في ديوان « عدم » للشاعر جبران قحل..

قصائد تبدأ من سؤال الذات إلى مساءلة الوجود.

ثمة دواوين شعرية لا تُقرأ قصيدةً بعد أخرى، بل تُقرأ بوصفها نصًا واحدًا تتوزع روحه على قصائد متعددة. وديوان «عدم» للشاعر جبران محمد قحل من هذا الطراز الذي يتوقع صدوره عن دار “ خطوط وظلال “ قريباً؛ إذ تتساند قصائده في بناء رؤية شعرية متماسكة، تبدأ من سؤال الذات، وتمضي عبر الحب والذاكرة واللغة والمكان، لتنتهي إلى مساءلة الوجود على تخوم العدم. ولذلك لا يبدو الديوان مجموعةً من النصوص المستقلة، بقدر ما يبدو رحلةً شعرية تتدرج في أسئلتها ورموزها حتى تبلغ خاتمتها الطبيعية في القصيدة التي حملت عنوانه. منذ الصفحات الأولى، لا يستدرج الشاعر قارئه إلى حكاية أو انفعال عابر، وإنما يدخله في فضاء من الأسئلة الوجودية التي لا تبحث عن أجوبة جاهزة، بقدر ما توقظ قلق المعرفة. ومن هنا لا يُقرأ عنوان الديوان، «عدم»، بوصفه مرادفًا للفراغ أو الانطفاء، بل باعتباره منطقة اختبار للوجود نفسه؛ فالعدم هنا ليس نقيض الحياة، وإنما المرآة التي يختبر الإنسان فيها حقيقة ذاته بعد أن تتساقط الأوهام واليقينيات السهلة. وتتجلى هذه الرؤية مبكرًا في قصيدة «الهوى الأزلي»، حيث يغادر الحب معناه الوجداني المألوف ليصبح طريقًا لاكتشاف الذات. يقول الشاعر: «وعبرتُ من قلقي إليك، ولي روحٌ تحنُّ...» فالعبور هنا ليس انتقالًا إلى المحبوب وحده، وإنما خروج من اضطراب الذات إلى أفق أرحب من المعنى. ويعمق هذه الرؤية قوله: «أدنى رضاكِ، نوالُهُ الأقصى» إذ تتحول المفارقة بين «الأدنى» و«الأقصى» إلى صورة دالة على أن الإنسان يظل يبحث عن اكتماله في أفق لا يبلغ نهايته. ولا يقف المكان في الديوان عند حدود الجغرافيا، بل يغدو جزءًا من التكوين النفسي للتجربة. ففي قوله: «وتباركتْ جازانُ لي قدرًا فهي الأجلُّ...» لا تظهر جازان موطنًا فحسب، بل ذاكرةً وهويةً وامتدادًا للذات، حتى يصبح المكان عنصرًا فاعلًا في تشكيل الرؤية الشعرية. ومن الحب ينتقل الديوان إلى الفن، حيث تكتسب الأشياء حياةً خاصة بها. ففي قصيدة «كبد الربابة» يقول: «جفَّ الزيتُ... في كبدِ الربابة» فتغدو الربابة جسدًا حيًا يصيبه ما يصيب الإنسان من تعب وجفاف، وهي صورة تكشف قدرة الشاعر على إضفاء الحس الإنساني على الأشياء، بحيث تصبح جزءًا من التجربة الشعورية لا مجرد أدوات داخلها. وتبلغ هذه الرؤية ذروة كثافتها في قصيدة «غربة الماء»، حين يقول: «لا شيء... ينقصني... سواي...» إنها عبارة قصيرة، لكنها تختزل جوهر الاغتراب في الديوان؛ فالنقص لم يعد في العالم الخارجي، بل استقر في مركز الذات نفسها، ليصبح العدم حالةً وجودية يعيشها الإنسان في داخله قبل أن يواجهها في العالم. ولا تقل الذاكرة حضورًا عن الحب أو الغربة؛ فهي ليست مستودعًا للماضي، بل قوة تعيد تشكيله في ضوء الحاضر. يقول: «ستهشُّ ذاكرتي على معناي» فالذاكرة هنا تخلق المعنى ولا تستعيده فحسب، ولذلك تغدو أحد المحركات الأساسية في بناء التجربة الشعرية، حيث يتولد المعنى من فعل التذكر كما يتولد من الحدث نفسه. ومن خلال هذا البناء المتدرج، لا ينتقل الشاعر من موضوع إلى آخر انتقالًا عارضًا، بل ينسج شبكة متماسكة من الدلالات؛ فالحب يقود إلى الذات، والذات إلى الذاكرة، والذاكرة إلى سؤال الوجود، حتى تبدو القصائد جميعًا حلقات في رؤية واحدة، تتنامى بهدوء، وتدعو القارئ إلى أن يشارك في اكتشافها، لا أن يكتفي بتلقيها. غير أن الديوان لا يلبث أن ينتقل بالقارئ من التجربة الوجدانية إلى مستوى أكثر عمقًا، حيث يغدو الرمز جزءًا من بنية التفكير الشعري، لا مجرد وسيلة للتصوير. ومن هنا تتشابك مفردات الماء، والريح، والناي، والربابة، والظل، والنار، والسحاب، لتؤلف معًا معجمًا شعريًا واحدًا، تتردد أصداؤه في أكثر من قصيدة، حتى يشعر القارئ أنه أمام نص كبير تتوزع فصوله على قصائد متعددة. وتكشف قصيدة «ك..ن» عن هذه الرؤية منذ عنوانها، فالكلمة لا تأتي مكتملة، بل تقف عند حرفين، وكأن النقص نفسه أصبح لغةً من لغات الديوان. ويقول الشاعر: «ما بين كانونِكَ القاني... وكانوني غرَّبتَ حلمي في كافٍ... بلا نونِ» ليس حذف النون مجرد لعبة كتابية، بل هو صورةٌ لحلمٍ أُوقف قبل اكتماله، ولإنسانٍ يظل معلقًا بين ما يتمنى أن يكونه، وما تسمح به الحياة. وهنا يرسخ الديوان فكرته المركزية؛ فالاكتمال ليس حقيقة تُدرك، بل أفقٌ يظل يبتعد كلما ظن الإنسان أنه اقترب منه. ويمضي هذا الخيط في قصيدة «خيط من لا شيء»، وهي من القصائد التي تكشف جوهر الرؤية في الديوان. فالشاعر يبني صورة مدهشة من مفردتين تبدوان متناقضتين؛ الخيط بما يوحي به من اتصال، واللا شيء بما يوحي به من فراغ. وبينهما تنشأ مفارقة شعرية تجعل الإنسان متشبثًا بأضعف ما يملك، وكأن أعظم ما ينقذه من السقوط ليس اليقين الكامل، بل ذلك الخيط الرفيع الذي يبقي باب الرجاء مواربًا. وهكذا لا يعود «اللا شيء» عدمًا خالصًا، وإنما يصبح فضاءً تتولد فيه إمكانات الوجود. وفي «تباع الشمس» تتخذ الصورة الشعرية منحًى آخر؛ إذ يصبح الجمال قوةً تُحدث أثرها في العالم كله، لا في الشاعر وحده. يقول: «وقفتْ فآنس نفسَه الإبداعُ وتبسَّمتْ فترنح الإيقاعُ» إن الوقفة والابتسامة لا تبدلان إحساس العاشق فحسب، بل تبدلان الإبداع والإيقاع معًا، حتى يغدو الجمال طاقةً تعيد ترتيب العالم. ثم تتسع الصورة في قوله: «وتقدمت... شيئًا فشيئًا، دهشةٌ تعرو الرخام» فالدهشة هنا لا تخص الإنسان وحده، وإنما تمتد إلى الرخام، فينفخ الشاعر الروح في الجماد، ويمنحه قابلية المشاركة في الانفعال الإنساني، وهي سمة تتكرر في مواضع متعددة من الديوان. وعندما يبلغ الشاعر قصيدة «لا نص... يعلو»، تتحول الكتابة نفسها إلى موضوع للقصيدة. فاللغة، التي ظلت تحمل التجربة، تقف فجأة أمام حدودها، فيقول: «كل الحروف تسمَّرت، وتبخر التعبير في كفيَّ...» إنها ليست هزيمة للغة، بل اعتراف بأن التجربة الإنسانية أوسع من أن تُحاط بالكلمات. ومن هنا يكتسب الصمت قيمةً دلالية لا تقل عن قيمة القول، ويصبح ما تسكته القصيدة جزءًا مما تقوله. وتبلغ الرحلة ذروتها في «سوءة التفاح»، حيث لا يستعيد الشاعر الحكاية الأولى كما استقرت في الذاكرة، بل يعيد مساءلتها، فيدعو قارئه إلى قراءة ما وراء النصوص، بقوله: «تعالوا نقرأ المبهمْ نفككُ شفرةَ الطلسمْ» إنها دعوة إلى تحرير المعنى من القراءة الواحدة، وإلى اكتشاف الطبقات التي ظلت مختبئة خلف ظاهر الحكاية، ليصبح التأويل فعلًا من أفعال المعرفة، لا ترفًا ثقافيًا. ثم تأتي قصيدة «عدم»، فلا تبدو خاتمة للديوان بقدر ما تبدو مفتاحًا يعيد قراءة كل ما سبقها. يقول الشاعر: «أطلَّ في ذاتهِ الوجلى به... عدما» في هذه اللحظة يبلغ السؤال الوجودي مداه؛ فالعدم ليس فناءً، بل لحظة مواجهة صادقة مع الذات بعد أن تتجرد من أسمائها وأقنعتها. وهنا يكتشف القارئ أن الحب، والمكان، والذاكرة، والرمز، واللغة، لم تكن موضوعات متفرقة، وإنما تجليات لسؤال واحد ظل يتردد منذ الصفحة الأولى: كيف يقترب الإنسان من معنى وجوده وهو يعلم أن الاكتمال سيظل مؤجلًا؟ وهذا ما يمنح ديوان «عدم» قيمته الفنية؛ فهو لا يفرض تفسيرًا واحدًا، ولا يستهلك معناه في قراءة عابرة، بل يظل يفتح أبوابه كلما عاد إليه قارئ جديد. وتلك هي سمة الشعر الذي يبقى؛ لأنه لا يقدم أجوبة نهائية، بل يوقظ في النفس أسئلة لا تنتهي، ويجعل من القراءة رحلةً أخرى موازية لرحلة الشاعر نفسه.