شهادات من داخل البيت ..
حياة البداوة واليتم والفقر صقلت وجدانه ومنحته حسًا إنسانيًا مرهفًا.
شكّلت البداوة جزءًا أصيلًا من شخصية والدي، فظلّ طوال حياته معتزًا بتراث المجتمعات الصحراوية وما تختزنه من قيم ثقافية واجتماعية وإنسانية عميقة. لم يكن ينظر إلى البداوة بوصفها نمط حياة مضى، بل بوصفها منظومة متكاملة من القيم التي أسهمت في حفظ الأمن والاستقرار وتعزيز التماسك الاجتماعي ووحدة المجتمع، بعيدًا عن مظاهر العصبية والنعرات القبلية. وكان يستحضر دائمًا جذور تلك العادات والتقاليد وأسباب نشأتها، مستقرئًا أبعادها الحضارية ودورها في بناء الإنسان والمجتمع. كما امتلك معرفة واسعة بتاريخ غرب الجزيرة العربية وأحوالها السياسية والاجتماعية قبل قيام الدولة السعودية المباركة، واستوعب التحولات الكبرى التي مهدت لظهور الدولة الحديثة القائمة على القانون والمؤسسات. وقد تركت ظروف نشأته أثرًا بالغًا في تكوين شخصيته؛ إذ انتقل من حياة البداوة واليتم والفقر في ضواحي المدينة المنورة إلى كنف أعمامه في مكة المكرمة، فصقلت تلك التجارب وجدانه ومنحته حسًا إنسانيًا مرهفًا وقدرة استثنائية على استشعار حاجات الآخرين والتعاطف مع همومهم. وساهمت رحلاته في طلب العلم وقراءاته المتنوعة في أدب الشعوب وتاريخها في توسيع آفاقه وتعميق رؤيته. وبرغم اعتزازه الراسخ بإرث القبيلة والبداوة، اكتسب من خلال أسفاره واطلاعه أفقًا إنسانيًا واسعًا ورؤية مستنيرة جمعت بين الأصالة والانفتاح. وانعكست هذه التجربة الغنية على مسيرته المهنية، التي امتدت من العمل في مجال تنمية المجتمعات الريفية والمحافظة على التراث وتعزيز دور المجتمعات المحلية، إلى العمل الإقليمي بعد تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية، حيث أسهم في قيادة العمل الثقافي والاجتماعي المشترك من خلال إدارة الإنسان والبيئة في المجلس. وبعد تقاعده، انطلق لآفاق العمل الثقافي الحر ، حيث أسس دار المفردات للنشر لتكون امتدادًا لشغفه الفكري والأدبي والثقافي، فأصبحت خلال العقدين الماضيين رافدًا مهمًا للمكتبة العربية وداعمًا للأدباء والمفكرين في المملكة. وعلى الرغم من ثراء مسيرته المهنية والفكرية، ظل قريبًا من أسرته وأصدقائه، حاضرًا بحكمته وكرمه وحنانه، غنياً برصيده الأدبي سواء التقليدي والشعبي. وإذا كان لا يمكن اختزال مسيرة كهذه في كلمات قليلة، فإنني أراه نخلةً شامخةً ضاربة الجذور في تربة هذه الأرض وتراثها العريق، فيما تمتد أغصانها عاليًا في سماءات الفكر والأدب والثقافة الواسعه. * مساعد رئيس مجلس الشورى.