قصَّةٌ ثانية للمثوى الأخير.

  لا أعرف كم مرة قرأتُ فيها عبارة (المثوى الأخير)، ولا أوَّل من تفوَّهَ بها. هل كان يدرك أنَّ تحديد (مثوىً أخير) هو أمر عصيّ؟ وأننا نحدد شيئا لا نعرف وجهة صاحبه بعد؟ وأنَّ تحديد الأمكنة -لمثلهم- اختصاراتٌ تخصُّ عقلا آخر لم يغادر بعد، عقلا ينشد الاطمئنان بوضع نهايات يختم بها قصة ما؟   تلك الأجهزة التي مرَّت بين أيادينا تباعا تدرك شيئا من ذلك مثلا، أو أنها تحاول مسايرتنا؛ فهي تلحُّ بالذكريات بين وقتٍ وثانٍ لنطمئنها على مآل تجربة أو شخص. تُذكِّرنا بعض التطبيقات بهذا ولو نسينا، وكذلك ألبوم الصور الذي لا يكتفي بحبس الوجوه داخله، بل يريد قصةً دائما حولها... فلماذا تغيبُ تاركًا وراءك ألف سؤال يبحث عن نصيبه من الأجوبة؟ وكيف أنهيتَ القصة بمفردك؟  يذكّرني بعض الأشخاص بخصلة أحارُ في تسميتها، ولو كان الأمر طوع يدي لسمَّيتُها (اللاوفاء) طوعًا، فهُم في سنوات الدراسة أو العمل قد قرَّروا نزعَ الوفاء أصلا من تجربتهم، ولا يكون الأمر بالضرورة خيانة، بل انعدام أيّ مشاعر مرتبطة بالعمل والدراسة مع ادّعاء لَحْظيٍّ لها. قد يحومون حول مسارح القرب؛ زيارات وعلاقات ومواقف ومشاريع ودٍّ كثيرة… لكنهم أول من يقول لك: «انتهينا» صراحةً بلا سبب؛ حين يتغيَّر مكان العمل، أو تنتهي فرصة الدراسة. والمشكلة ألا دليل يوحي بملامحهم أو سلوكهم، أظنُّ ألا دليل على ذلك سوى تلك الندبة التي تتحسَّسُها في النهاية وهي تضحك وتُعيِّرُك بالخديعة. أنتَ تشبههم بغيابك المفاجئ، بِنيَّتِكَ المسبقة بألا تكون موجودا بشكل طبيعي، بأن تكون كالأشعة أو النور الذي يملأ المكان ثم تختفي متى شئتَ بلا سبب ودون طمأنة عقلٍ ما، لكنك لا تعودُ على سنَّن ذلك الشعاع، وللظلام بعدك قصصه المرعبة التي لم تواجهْ أشباحَها، ولم يفتك بك فقْدٌ بعَد، وعجزتُ عن امتلاك لغة لأشرح بها المأزق الذي لا يُبقي لي سوى غضب عارم… حتى الأجهزة لم تكن مثلك لأنها تأبى إلا وأن تتذكر، بل وتلزمنا بشراء مساحات وهمية أو أجهزة أخرى لاستكمال القصص والتماهي بنهمها حولنا، فالعقل الذي أدمَنَ بشريًّا واحدا يمتلئ به إلى هذا الحدِّ، فلمَ لا تكون مثلنا قبيلةً من (القصص التي تتذكَّر)؟  في سِيَر آبائنا الأولين شيء من ذلك؛ حيث تأبى عقولهم أن يأوي المرء إلى مثواه الأخير هكذا فجأة. تنزع أنفسهم إلى الغائب في المنامات لإكمال القصة… ولا أعرف أيضا كم مرَّتْ عليَّ عبارة: «ما فعل ربك بكَ؟» أو «به وبهم…»، يستكمل الميت القصة في المنام ليرضي حيًّا يتوق إلى (نهايةٍ أخرى) غير الموت المفاجئ. أو أنَّ القصة تشتهي الحضور حتى تجد نهايتها اللائقة! يُجفِّفُ الموتُ قصصَ الآخرين في حناجر الأحياء. ينقطعون فجأة فنحتار بإرث الذكريات كيف نضع له النهاية المناسبة. تتوالى إجابات الموتى، ولو جمعتَها في مواضيع لما خرجت في أسسها عن أصابع يديك. يهتمون بذممهم، أو بأهاليهم، أو بنصائح تعاقبت في المنامات، أو يحاولون النجاة بعملٍ صالح! اسأل جدتك عن ذلك وسوف تجيبك بكلامِ موتاها وما سمعته حولها من الأخبار. يا إلهي! تجيبُنا الأجهزةُ، والتطبيقات، والموتى، والجدَّات؛ وأنتَ لا تجيب عن غيابك وقصصك التي لا أعرف أين أذهبُ بها. حتى في مناماتي كنتَ تنطلقُ قبل أن تجيب، أو تنقطع إجابتك بصوت منبِّه جهازي الذي لا يعرف أنني مثله أنتظر نهاية القصة لكن في منامي هذه المرة. وكل غائب يمتلك طريقة تشبه تلك التي وُجد بها. ليست مصادفة! لأنَّ العقل يرفض أشلاء الحكايات والأخبار فينسج على منوالها نهايات ملائمة… وهو أفضل منك أيضا؛ إذ يرفض أن تتركَ قصتك بلا رأس أو يدين. تأخذه حميَّة أيام سابقة قضاها في ظلال صوتك، وفي أفياء مشاعر كثيرة سبغت ملامح حكاياتك بما لا تراه عينٌ أخرى كما يراها، لكنني لم أدرك أنَّ لي في المنام أيضا ذات المشكلة لأنه لم يكتمل، وهكذا أحكمتَ عليَّ الدائرة، وضاق الحبل بألف فكرة على الغارب…  كلما أرغمتُكَ على المجيء اختفيتَ بقصَّةٍ مقطوعة. وكلما جئتَ أزحتَ القصص الباهتة من طريقك. وحتى يكون ذلك عليَّ تهدئة الأجهزة أو إلغاء تذكيراتها حول ما أعيشه وحدي، لأنني وحدي حتى هذه اللحظة، ولا أحد يعرف قصةَ الآخر بحذافيرها حتى مثواه الأخير.