كلمة ودّ واحتفاء.

احتفل أصدقاء الأستاذ عبد الرحيم الأحمدي بمرور 33 عامًا على تأسيس دار المفردات للنشر، وهو احتفال ذو لفتة كريمة بهذه الدار وصاحبها التي أسهمت منذ تأسيسها عام 1422ه-2000م، بنشر وطني مسؤول للثقافة السعودية من شعر ورواية، ودراسات نقدية واجتماعية لعددٍ كبير من الكتَّاب والأدباء السعوديين، ووضعت لها مكانة خاصة وفاعلة بين دور النشر السعودية والعربية، وأسهمت بدور مهم في نشر الكتاب السعودي في معارض الكتاب المختلفة، ومنها دول الخليج العربي، وما زالت الدار تواصل نشر إنتاجها المتنوع من شعر ورواية ودراسات مختلفة في موضوعات متنوعة. ولعلنا نتوقف عند بعض المراحل المفصلية في تاريخ الدار، ومنها نشر موسوعة الأدب السعودي الحديث في مجلدات عشرة للشعر والرواية والدراسات النقدية والسيرة الذاتية، تبع ذلك إصدار مجلد خاص من الموسوعة مترجمًا إلى اللغة الإنجليزية. فكان كل جزء يتضمن دراسة نوعية، ونصوصًا مختارة تمثل الفن نفسه، وقد كَتبَ مادة الموسوعة أكاديميون متخصصون في كل فن، وكانت الموسوعة قد طُبعت على حساب صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز رحمه اللّٰه. وتُعد الموسوعة أول عمل من نوعه يصدر عن الأدب والنقد السعودي بهذا البعد الشمولي الرصين. وقد مكّنت القرّاء، وبشكل خاص الباحثين والدارسين للأدب السعودي، من الاطلاع على مادة غزيرة للبحث الأكاديمي والدراسة العلمية في الأدب السعودي. والموسوعة عمل عظيم جدًا تحسب الريادة فيه لدار المفردات، وبكل جدارة. ولا أظن أن عملًا وطنيًا في اتساعه وشموليته يمكن أن يضاهي الموسوعة، وسوف تظل علامة بارزة لدار المفردات. ولعلّي أذكر ريادةً لدار المفردات، وهي منذ البداية ظلت مهتمة بالتراث الشعبي، فأصدرت أولًا كتاب ألف كسرة وكسرة، جمع فيه الأستاذ عبد الرحيم من نصوص فن الكسرة، وهو شعر شعبي باللهجة سائد في قرى الحجاز ومنطقة ينبع بالذات، ثم أعقب ذلك إصداره لموسوعة الكسرة، وهي في أجزاء كثيرة تشتمل على نبذة عن الشاعر، ثم مختارات من نصوصه، ولا يخلو الكتاب من نظرات نقدية مهمة. وتنبع أهمية العمل أنه لأول مرة يوفر مادة للدراسين في وقت لم تكن الكسرة تُدوَّن في كتاب؛ لأنه شعر ينتقل شفاهيًا بين الناس حفظًا وسماعًا؛ ما أتاح لعشاق هذا الفن الحصول عليه مكتوبًا بين أيديهم. ولعل اهتمام الدار بشعر الكسرة نابع من أنه للصديق عبد الرحيم؛ اهتمامًا بالتراث الشعبي حفظًا ورواية، وهو نفسه شاعر كسرة مجدّد، وله نصوص كسرات جميلة. وبوصفي محبًا لشعر الكسرة، كثيرًا ما تحضر الكسرة لقائي به، فأحيانًا ننظم كسرة مشتركة أو نتجادل حول كسرة معينة. والصديق عبد الرحيم أبو مروان -حفظه اللّٰه- أديب وكاتب متمرّس متنوّع المواهب؛ فهو شاعر له مجموعات شعرية، وله عدد من الروايات المنشورة أيضًا، وأبو مروان -إن صح القول- خرج إلى الحياة وبيده قلمٌ وكتاب، وشارك في فترة مبكرة من شبابه في الكتابة في الصحف والمجلات السعودية، ومنها مجلة المنهل وغيرها؛ مما يعني أن أبا مروان صاحب تجربة طويلة ممتدة في الكتابة والتأليف. ولعلي أختم هذه الكلمة القصيرة بالحديث عما أسميته ظاهرة السبت التي رافقت مسيرة دار المفردات منذ تأسيسها، وأقصد بها لقاء ضحى السبت الذي ينعقد أسبوعيًا في مكتب الدار في طريق الملك عبدالله، وهو لقاءً مفتوح للجميع، يلتقي فيه عشّاق الحرف من مختلف المشارب والاهتمامات في جو ودّي حميم، وعندما انتقل مكتب الدار إلى منزل أبي مروان بالدرعية، انتقلت جلسة السبت إليه. وأظن أن هذا عمل غير مسبوق في تاريخ دور النشر على حدّ علمي. وأحسب أن هذه الظاهرة مهمة جدًا، وينبغي ألا نقلل من أهميتها وأثرها وما يحدث فيها من نقاش وتبادل للأفكار في الأدب والفكر وشؤون الساحة والمجتمع.