عن «المفردات» وفريق العمل.
عدت من باريس بداية العام الدراسي ١٩٩٠ ومعي أهم ما حوته مكتبتي الشخصية . الكثير من الروايات والكتب النقدية وبعض المجموعات الشعرية الفرنسية والمترجمة إليها . ولم تكن مقتنياتي من كتب الفكر الفلسفي التخصصي والعام قليلة والدليل أنني خصصت لها كرتوناً مستقلاً كنت أتمنى ألا يضيع أو يمنع منه شيء ولو طال الضياع أو المنع بقية الكتب في الكراتين الخمسة. واذكر جيدا كم حزنت لعدم قدرتي على شحن نسختي من الموسوعة الفرنسية الشاملة التي اشتريتها بثمن بسيط من أحد الأسواق الأسبوعية في الحي الخامس عشر عام ١٩٨٨. فالعمل الكبير مرجعي يتكون من ١٨ مجلدا أنيق المظهر غني المحتوى مثله مثل الموسوعة البريطانية الشهيرة. كنت اعرف جيداً أن مكتبة الجامعة لا تخلو من أعمال كهذه لكن وجود نسخة منه في مكتبة المنزل هو الحلم العصي على التحقق. نهاية ذلك العقد عاد الحلم بصيغة مختلفة إذ خطر ببالي مشروع « الموسوعة السعودية الشاملة « خاصةً وأنه سيكون الأول من نوعه محلياً، وعلى المستوى العربي ربما. فالمملكة كيان وطني كبير حديث النشوء حتى ليكاد يكون قارة مجهولة. ولولا بعض كتب الرحالة الأجانب لما وجدنا حينها أي عمل مرجعي يوثق جميع الجوانب الجغرافية والتاريخية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها من الموضوعات الرئيسية في أي بلد. هكذا قررت أن أرسم الملامح العام للمشروع بأمل أن أجد من يعين على تنفيذه وهو يحتاج إلى الكثير من الجهود والطاقات البشرية والمالية . وكما بينته في سيرتي الذاتية « سيرة الوقت « نال المشروع الكبير اهتمام صديق المرحلة الأهم الدكتور حمد المرزوقي الذي عرضه على الأمير نايف رحمه الله فتحمس له ووعد بدعمه بل وحرص على أن ينفذ برعاية خاصة منه شخصياً . وحينما تراجع صديقي وفتر حماسه لأسباب أجهلها إلى هذا اليوم قررت أن أواصل الطريق مع آخرين لعل وعسى . وذات يوم عرضت الفكرة على أستاذنا القدير وصديق الجميع د. منصور الحازمي أبدى إعجابه واهتمامه فطلب مني نسخة من الخطة الأولية العامة ليطلع عليه وقد يعرضه بدروه على من يرى ويريد. ولم انتظر طويلاً إذ دعاني إلى مكتبه وهو رئيس قسم اللغة العربية وآدابها منذ حين، وكانت المفاجأة الأجمل إذ اكد لي أنه ناقش الموضوع مع أصدقائه عبد الرحمن الأنصاري وعزت خطاب ، وكلاهما من أعلام المرحلة ، فأبديا من الحماس فوق ما توقع ، بل إنهم اتفقوا على عقد الاجتماع التشاوري الأول في دار المفردات التي يملكها الأستاذ عبد الرحيم الأحمدي ، صديقهم الحميم الذي لم أكن أعرف الكثير شخصه الكريم أو عند دار المفردات التي دشنها للتو في طريق الملك عبدالله غير بعيد عن عملنا وسكننا في جامعة الملك سعود . وفي ضحى ذلك السبت الميمون اجتمعنا نحن الأربعة ومعنا الزملاء - الأصدقاء الأساتذة مرزوق بن تنباك وعبدالله المعيقل ، وقد استبشرت خيرا بكثرة العدد ونوعية الحضور معرفياً واجتماعيا . وبعد الحوار والنقاش الجماعي المعتاد مال الغالبية من الزملاء إلى رأي د منصور الحازمي الذي فضل أن نركز على الحياة الأدبية في المملكة ونترك مشروع الموسوعة الشاملة لمؤسسة وطنية كبيرة هي الاقدر عليه . وتم الاتفاق على المشروع المختصر بعنوان « موسوعة الأدب السعودي الحديث « بدلا من العنوان الطويل « موسوعة الأدب الحديث في المملكة العربية السعودية «. هكذا تقرر أن تعاد صياغة دار المفردات الصغيرة بحيث ندخل شركاء فيها وهكذا تضمن المزيد من القدرات والخبرات التي تعينها على تنفيذ المشروع الطموح. ولن أدخل في تفاصيل ما حدث بعد ذلك لكني أسمح لنفسي ببلورة ثلاث ملاحظات جعلت الاجتماعات الأسبوعية المنتظمة تتحول إلى ساعات عمل ومرح و فرح لا تمل. فالرجل الهادئ المتواضع الوديع عبدالرحيم الأحمدي سريعاً ما يتحول إلى مضيف كريم يومن الشاي و القهوة وأطيب أنواع التمر وكأننا في بيته لا في مكتبه. ومنصور الحازمي لا يتكلم في موضوع بشكل جدي إلا بعد أن يوزع تعليقاته الساخرة المرحة على هذا الشخص أو ذاك حد أن نوبات الضحك كانت تشغلنا عن نقاش البرنامج بقدر ما تعيننا عليه. وكانت العلاقات الحميمة بين أساتذتنا الثلاثة « الكبار» مصدر ثقة و أمل لا ينفذ بقدر ما يتجدد في كل اجتماع ، خاصةً و الحازمي والأنصاري يومها من ألمع الأكاديميين الأعضاء في مجلس الشورى وجهودهما الفعالة أثمرت ما فتح أبواب الأمل وطرقات العمل حتى النهاية . ومما أغنى تلك اللقاءات الأسبوعية أننا كثيراً ما كنا نسعد بزيارت مفاجئة لشخصيات ثقافية عامة متميزة تثري النقاشات وتعزز البعد التواصلي المتسع اجتماعياً وأدبياً وفكريا. واذكر منهم الآن المذيع الشهير بدر كريم وصنوه الإعلامي المخضرم عبدالكريم الخطيب، و صديق الجميع محمد القشعمي الذي كان بمثابة كنز اخباري ومعلوماتي لا ينفذ، ولعله أكثرهم قرباً لفكري يومها والى الآن . لعلني حاولت أن أتذكر فنسيت الأهم والأجمل من الأحداث والأشخاص لكن عذري أنني أكتب بعفوية ومحبة و في لحظة تراجيدية فرضها طول الزمن وتباعد الأصدقاء وغياب بعضهم موتا ومرضا على الجميع .