في عصر اصبح فيه “الريلز”، يحظى بجزء كبير من وقتنا، على وسائل التواصل الاجتماعية، والحدث السريع الذى نراه، يتم نسيانه بذات السرعة، هناك في تلك اللحظة تماما، ورغم أن الإنسان هو عماد المشهد المفترض، إلا أن الإنسان هو اقل ما نراه. اصبحنا كبشر نقيم بين دورين، إما نحن مُنتَج يتم عبره ترويج منتجات أخرى، وإما نحن مُستهلِك مستهلَك. هنا تماما يأتي أحد أهم أدوار الفكر والثقافة، ومن ضمنها الآداب والفنون، في إعادة الإعتبار لأهمية الإنسان كذات، له مركزة ضمن هذا العالم، وإعادة وصلنا بإنسانيتنا، بل وإعادة وصلنا واتصالنا بالآخر، وأن نبصره، ونبصر من خلاله بعض معنانا. ومن هذه المقدمة، تأتي أهمية المجموعة القصصية “ معصمه الأيسر “ للقاصة وفاء بن صديق. حيث شكل نص الإهداء العتبة، فحين تكتب وفاء: “ إلى أخي الإنسان الذى يحتضر بأفكاره، ويموت صامتا، متواريا عن الأنظار...”، فإنها تعلن فتح كامل قصص الكتاب أمامك كقارئ، بطريقتين، فتخبرك أولا بخطاب الكتاب الأساسي، وانه خطاب إنساني، شاهد وراقب ونظر وتأمل، فيما لا يُرى في انسان اليوم، وقالت له، إني ابصرك. ثم اثبتت ذلك عبر سرد ذلك الإنسان بطريقة بارعة. وأما الطريقة الثانية فهي أنها ككتابة، وضعتك كقارئ أمام مسؤولية كبيرة، وانت تقرأ كل قصة، حيث تطالبك عبارة الإهداء بالإنتباه والتيقظ لذلك الإنسان الذى قد يكون قربك الآن لكنك لم تبصره. لذا انت لا تقرا مجرد مجموعة قصص قصيرة، بل انت مدعو للدخول عميقا، داخل انفس بشرية في حاجة إلى من ينصت إليها، أفراد منحتهم القصص المساحة، لكي يسردوا انفسهم، للمرة الأولى وربما الأخيرة. ففي قصة (هاجس) صيغ أغلب السرد بطريقة المونولوج الداخلي، وهذا ذكاء من وفاء، لأنها أرادت أن تدمجك في تفاصيل يوم بطلة القصة، لتكون جزءا من هذا اليوم، وليس مجرد قارئ لهذه التفاصيل. ينساب النص كجدول ماء هادئ وصاف، لذا لم تكن بطلة القصة بحاجة إلى اخبارك، عن نتيجة ما كانت تنتظره، في السطر الأخير، فأجواء النص تكفلت بإيصال شعور الطمأنينة والتقبل، وهذا ربما المعنى الأهم. أما في قصة (خلسة)، فقد استخدمت وفاء وبذكاء الجمل القصيرة، المتسارعة في السرد، وأثثت النص كتابيا بما يحيلك إلى مشهد مصور، فكتبت: “تجولت بين أروقة متجر الحي المجاور، ملأت العربة بما يفوق حاجتي، وقفت - في الطابور - منتظرة دفع الفاتورة .....، تلفت يمنة ويسرة، مددت يدي بسرعة، إلتقطت العلبة، وضعتها بخفة في حقيبتي، سرت رعشة في جسدي، استطعت دقات قلبي، غمرتني النشوة، ثم اكتسحني القلق حتى تلاشت اللذة....، تركت عربة التسوق، هرعت إلى الباب متوجه إلى سيارتي، عدت إلى المنزل، وأنا أرتجف، العرق يبللني، وأنفاسي على وشك التوقف، أغلقت الباب بإحكام”. هذه الجمل القصيرة تقودك داخل النص، تدمجك بشعور بطلة القصة، وترفع الادرينالين، بفعل ترقب حدث ما. وكنت اتوقع ختام اقوى للقصة. قصة (النفق) كانت حول الموت، الذى نبدأ في السير إليه منذ لحظة الولادة، والذى يراقبنا عن قرب، منذ تلك اللحظة، فيما نظن أنه حدث بعيد، واستخدام الموت ذاته كراوي للقصة، عمقها ومنحها بعدا آخر، جعله أقرب للصديق الذى يزورنا لياخذنا معه إلى مكان آخر. ماذا لو كنا قادرين على التخلص من الذكريات؟ كما نتخلص من أي اثاث قديم؟ ليكون هناك مكان متاح لصنع قصص/ ذكريات جديدة. هذا ما حاولت قصة (فتات) تناوله، عبر مفارقة ليلة تحقيق الأمنيات، بين سانتا كلوز الذى يجول محققا الأمنيات، وبين بطل القصة الذى يجول محاولا مساعدة الأشخاص الوحيدين على التخلص من الذكريات، ليجمعها منهم محاولا إعادة صناعة ذكرى جديدة منها. في قصة (معصمه الأيسر) والتي أخذت المجموعة القصصية منها عنوانها، لم تكتفي وفاء بمحاولة دمجنا في حياة الشخصيات في القصص الأخرى، هنا قامت بأنسنه الأشياء، ومنحتها حياة، ولا يفعل ذلك إلا من يمتلك تواصل ذاتي حميم مع العالم حوله، ومع الأشياء. وحين تنتهي من قراءة نص القصة، سوف تعود كقارئ، من عالم الأشياء، إلى عالم البشر المنسيين كأشياء مهملة. وقد اجادت وفاء في عباراتها الافتتاحية لكل قصة، في الإمساك بك، وادخالك إلى اجواءها مبكر، في قصة (شيء ما) كتبت: “منذ صغري يغمرني هذا الإحساس...”. وفي قصة: (ذكرى الياسمين) كتبت: (أين ذهبت؟ متى ستعود؟)، وهذه تقنية فيها براعة من الكاتب، لأنه يدفعك عبر التساؤل إلى الفضول، وبالتالي إلى البحث عن اشباع هذا الفضول، عبر مواصلة القراءة لكي تعرف. في قصة (عبور) وهي في القسم الثاني من الكتاب، الذى احتوى قصص قصيرة جدا، يأخذك النص بطريقة بارعة، وبمعنى مكثف جدا، يناسب حجم القصة، إلى صورة خاطفة مألوفة، أب يمسك بيد طفلته أثناء عبور الشارع، كانت قوة القصة في تحويل ثواني العبور السريعة إلى سنين العمر، عبر جمل قصيرة، سريعة، اثناء العبور بين ضفتي الشارع، ومتتالية كسنين العمر، حيث تصعد بك الجمل الأولى في القصة، كصعود الجسد نحو فتوته، وقبل النهاية تبدأ في الهبوط به نحو شيخوخته. في بقية القصص القصيرة جدا، أخذتنا وفاء في جولة، ربما لو خيرت في اختيار إسم جامع لها سأختار اسم: رصيف المتعبين، حيث صورت وفاء بعدسة فائقة الوضوح، لقطات قصيرة، اذا جمعتها تحصل على سردية كاملة، عن الإنسان الذى أرادت الكاتبة أن تلقى عليه ضوء عدستها.