حافظة للذاكرة الوطنية.
أدركت قيمة الأستاذ عبدالرحيم الأحمدي لأول مرة خلال سنوات دراستي للدكتوراه. في ذلك الوقت كانت الكتب المتخصصة في الفن نادرة، وكان الاهتمام بالفنون أقل بكثير مما هو عليه اليوم. كنت أحرص على زيارة معرض الكتاب بحثاً عن أي إصدار جديد في هذا المجال، وكانت دار المفردات من أبرز محطاتي فيه. هناك كنت أجد الأستاذ عبدالرحيم، صاحب الدار، حاضراً يومياً في الجناح، وقد ارتبط اسمه في ذهني بإتاحة الكتب الفنية للباحثين والمهتمين ودعم حضورها في المشهد الثقافي. ما لفت انتباهي لم يكن مجرد نشر كتب الفن في وقت لم يكن لها عائد تجاري واضح، بل شغفه الحقيقي بما يقدمه وحضوره الدائم بين القراء والمهتمين. كان مستعداً للحوار وتبادل المعرفة وتقديم النصح بسخاء، مما عكس إيماناً عميقاً بقيمة الثقافة ودورها في المجتمع. أما آخر لقاء جمعني به فكان في مكتبه أثناء عملنا على مشروع يتعلق بالأرشيف الثقافي. وخلال حديث قصير استعرض بعض محطات رحلته المهنية، فشعرت أنني أمام نموذج حي لمن كرّس جهده لحفظ الذاكرة الثقافية. لم يكن منشغلا بالحديث عن إنجازاته الشخصية، بل عن الكتب والمشروعات والأفكار والأشخاص الذين آمن بهم ودعمهم على مدى سنوات طويلة. أقدّر في الأستاذ عبدالرحيم اختياره للعمل الهادئ والمستمر في بناء المحتوى الثقافي وتوثيقه، في وقت كان كثير من هذا الجهد يمر بعيداً عن الأضواء. وتجربته تذكرنا بأن الأثر الثقافي الحقيقي لا يُقاس بما يُنجز في لحظته، بل بما يبقى منه ويستمر أثره في الأجيال القادمة.