عبدالرحيم الأحمدي..

مثقفٌ عاش للكتاب وخَدَمَ الثقافة.

يصعب على من اقترب من الأستاذ عبدالرحيم الأحمدي أن يتحدث عنه بوصفه شاعراً أو باحثاً أو أديباً فحسب، فهو قبل ذلك وبعده عاشق للكتاب، مؤمن برسالة الثقافة، ومخلص للمشروع المعرفي الذي نذر له جانباً كبيراً من حياته. وقد أتيحت لي معرفة الأستاذ عبدالرحيم منذ سنوات طويلة، فوجدته مثالاً للمثقف الشغوف بمتابعة كل جديد في عالم الفكر والأدب، لا تفارقه الكتب، ولا ينقطع حديثه عن المؤلفين والإصدارات والمشروعات الثقافية التي يرى فيها خدمة للمعرفة والإنسان. وقد تجسّد هذا الشغف في تأسيسه لدار المفردات للنشر التي أسهمت في إثراء الحياة الثقافية في بلادنا، من خلال نشر العديد من الكتب والدراسات والإبداعات الأدبية التي تناولت جوانب متنوعة في الأدب والفكر والتاريخ والبحث العلمي. واستطاعت الدار أن تحجز لنفسها مكانةً بين دور النشر الجادة التي قدمت للمكتبة العربية أعمالاً ذات قيمة معرفية وثقافية. ومن أبرز الإنجازات التي ارتبطت باسم الأستاذ عبدالرحيم الأحمدي مشروع موسوعة الأدب العربي السعودي الحديث، وهو مشروع ثقافي وتوثيقي كبير يُعد من أهم المشروعات التي خدمت الأدب السعودي ورصدت مسيرته في مجالات الشعر والقصة والرواية والمقالة وغيرها من الفنون الأدبية. وقد كان لي شرف المشاركة الإدارية في هذا المشروع، الأمر الذي أتاح لي فرصة العمل معه عن قرب خلال فترة إعداد الموسوعة. وعلى مدى أشهر عديدة كنا نجتمع بصورة متواصلة في مكتبه مع أعضاء اللجنة العلمية المشرفة على المشروع، وكانت تلك اللقاءات تمتد أحياناً لساعات طويلة نناقش خلالها مكونات الموسوعة وأقسامها وآليات تنفيذها وما يلزمها من تنسيق ومتابعة. وخلال تلك الاجتماعات المتكررة لمست عن قرب حجم الجهد الذي كان يبذله الأستاذ عبدالرحيم لإنجاح هذا العمل. فقد كان حريصاً على متابعة التفاصيل الدقيقة وأن يخرج العمل بالمستوى الذي يليق بالأدب السعودي وتاريخه. ولم يكن ينظر إلى الموسوعة باعتبارها مشروعاً للنشر فقط، بل كان يعدّها مشروعاً ثقافياً وطنياً يهدف إلى توثيق المنجز الأدبي السعودي وخدمة الباحثين والمهتمين بالأدب والثقافة. وبعد أشهر من العمل المتواصل أثمرت تلك الجهود عن صدور الموسوعة في عدة أجزاء تناولت مختلف مجالات الأدب السعودي الحديث، لتصبح مرجعاً مهماً للباحثين والدارسين، وإضافة نوعية للمكتبة السعودية والعربية. ولا شك أن ما تحقق في هذا المشروع يعكس جانباً من رؤية الأستاذ عبدالرحيم وإيمانه بأهمية العمل الثقافي المؤسسي ودوره في خدمة المعرفة. ولم تقتصر إسهامات الأستاذ عبدالرحيم الأحمدي على هذا المشروع وحده، بل امتدت إلى مجالات أخرى من خلال نشاطه الثقافي وإنتاجه الأدبي والشعري وإسهاماته المتنوعة في الحياة الفكرية والأدبية. وقد استطاع عبر سنوات طويلة أن يسجل حضوراً لافتاً في المشهد الثقافي، وأن يقدم نموذجاً للمثقف الذي يجمع بين الشغف بالمعرفة والعمل الجاد لخدمة الثقافة. إن الحديث عن الأستاذ عبدالرحيم الأحمدي هو في جوهره حديث عن رجل آمن بالكتاب واستثمر وقته وجهده وإمكاناته في خدمة الثقافة والأدب. ومن عرفه عن قرب يدرك أن ما حققه لم يكن وليد المصادفة، بل ثمرة سنوات طويلة من العمل الدؤوب والإيمان العميق بقيمة المعرفة ودورها في بناء الإنسان والمجتمع. فله كل الشكر والتقدير على ما قدمه من عطاء ثقافي ومعرفي، وعلى الجهود التي بذلها في خدمة الأدب السعودي ودعم الحركة الثقافية، وهي جهود ستبقى محل تقدير وامتنان لدى كل من يعرف قيمة العمل الثقافي وأثره في نهضة الأمم.