عازف المفردات.. العازف عن الأضواء.

عبدالرحيم الأحمدي اسم يشع في سماء الأدب السعودي كاتباً وناشراً، وهو أديب شامل.. شاعر وناقد وكاتب رواية وقصة قصيرة له اسهامات في موسوعة الأدب العربي السعودي، كما أن قدرته على (الصبر) كبيرة عند مراجعة كل كتاب تتولاه دار المفردات وتصحيح الأخطاء النحوية والإملائية وإسداء النصح وإبداء الملاحظات. لم أتشرف بمعرفته شخصياً إلا من سنوات قريبة، لكني كنت أقرأ ما يكتب، وعلمت بعد ذلك أنه صاحب دار (المفردات) للنشر التي تجاوز عمرها الثلاثين عاماً، وهذه الدار هي إحدى بناته الأثيرات اللاتي رباهن على خدمة الوطن، وكان اختصاصها الأدب والثقافة، وأمست مقصدا للأدباء والشعراء لنشر أعمالهم، كما أن لها حضور قوي في معارض الكتاب مما أسهم في نشر الأدب السعودي. والأستاذ الأحمدي شاعر مجيد طرق دروب الشعر المتعددة باختلاف ألوانها ومنها شعر (الكسرة) الذي ما إن يأتي ذكر له حتى تلمع عيناه وتنفرج أساريره، فهو المحب لهذا الفن الذي يجمع بين الكلمات العذبة القصيرة والتجمعات الشعبية، ويتصف هذا النوع بأن له وقع جميل على الأذن لخفته وعدم الإطالة فيه، فهو بيتين اثنين من أربعة أشطر وأهم شروطه الحكمة وايجاز الفكرة. والأستاذ عبدالرحيم تربى بالحجاز حيث شعراء الكسرة لهم صولات وجولات في ساحاته، والجميل أن الألعاب الشعبية غالبا ما تكون مرادفة له، وقد ألف فيه كتاب عنوانه (ألف كسرة وكسرة) وأيضا (أحاديث من الأدب الشعبي)، ومن بنات قلمه ديوان شعر فصيح هو (أيها الشاعر إني أعتذر)، وديوان (بديوية) وعن الحياة الاجتماعية ديوان (مرويات ابن قابل)، أما في مجال الرواية فصدرت له رواية (وادي العشرق.. مفازة الجن)، وله اسهامات في موسوعة الأدب العربي السعودي، وكانت رسالة الماجستير التي قدمها بعنوان (الاتجاهات الاجتماعية في القصة القصيرة المعاصرة). ودار المفردات ليست دار نشر فقط تملأ جنباتها الأوراق ومسودات الدواوين الشعرية والكتب، بل أن أبا مرون جعل منها ملتقى ثقافي اسبوعي يجتمع فيه كل يوم سبت عدد من المهتمين بالأدب والثقافة والصحافة حيث الأحاديث والمحاورات المفيدة. وهناك اهتمام آخر لدى الأستاذ عبدالرحيم يتعلق بتحول المجتمعات إلى الأفضل وفيه أن الباحثة اليابانية كاتاكورا - المهتمة أيضا بهذا الشأن- اختارت وادي فاطمة لدراسة تحول المجتمع فيه فكان أبو مروان خير عون لها في مهمتها هذه، وقد تلقى بعد ذلك دعوة لزيارة طوكيو، وهناك منح جائزة يوتو روغي (الراحة) لنشره ثقافة الصحراء. معلمي أبي مروان -هو كما وصفوه- مدرسة بساطها الألفة وسقفها المحبة تحوي مختلف الفنون... أبرزها فن التواضع وفن التوجيه؛ وهذان قل من يجيدهما وأيضا الحفظ والإلقاء والسرد وتصحيح المعلومة بأسلوب لا يشعرك أنك جانبت الصواب. وليس أمامي في الختام إلا دعاء المولى عز وجل أن يطيل بعمر أبي مروان الإنسان المتواضع المحب والأديب الذي لا يحب الأضواء وأن يمنحه الصحة.