عصامي في مدرسة الحياة.

أكتب هذه الأسطر بمناسبة الاحتفال بمرور تسعين عاماً على ولادة الأستاذ عبدالرحيم الأحمدي، وقد علمت بذلك من صديق الثقافة والمثقفين الأستاذ محمد القشعمي الذي يذكرنا دائماً بكل جميل. وهو الذي جمعني أول مرة بالأستاذ عبدالرحيم الأحمدي في مكتبه في دار المفردات بحي المحمدية في الرياض قبل سنوات. ومع أن لقاءاتي بالأستاذ الأحمدي محدودة لكنها كانت ثرية وعرفت من خلالها أنه محب للتراث ومعنيّ به، وسمعت منه قصصاً عن أحداث ووقائع حصلت له أو شاهدها في صباه في قريته. وكانت تلك الحكايات مع بساطتها وعفويتها تكشف عن التصورات الذهنية لجيله في مرحلة تاريخيّة من بلادنا، وكيف كان الناس يتعاملون مع بعضهم ومع مفردات الطبيعة من حولهم ومدى استثمارهم للمواد المتاحة في ذلك الزمن لتلبية احتياجاتهم الأساسية وكذلك للوفاء بمتطلبات الراحة والترفيه. بعد ذلك، تابعت جهوده في دار المفردات التي أسسها يجهده الشخصي حرصاً منه على نشر المعرفة والفكر من خلال المؤلفات في المجالات الثقافية والتراثية مستفيداً من معرفته وخبرته في الأدب شعره ونثره، فهو متخصص في دراسة قصة القصيرة ومهتم بالشعر، وكذلك فقد استثمر علاقاته الناجحة مع المؤلفين من الأكاديميين والمهتمين بالأدب العربي والثقافة السعودية؛ فأصدرت دار المفردات موسوعة الأدب السعودي (2001). وهذه الموسوعة قدمت منجزاً علمياً مهماً خدم الباحثين في الأدب ويسّر لهم معلومات دقيقة وأصيلة. كما صدر عن الدار دليل الأدباء في مجلس التعاون الخليجي (2014). وبمناسبة هذا الاحتفاء بالأستاذ الأحمدي، أمد الله في عمره ومتعه بالصحة والعافية، فإننا نحتفل بقيمة ثقافية مهمة تركت بصمتها في خارطة تشكُل المعارف والأدب في بلادنا منذ الخمسينات وحتى اليوم، فقد بدأ أولى محطات حياته معلماً في قرى منطقة مكة المكرمة في خمسينيات القرن الماضي وواجه الصعوبات التي يعيشها المجتمع آنذاك في التنقل والاتصال ووسائل الحياة المتواضعة، ثم انتقل إلى العمل في وادي فاطمة في مجال إداري؛ ومنذ السبعينيات جاء إلى منطقة نجد فعمل في المهام الإدارية في الدرعية ثم في الرياض حتى تقاعد من العمل الرسمي. وما يثير الإعجاب في مسيرته قدرته على التكيف مع معطيات كل مرحلة وكل بيئة، فمن معلم مشغول بطلابه ومواده إلى إداري معني بالخطط والضبط الإداري بكفاءة. لقد كان عصامياً متعدد المنابع والعلاقات ومتصلاً بالأماكن وأهلها وعاداتها ومكوناتها، ابتداء بالمدينة المنورة التي ولد في إحدى قراها ثم مكة المكرمة إلى أن استقر به المقام في الرياض. فمزج بين خبرات متباينة مستفيداً من كل بيئة ليضيف لبنة جديدة إلى صرح معارفه وتجاربه فيخرج بتجربة إنسانية واعية. وتعددت كذلك مشاربه العلمية في الدراسة الثانوية في مكة ثم المرحلة الجامعية في جامعة الإمام محمد بن سعود، وبعد ذلك حصل على الماجستير من جامعة الملك سعود. وهو شاعر وقاص وباحث وله مجموعة من دواوين الشعر ورواية ودراسات أدبية مطبوعة. إنه يمثل بوصلة البصير المطلع على قارات الفكر ومحطات الحياة. ويمكن القول بأنه رحّالة فكرية اتخذ من تنوع مراكز العلم ومن تعدد الأماكن مساراً لصقل شخصيته التي جمعت بين عمق الباحث واتساع أفق الإنسان. يضاف إلى ذلك كله أنه يجمع المهتمين والضيوف القادمين للرياض من المثقفين والمفكرين ضحى كل سبت في مقر دار المفردات من باب الوفاء والمحبة والكرم الذي تتسم به شخصيته المحبة للخير ونشر المنفعة. إننا أمام نموذج للإنسان الذي لا تحده قوالب جاهزة ولا تقيده آليات عمل جامدة، وهو برهان على أن التعددية سعة في الفهم والتصورات. والواقع أن مسيرته الثرية والمرنة انعكاس لروحه وعقله الذي يرى في كل حقل ومجال موطئ قدم جديد وفي كل تجربة ثقافية فرصة مهمة للمعرفة والاكتشاف والتعلم.