أربعة نصوص جديدة.
1- قيلولة أمي أتأمل أمي نائمةً، وعلى خطوط جبينها يتشكل شبح حزنٍ قديم، أشرعُ في الدخول إلى حلمها.. أجدُ نفسي على أرصفة أحلامها طفلًا، تشرح لي تبخّر الماء بالحرارة، الكتاب بيد، وفي اليد الأخرى تحرك قِدر العشاء، وكأنها في قمرة قيادة العالم، أو في رحلة مكوكية لإنقاذ الكوكب مع كابتن «كيرك». لستُ وحدي الصغيرَ في هذا البيت، فهناك كتب أخرى، وإخوة مازالت أرقام دفاترهم لم تُضرب بعد، وأحرفهم الهجائية تتقافز على الأسطر. ترفع أمي حرارة نار الموقد، وتدفعني -على عجلٍ- إلى فهم الدرس وهضمه، تضيف إلى الماء في كتاب العلوم ملحًا من عشائنا، وتأخذ من الجغرافيا البهارات المناسبة لتعديل طعمَ البيض.. كل شيء يحدث بانتظام، وحين أخرج أكون قد فهمت القواعد جميعًا، وموقع أمي من الحياة. 2- سفر في السفر.. الموتى في غرف الفنادق مازالوا في نزهةٍ طويلة.. جداول سفرهم المجعدة في جيوبهم وخرائط المدن التي يسكنونها مفرودةٌ على الطاولة.. ولأنهم شُفوا تماما من الرغبة في الرحيل كانوا يمدّدون بقاءهم ويطلبون خروجًا متأخرا.. لم يعد يغريهم رمي القطع النقدية في النوافير أو إغلاق أقفال الحبّ على الجسور أو التصوير بجانب المعالم الباهتة.. أنشطتهم مقتصرة على تقبل الخسائر والمزاح مع الندل الغاضبين ورمي بقايا الخبز للحمام.. ينصتون بعمق للعازفين في زوايا الشوارع ويودون لو استبدلوا أغنية بأخرى وآلةً بثانية.. يقفون في الطوابير الطويلة وينسحبون حين يكون دورهم.. يضحكون بشدة في عروض المهرجين الكسالى ويبدلون أوراقهم النقدية بعملات المونوبولي ويمنحونها للفقراء دفعًا للضجر.. تعود طائراتهم بمقاعد فارغة وبوحشة تتندى لها النوافذ.. لم يرد المضيفون أن يملؤوها بأحد كأنهم شعروا أن عليهم احترام ذلك الفراغ الذي شكله انسحابهم من لعبة الذهاب والعودة.. 3- عودة الفزاعة حين يموت صاحب الحقل تستطيع الفزاعة أن تتفرغ لأعمالها الخاصّة، ترمم قدمها المتيبسة، تربط يدها بغيمة، لتعوّدها على الحركة، تهرول حول التبن، لتزيد من قدرة رئتيها على جمع الهواء، ونبضها على المحبة. تتعرف بعد فترة على قدرتها على التقرب من الحيوانات، فحاجباها المعقودان تفرقا، وصارت ابتسامتها واسعة، تمكنها من الجلوس بقرب الحمامة، ومنح العصافير شيئا من حبوب السنابل، تتفق مع الأيائل على موعد مناسب لدخول الحقل وابتلاع حبات البرتقال دون الحاجة لتقشيرها، وتدل الأغنام على مكان مناسب لاكتساب سمرة من الشمس، ولا تقف عند ذلك، بل تتقرب من فزاعة الجار، التي بفضل الرياح المخترقة لجسدها، تغني لها كل يوم. 4- قصائدي لأن الشاعر رجل، فهو لا يشبه كتابة القصيدة بالولادة، هو الذي يشعر بالغثيان ويريد أن يتقيأ العالم صباحًا، الذي يُثقله الأمل ويخرجه من الزحام إلى ذاته، يتأمل مرآة مقلوبة، ويحاول أن يرى صورته على تجمعات المطر في الشارع. يترقب لفترة طويلة ما ستؤول إليه الكلمات التي تسقط من أفواه الأطفال، ونداءات الباعة الغريبة وتوصيفاتهم لبضاعتهم في سوق السمك. يتلصص على مكب النفايات بحثًا عن مجاز قابل لإعادة التدوير، يلمّعه ويدربه على المشي من جديد. وبعد حمله لكل شيء، يأخذه المخاض إلى رحلةٍ في ذاته ليرى كل شيء، وربما يولد هو من جديد.