«دم الغزلان» للقاص ناصر الجاسم ..

حينَ يسيلُ النّصُّ ماءً وأسطورةً.

الحقيقة أنني احترتُ طويلًا في أيِّ بابٍ أطرقُ وأنا أكتبُ عن (دمِ الغزلان): أأمضي في الحديث عن (الثيمة الاجتماعيّة) التي تكشفُ علاقة الإنسان بمكانه وجماعته، وما يتخلّلها من طقوسٍ وقرابينٍ وحواجز؟.. أم ألتفتُ إلى (الثيمةِ الفكريّةِ) التي تُحاور الذاكرة وتستدعيها في مواجهة الحاضر، حيث يتحوّل النصّ إلى سجلٍّ حيّ للوعي الجمعي؟.. أم أنجذبُ إلى (الثيمةِ الفلسفيّةِ) التي تجعلُ من (الماءِ والجسدِ والسور) رموزًا كبرى لأسئلةِ الوجودِ والحريةِ والتحوّل؟.. فكلّما حاولتُ أن أختار زاويةً واحدةً وجدتُ أن النصوص تفيضُ بما هو أوسع من زاويةٍ أو بابٍ، فهي نصوصٌ متشعّبةُ الجذور، متعدّدةُ الوجوه، تُقارب اليوميَّ بقدر ما تُقيم في الأسطوري، وتقترب من الوجدان بقدر ما تُحاور الفكر. نَحنُ أمامَ نصوصٍ تتطلَّبُ الإصغاءَ أكثرَ منَ القِراءةِ، نصوصٍ تتنفّسُ بِبطءٍ كما يتنفّسُ المكانُ حينَ يُستعادُ في الذاكرةِ. فهي ليست حكاياتٍ مسليةٌ تُقرأُ على عجالةٍ، بل نوافذٌ تُفتحُ على عالمٍ مشبعٍ بالحواسِ، حيثُ تختلطُ فيهِ الأرضُ بملحِ الجسدِ، ويتجاورُ فيهِ صوتُ الماءِ مع صدى الأسطورةِ. إنَّ ما تطرحهُ مجموعةُ (دمُ الغزلانِ) يتجاوزُ الحكايةَ اليوميةَ ليقدّمَ سجلاً حيًّا لذاكرةِ الإنسانِ في علاقتهِ بمكانهِ، حيثُ المكانُ ليسَ جدارًا صامتًا ولا خلفيةً محايدةً، بل كائنٌ يُشاركُ في صناعةِ الحدثِ، ويفرضُ حضورهُ على الشخصياتِ. النَّبعُ مثلًا في قصةِ (ابنُ الماءِ) ليسَ مجرّدَ ماءٍ، بل يتحوّلُ إلى رحمٍ يحتضنُ البطلَ، ويعيدُ تشكيلَه من جديدٍ، يقولُ النص: (وقد أحبَّه الفلاحون وتعهّدوه بالطعامِ، فكانوا يرمونَ إليه – وهو راكسٌ في ماءِ النبعِ – شماريخَ الرطبِ وأقراصَ الخبزِ الأحمرِ). وكذلكَ السورُ في قصةِ (السورِ) ليسَ حجرًا صامتًا، بل خصمٌ يطاردُ الحلمَ ويكادُ يخنقهُ، يقولُ: (هذا السورُ كلّما رفعَ نظرَه إليه يبدو له تارةً كسكينٍ بيضاءَ حادةٍ تحزُّ رقبتهُ). هنا يصبحُ المكانُ ذا إرادةٍ، فيعلو صوتهُ أحيانًا حتى يطغى على صوتِ الشخصياتِ. البنيةُ السرديةُ تقومُ على لوحاتٍ طويلةِ النفسِ، مشاهدَ ممتدةٍ تتداخلُ فيها التفاصيلُ الحسيةُ حتى يبدو النصُّ لوحةً تشكيليةً أكثرَ منه وصفًا عابرًا. نرى ذلك في قصةِ (تغريدةُ خمري) حينَ يطيلُ الكاتبُ الوقوفَ عند الطيورِ في السوقِ، يقولُ النصُ: (كنتُ واقفًا في السوقِ أتأمّلُ المعروضَ من الطيرِ للبيعِ لعلي أحظى بشراءِ شيءٍ جميلٍ. أتأمّلُ أنواعَ الطيورِ كلّها وهي في أقفاصِها). هذا التطويلُ ليسَ إطالةً مجانيةً، بل هو طريقةٌ لإغراقِ القارئِ في الجوِّ المشهديِّ حتى يشعرَ أنّه يعيشُ اللحظةَ بعينِه وحواسهِ. وإلى جانبِ هذا التفصيلِ، هناك تقطيعٌ زمنيٌّ حرٌّ، يقفزُ من الحاضرِ إلى الماضي ومن الواقعِ إلى الحلمِ بسلاسةٍ، فيذوبُ الخطُّ الفاصلُ بينَ الزمنينِ. ويتجلّى هذا في انتقالِ السردِ من الطيورِ إلى ذكرى الحبيبةِ فجأةً، يقولُ النصُ: (لقد جرّني لونُ خدِّهِ وملاستهُ إلى رؤيةِ وجهها كلّهِ فجأةً.. حبيبتي التي باعها أبواها). كأنّ النصَّ يصرُّ على أنّ الزمنَ مَوجةٌ تتراجعُ وتعودُ، تُذكّرُ بأنَّ الذاكرةَ جزءٌ من لحظةِ العيشِ. أمّا اللغةُ، فهي مزيجٌ بين الفصحى الممشوقةِ والعاميةِ الدارجةِ، لا بوصفِها مجرّدَ تنويعٍ شكليٍّ، بل كحيلةٍ تمنحُ النصوصَ صدقًا ودفئًا. نلمحُ ذلك في الحوارِ الشعبيِّ في قصةِ (وطأةُ علي) يقولُ: (وش اللي يجيبك الليلة عند وطيةِ علي؟! ما تخافين الإمام يحضر ويشوفك معي؟). هنا تنكسرُ المسافةُ بينَ النصِّ والحياةِ، فيدخلُ القارئُ البيئةَ مباشرةً. وإلى جانبِ ذلك، اللغةُ كلّها مشبعةٌ بالحواسِ: روائحَ، أصواتًا، ألوانًا، ملمسًا. ويقولُ في نصٍّ آخر: (وفي النهارِ جِنٌّ ليسوا كجنِّ الليل، وبخورُ الليل ينتشرُ في فضاءِ شُقتي. سبقه بخورُ النهار). النصُّ إذن يفيضُ بما يمكنُ لمسهُ وسماعُه وشمهُ، كأنّه يريدُ أن يكونَ جسدًا محسوسًا لا مجرّد كلماتٍ على الورقِ. المجموعةُ القصصيةُ تتضمّنُ جملةً من الثيماتِ المركزيةِ التي تضيءُ جوانبَ متعددةً من التجربةِ الإنسانيةِ، منها: أوّلًا: الماءُ يظهرُ كرمزٍ للحياةِ والتحوّلِ، كما في قصةِ (ابنُ الماءِ) حيثُ يقولُ النص: (وكان يفقهُ أنّها تسبّحُ الله، وأنّها تصلي على سجادةٍ طاهرةٍ هي جلدُ ظهره). ثانياً: الجسدُ يحضُر بقوّةٍ، كما في قصةِ (السورِ) يقولُ النصُ: (وصورتُها وقد مدّت ساقيها البيضاوين الطويلتين، وهيأت قدميها للحناء). ثالثاً: السورُ والحواجزُ يتكرّرَانِ كرمزٍ للقمعِ والكبحِ، يقولُ النص: (لقد أقرَّ لها ولولديها، بأن السور قد ذبحه). رابعاً: الطقوسُ والقرابينُ تكشفُ علاقةَ الإنسانِ بموروثهِ، كما في قصةِ (وطأةُ علي) يقولُ النص: (دمُ القرابينِ الكثيفُ يسيلُ حتى ينالَ من بياضِ الماء). القوّةُ الأبرزُ في هذه النصوصِ تكمنُ في قدرتها على المزجِ بينَ الواقعيِّ والغرائبيِّ. مشهدُ الجذعِ في قصةِ (جذعٌ يطير) حينَ يقولُ: (فأحسستُ بالجذعِ خلفي، وابتدأ يمشي ورائي، واندسَّ بين ساقيَّ ويطيرُ بي).. ليسَ مجرّدَ فانتازيا، بل تعبيرٌ عن طاقةٍ مكبوتةٍ داخلَ الذاكرةِ الشعبيةِ. هنا تتحوّلُ الجماداتُ إلى كائناتٍ حيّةٍ، وتستعيدُ الأسطورةُ حضورها في تفاصيلِ اليوميِّ. كما أنّ التفاصيلَ المدهشةَ في المشاهدِ الصغيرةِ تجعلُ النصوصَ نابضةً بالحياةِ، فيشعرُ القارئُ أنّه يتابعُ مشهدًا حيًّا أكثرَ ممّا يقرأُ قصةً مكتوبةً. حتّى الشخصياتُ الثانويةُ، على وجازةِ حضورِها، تُرسمُ بحيويّةٍ تجعلها عالقةً في الذاكرةِ: (أم عين، كظّومي، وتفاحة)، أسماءٌ تتلألأُ سريعًا ثم تختفي، لكنها لا تُترَكُ بلا ملامحٍ. كأنّ النصَّ يرفضُ أن يُهمِّشَ أحدًا حتّى ولو كان عابرًا في السردِ. في النهايةِ، ما يميّزُ هذه المجموعةَ أنّها لا تتركُ القارئَ مطمئنًا في أرضٍ واضحةِ الحدودِ، بل تدفعهُ إلى التساؤلِ: •هل ما قرأناه واقعٌ صلبٌ، أم حلمٌ شعبيٌّ غرائبيٌّ؟. •أين ينتهي الواقعُ وأين تبدأُ الحكايةُ؟. هذا الالتباسُ هو جوهرُ متعةِ النصِّ، لأنّه يجعلُ القراءةَ نفسها مشاركةً في صناعةِ الحلمِ. إنّ (دم الغزلانِ) ليست مجموعةً قصصيةً وحسب، بل مرآةٌ حسيةٌ لذاكرةِ مكانٍ وإنسانٍ، وثيقةٌ تختلطُ فيها الرغبةُ بالفقدِ، والطبيعيُّ بالأسطوريِّ، والحلمُ بالجرحِ. قوّتها أنّها لا تكتفي بالتصويرِ، بل تنفذُ إلى الداخلِ، وتتركُ على القارئِ أثرًا يظلّ يترددُ في داخلهِ كصوتِ ماءٍ في بئرٍ قديمةٍ. وهذه القراءةُ ليست حكمًا، بل مشاركةً مني في متعةِ السيرِ في دروبِ (دمِ الغزلانِ)، حيثُ تمشي الحكايةُ إلى جوارِنا وتتركُ على قلوبِنا أثرًا ناعمًا كندى الصباحِ.