من خلال دار المفردات للنشر، إلى جانب هذه الرسالة النبيلة التي اضطلعت بها داره، حول مقرها بكرمه وطيب معاملته ورحابة صدره منتدى ثقافيا يلتقي فيه كل نهار سبت نخبة من المثقفين والمبدعين، من كتاب وشعراء وأكاديميين، لأكثر من ثلاثين سنة. حقق أبو مروان من خلالها أكبر مكاسبه التي لم يبلغها سواه، أهم هذه المكاسب السمعة الطيبة والاحترام الجم، وإذا لم يصب من هذه الدار ثراء قد يغري أحدا من أبنائه أن يتولى الدار لتواصل مسيرتها بعد أن بلغ مؤسسها التسعين أطال الله في عمره، لقد أصاب أكبر مكسب ألا وهو الحب والاحترام الجم في الوسط الثقافي، لنسوق مثلا الاحتفال بمناسبة مرور ثلاثين سنة من عطاء دار المفردات، وتسعين عاما من عمر مؤسسها الأستاذ عبد الرحيم الأحمدي، أمد الله في عمره ومتعه بالصحة.