شجعنا على الأدب وكان يأخذنا للمكتبة كل أسبوع.
كان لوالدي تأثيرٌ عميق وممتد في تشكيل شخصيتي، لم يكن دعمًا عابرًا، بل بناءً هادئًا ومتدرجًا للإنسان من الداخل. على المستوى الشخصي، منحني الثقة وأحاطني بالاحترام في مختلف مراحلي، فتعلمت أن أواجه الحياة بكرامة واتزان، بقوة لا تقسو ولا تُقصي، بل تُنصف. ومنه ورثت هدوء التعامل مع التحديات، ورصانة الحوار، والقدرة على الموازنة بين القلب والعقل. أما على الصعيد العملي والعلمي، فقد رسّخ فينا قيمة التعمق قبل اتخاذ القرار، وأن يكون اختيار الدراسة أو العمل أو حتى العلاقات مبنيًا على وعي ومسؤولية، لا على استعجال أو تأثير خارجي. كما ربّانا على الاستقلال، واتخاذ قراراتنا بثقة دون الاتكاء على الآخرين. ومن أهم ما غرسه في داخلي فضيلة التأني، خاصة عند الغضب، وكان يردد: “أن تندمي على شيء لم تقوليه خير من أن تندمي على شيء قلتِه”، فغدت هذه العبارة ميزانًا أراجع من خلاله نفسي قبل القول أو الفعل. كما كان يحرص على ترسيخ قيم الأدب والأصول بوصفها جوهرًا ينعكس في كل تعامل . كان والدي حجر الأساس في علاقتي بالكتاب؛ جعل القراءة عادة يومية، وشجعنا على الأدب بمختلف أنواعه، وكان الكتاب هديته المفضلة. ارتبطت طفولتي بزيارات أسبوعية للمكتبة، وبالقراءة كشرط يسبق الترفيه، مما خلق توازنًا جميلًا بين المعرفة والمتعة. تميّز أسلوبه التربوي بالحوار والثقة لا بالفرض، فزرع فينا رقابة داخلية قائمة على المحبة لا الخوف. وكان حاضرًا في تفاصيل حياتنا، يشاركنا أنشطتنا وهواياتنا، ويصنع معنا ذكريات دافئة ممتدة. باختصار، لم يكن والدي مجرد أب، بل كان مدرسة للحياة، ووطنًا صغيرًا تعلّمنا فيه كيف ننمو بثبات، ونحافظ على إنسانيتنا. *عالم ابحاث مشارك. مستشفى الملك فيصل التخصصي و مركز الابحاث.