قراءة في رواية عبد الله آل عيّاف (حفرة إلى السماء)..
فلسفة الحياة و الموت وخصوصية الفضاءالمكاني و محوريّة البطولة الجماعية وتعدّد الأصوات.
تجمع رواية «حفرة إلى السماء» للكاتب والمخرج السعودي عبدالله آل عياف، عناصرعدة تتشكّل عبرها رؤية الكاتب العميقة للحياة و الوجود ، من هنا كان بعدها الحواريّ الرئيس عبر مختلف الأصوات التي تتعدّد بتعدّد الشخصيات والمقاربات الفانتازيّة والواقعية لتنتج خطاباً سردياً فلسفيّاً له خصوصية تأملية ، تجمع بين مشاهد فانتازية عجائييّة و واقعية في فضاء مكانيّ له سمات دالّة متخيّلة؛فقد اختار المؤلف قرية أسماها (مجهرة ) انتقى لها موقعاً جغرافيّا يرتبط بالمدينة المنورة ، وليس من شك في أن هذه التسمية المختارة من مادة لغوية لها دلالتها الكاشفة من الجهر ويعني رفع الغطاء عن السرّيّة و الخفاء ، و الجرأة في إبداء الرأي ، وهي ذات الوقت لها قيمة بصرية ترتبط بحاسة الرؤية، في مفارقة بيّنة حيث تقابل هذه التسمية المختارة في دلالتها الكاشفة ما يحيط بهذه القرية من غموض في الرواية يتصل بباقة من السرديات الشعبية : الأساطير وقصص الكائنات الخفيّة من الجن و الرؤى و الأحلام . إذ يستهلُّ الكاتب روايته بلوحة بصرية متحرّكة مستنبتة في مخيّلته من واقع تصوّراته التأملية الفلسفية ، حيث ازدواجية البقاء و الفناء في حيز واحد يرتد بالإنسان إلى حفرة تتشير إلى أصله التكويني من الطين ومصيره النهائي إلى القبر القابع في سلالة من طين كما صوّ ره الخالق منها أول مرة “ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين” فقد شهد القبر الذي دفن فيه أحد الشحصيات المهمة في الرواية (الشيخ سالم الجبر) ولادة ابنتها تيماء طفلها (غيث) وتستوقفنا هذه التسميات بمفرداتها الدالة ؛فسالم نقيض المرض وتحمل معنى النجاة ؛فهي بمعنى النجاة و (الجبر) عكس الانكسار بمعنى المعافاة ، وإعادة ما انكسر إلى وضعه السليم في مؤشر دلاليٍّ لمعنى غيث الذي ينسجم مع العطاء نقيض الفقد ، يجتمع النقيضان في حفرة واحدة في مفارقة رئيسة ذات دلالة فلسفيّة عميقة، وأما تيماء الأم التي أنجبت غيث فدلالتها اللغوية تعززالمفارقة ؛ فهي تعني الأرض الواسعة المضلّة المهلكة ، حيث تنبثق الحياة من رَحِم الموت في إشارة ضمنيّة إلى المبتدأ و المنتهى إلى (الأرض) وقد أولى الكاتب هذه المساحة المكانية المحدودة اهتمامه فبدت محوراً دلالياً بالغ الأهمية ، والكاتب إذ يحشد هذا العدد الوافر من الشخصيات من سكان القرية ينسب لها سرديتها الخاصة؛ فلكل من (سوير وفرج وعيسى وحمود وطافي وفاطمة وظافر ) حكايته الخاصة ؛ ولكنها ليست بمعزل عن مهدها المكاني ؛ فهي تتقاطع مع أهل القرية في علاقاتهم وسلوكهم وخصوماتهم ، ومعسكراتهم التي تتركز في عائلتي صمخ وآل جابر من خلال تراثهم الاجتماعي، وما يشوبه من خرافات وأساطير وحكايات يرويها جيل عن جيل وتتراسل مع أنماط الحياة في القرية . وللأصوات في الرواية شأن آخر ؛ فهي على الرغم من تعددها ؛ إذ يقدمها الراوي من وجهة نظر المجتمع في القرية ، وتتوالى سرد حكايتها ، فتتعدد طبيعة الشخصيات لأنها تنبثق من طبائع متعددة ، فربما بدت الشخصية من وجهة نظر الجماعة سكان القرية في صورة سلبية ، ومثيرة للشفقة من وجهة نظر صاحبها ، وللقرية سلطانها على شخصيات الرواية ، وذلك من خلال طبيعة الحياة التي تعيشها و التجارب التي تخوضها على تنوّعها : عشقاً وحزناً وعزلةً وفراراً من ثقل الكاهل الذي تعاني منه داخل القرية التي تبدو وكأنها تقرّر مصائر أصحابها ، و تتحكّم في سلوكهم بوصفها تنهض بدور الشخصية المهيمنة ؛ فيفرّون منها و يعودون إليها ، واللافت أن البعد الوجودي المأساوي ممثلاً في الفقد أو الموت ينهض بدورين يبدوان متناقضين : الفقد الذي يكشف أسرار الشخصية ، وفي الوقت ذاته بلسم يشفي جراحات الخصومة بين الأطراف المتنازعة . ومنذ البداية يصطدم القاريء بموقف مأساوي يتمثل في حدثين باعثين على الشقاء طرفاهما أب مريض وامرأة مطلقة ، وصلة الوصل بينهما تيماء التي تنهض بعبء مرض الوالد ، وأم سرور التي تعاني من جحود زوجها الذي انفصلت عنها و المشهد كله يقع في دائرة المعاناة حتى الرحلة من بيت تيماء إلى منزل أم سرور تقطعه تيماء الحامل بصعوبة بالغة ، فالمكان بدوره يتمم دائرة المعانة بل ويحتضنها إذا صح التعبير . والانتقال من مستوى سردي إلى آخر ، حيث السرد الموضوعبي ثم الذاتي والإبحار النفسي في تجليات الإحساس بالحيرة و القلق و الشعور بالألم في تشابك الخواطر وحديث النفس ، فهي في (حديث النفس ) تخاطب ذاتها قائلة “ كيف سأخبر والدي ؟ سينفطر قلبه لرحيل صاحبه” تقصد بذلك خبر وفاة الشيخ عايض , ثم يعود إلى السرد على لسان الراوي العليم الذي يشرح العلاقة بين والدها وبينه “ فالرجل المسن ذو الحدبة الكبيرة كان من المقربين لوالدها جداّ” ولو اقتصرت على الحديث عن منهج الكاتب في تشكيل الشخصيات الرئيسة في هذه الرواية لاحتجت إلى الكثير من الوقت للكشف عن أسرار البناء ؛ فكل اسم اختير بعناية بحيث يلائم دوره ، ويقع في المكان المناسب له في شبكة العلاقات التي تنضبط في إطار برنامجه السردي ، وقد سبق أن ألمحتُ إلى ما توحي به بعض هذه الأسماء ، فغيث الذي ولد في الحفرة التي ضمّت رفاة الموت يشبر الكاتب به إلى استمرارية الحياة وكأنه المطر الذي يحيي الأرض بعد جفافها ؛ وأما تجربة الحب التي خاضها مع (فاطمة) فتشير إلى حزمة العلاقات التي تعرقل مسيرة المعاناة التي أفرزتها بارتباطها بالماضي و معطياته ، والمجاهدة من أجل أحلام البشر و تطلعاتهم للجمال و السلام و الحب، وما يحيط آمالهم من إحباطات وانكسارات ؛ فما يمثله من رمزيّة استمرار الحياة يوازيه سلسلة الانكسارات والآلام، أما فاطمة فسيرتها تلخّص المشهد في القرية التي تتسع دلالتها لترمز إلى معاناة سكان البسيطة برُمّتها عبر مسيرتها التي تكتظ بالنجاحات و الإحباطات؛ ففاطمة بدلالتها اللغوية (من الفطام) و ما يفضي به من دلالات يشع بمعان وجودية لا حدود لها ، فهي تختزل المغزى و تترجم المعنى ؛ فخروج فاطمة من (مجهرة) يهيء لها أسباب النجاح وما لابسه من عوامل التنغيص ، والكاتب بذلك يجعل من المكان بما انطوى عليه من أسباب التقييد والمعاناة رمزاً يشع بالعديد من الدلالات ، وهي توازي – في اعتقادي - ماترمز إليه القرية ؛ فانعتاقها من شبكة المكان لم يعفها من القيود وما تكلفته من أسباب الآلام و الأحزان ، وكأنها تتمم الشق الآخر من معنى الكينونة (المكان و الإنسان) ومن المعروف في أدبيات الرواية أن الشخصيات أعمدة الخيمة السردية التي تعبر عن رؤية الكاتب ؛ فهي تمتلك ناصية الرؤية ببعدها الفكري و ومكنوناتها النفسية التي تبحر داخل الذوات وتستخلص أسباب القلق الإنساني في خصوصيته المجتمعية و المكانية ،وما تمثله الشخصية بوصفها أحدى المكونات الأساسية في العمل الروائي؛ فمن خلالها تتجسّد الأفكار، وتتحرك الأحداث، وتنكشّف القيم الاجتماعية والنفسية التي يريد النص مساءلتها فالمكون الإنساني فرديًّا متماسكًا يقود الأحداث نحو نهاية محددة، بل أصبحت الشخصية ذاتًا قلقة متشظّية، تقدم رؤيتها الخاصة للعالم، وقد تتعارض رؤيتها مع رؤى الشخصيات الأخرى ، أي ثمة تنوّع موندرامي إذا صحّ التعبير في الشخصيات في هذه الرواية فتبدو فيها البطولة الروائية ذات طابع جماعي ، وقد وزّع الكاتب فصول الرواية بين الشخصيات ؛ فهي تتكون من اثني عشر فصلاً ، خصّص ثلاثة فصول لتيماء، وثلاثة أخرى لغيث ، وكان لكل من سويّر وظافر وفرج وحمود وعيسى وفطوم فصولاً مستقلة ، فبدت الرواية متعددة الأصوات في رؤى متباينة ، فكل صوت ينهض بمهمة تسلط الضوء على بعد من أبعاد الفضاء المكاني في هذه الرواية ممثلة في قرية (مجهرة) حيث تتبدّى اللوحة المونودرامية في مرآة هذه الرواية (حفرة إلى السماء) وهو عنوان يمثل العتبة الرئيسة التي توحي بالمفهوم الإسلامي للوجود الذي يبدأ بالتراب و ينتهي إلية (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين) فالطين هو المادة الأصل و القرار المكين رحم الأم هو الحفرة التي يبدأمنها ويعود بها إلى حفرة أخرى ترقى بروحه إلى السماء ، وقد بدا واضحاً أن هذه البطولة الجماعية للشخصيات في الرواية قد استقطبت بطولة أخرى خفيّة تتمثل في الكائنات غير المنظورة ممثلة في الجن، وكيف كان لها سلطانها وتأثيرها على تلك الكائنات البشرية ، وبدا واضحاً أن كل مجموعة لها محور رؤيوي يفضي سلوكها إليه فتيماء تنهض في الرواية بدور مهم يفضي إلى مركزيّة الشروع والبدء ومثالية السلوك والإشراق التي تنبثق من غير معدنها “ رأت سوير في في تيماء فتاة خارقة ، كانت ترى فيها شيئا مختلفا الصدق و الوضوح صدقا آخر يختلف عن صدق أمه”فهي ذات حضور متميز في الرواية وتتعالق مع الشخصيات الأخرى في تواشج بيّن ؛ هي ابنة الشيخ سالم الجبر، وأم لشخصية أخرى لها دورها المحوري ممثلاً في غيث وهي ذات صلة حميمة شخصية مهمة (سوير) ولها دورها النبيل في رعاية فاطمة ابنة صديقتها، و تتميز تيماء كذلك لها سماتها النفسية و الاجتماعية الخاصة ممثلةً في (عقدة الماء) التي تولّدت لديها بسبب مصير والدتها( شرعاء ) وغيث وما سبّبه له الماء من تردد على الأطباء فالماء الذي جعل الله منه كل شيء حي يتحول إلى بوابة للموت، وعانت من عقدة الغياب و الفقد ، وظلّ هاجس الخوف على ابنها غيث يساورها ويقلقها ، فلها أزمتها الخاصة شأنها شأن الشخصيات الأخرى . أما غيث فله أزمته الخاصة فهو يرتبط بالمصائر الأزلية في دورتي الميلاد و الموت ؛ أما فاطمة فترتبط شخصيتها بما تختزنه من مفهوم التواصل والاستمرار و الذاكرة الحية ، وباقي الشخصيات تتمثل أدوارها في مختلف جوانب الحياة في الحيّز المكاني ممثلاً في القرية ودراما الوجود عبر تشابك العلاقات و البحث عن الخلاص اتصالاً وانفصالاً بهذه المساحة المكانية بخصائصها الفريدة ، فغيث الذي ولد في الحفرة التي دفن فيها جده يهيمن على البعد الأكثر عمقا في رؤية كاتب الرواية. في الفصل الأخير (الصّرام) بختتم الكاتب روايته وتتجلى فيه فطوم بدورها الذي سبق أن أشرت إليه من قبل؛ فهي الصنوق الذي يحتوي على تاريخ القرية والشخصيات المهمة في القرية ، وهي ذاكرتها الحامية لإرثها ، المحافظة على أمانة الرعاية و العناية ، المستوعبة لسرديّاتها وفي فصلها الختامي تتكشف الأستار فمشهد تيماء الأخير على المغسلة يكشف أسرارا كانت خافية . ولأنني منذ البداية أشرت إلى قصوري عن استيعاب ما تتميّز به هذه الرواية في مقالة كهذه ، أود أن أشير إلى أن الكاتب وضع عناوين دالّة لفصول روايته ، فبدت محيطة بمحتواها ومغزاها ؛ فقد بدأها بالفصل الأول الذي يتضمن المحور الرئبس في الرواية (المغادرة و الوصول ) الذي يوميء إلى الأرض و السماء : الحفرة وعلاقتها بالموت و الميلاد ، وتنتهي ب(الصرّام ) الذي يعني القطيعة حيث مشهد الموت والتحضير له ، بطلته فاطمة بما يوحي به هذا الإسم من الفطام وهو الانقطاع عن الرضاعة بعد تأدية دورها كما فعلت فاطمة التي تولت رعاية المشهد بكامله حتى النهاية (الصرام).