مسرح الطفل بين بناء الوعي الجمالي والفرجة السطحية.

هل ما يقدم بصفته مسرحاً موجهاً للطفل يرتقي إلى قدرات الطفل ويساهم في بناء وعي جمالي بما يقدم له من فن؟ أم أن ما يقدم هو نتيجة فهم ناقص لمسرح الطفل؟ هل لدينا أزمة نص أو رؤية حقيقة لمسرح الطفل الذي يجب أن يكون ذو أثر تربوي وجمالي؟ هل المؤثرات البصرية أساس أم مكمل في العرض المسرحي الموجه للطفل؟ العرض المسرحي الموجه للطفل يقوم على نص واعي ولغة مناسبة للطفل تخدم هذه العناصر الرؤية الإخراجية والتشكيل البصري التي يخدم النص المسرحي ولا يصبح بديلاً عنه. فلا تُعدُّ الإثارة البصرية في مسرح الطفل عنصرًا سلبيًا إذا هي من الوسائل المهمة لجذب انتباه الطفل وإثارة فضوله اتجاه ما يراه على خشبة المسرح. ولكن تكمن المشكلة في تحولها من عنصر بصري مساعد إلي هدف بصري دون نص محكم، فتُختزل التجربة المسرحية في سلسلة من المؤثرات البصرية والسمعية التي تطغى على النص والفكرة والبناء الدرامي الذي يجب أن يتوفر في النص المسرحي. عند ذلك يصبح العرض المسرحي قائمًا على الألوان الفاقعة دون مبرر درامي، والإضاءة المبهرة التي تجعل النظر إليها هدفاً، والمؤثرات الصوتية الصاخبة دون لغة موسيقية ذات هدف درامي، وحركات مبالغ بها، والرقصات والألعاب البهلوانية التي تشتت التركيز والتفاعل الإيجابي مع العرض المسرحي. ويتطور الوضع احياناً إلى تفاعلات سطحية كإلقاء الحلوى على الأطفال وكأن نجاح العرض المسرحي يقاس بكمية الضجيج والانفعال اللحظي لا بقيمة الأثر الذي يتركه في وعي الطفل أثناء وبعد مشاهدة العرض المسرحي. ويرتبط انتشار هذه الظاهرة بعدة عوامل متشعبه، ولكن أهمها الاعتقاد الشائع بأن الطفل لا يستجيب إلا للإبهار البصري المبالغ فيه وهذا تصور يتجاهل تماماً قدرة الطفل على التفاعل مع الحكاية المحكمة والشخصيات المقنعة والصراع الدرامي الجيد. كذلك يمكن أن يكون الاعتماد على المؤثرات أسهل وأقل كلفة فكرية من الاستثمار في كتابة نص متقن أو إخراج واعٍ، فضلًا عن التأثر بثقافة الإعلام الجماهيري ومنصات الفيديو السريعة التي رسخت نموذجًا قائمًا على الإثارة البصرية المتواصلة واستقطاب الانتباه الفوري دون أثر يمكن البناء عليه مستقبلاً. وتنعكس هذه الممارسات سلبًا على التكوين الجمالي للطفل، إذ يعتاد على تلقي كميات متلاحقة من المؤثرات البصرية العشوائية فيؤثر على قدراته في التذوق الفني الذي يبنى في ذهنه منذ الطفولة، وبالتالي تتراجع قدرته على الإنصات والتأمل ومتابعة البناء الدرامي، كذلك يفقد المسرح وظيفته التربوية والثقافية فيتحول من تجربة فنية متكاملة إلى مجرد فرجة عابرة تنتهي بانتهاء العرض على خشبة المسرح دون أن تترك أثرًا معرفيًا أو وجدانيًا مستدامًا. وتزداد خطورة هذه الظاهرة عندما تبرز مع غياب النص المسرحي الجيد وهيمنة الارتجال بمفهومه السطحي فهذه العناصر لا تعمل منفصلة، بل يعزز بعضها بعضًا لتنتج عروضًا مسرحية تفتقر إلى الهوية الفنية فلا هي تستند إلى مقومات المسرح الحقيقي ولا تقدم نموذجًا تفاعليًا مدروسًا، عند ذلك يتشكل متلقٍ سلبي يكتفي بالضحك والتصفيق والانفعال اللحظي، ثم يغادر دون أن يحمل في ذهنه فكرة أو سؤالًا أو تجربة جمالية. ومن هنا فإن استمرار هذا المسار لا يهدد جودة عروض مسرح الطفل فحسب، بل يهدد أيضًا دوره في بناء ذائقة جمالية ووعي ثقافي لدى الأجيال الناشئة. *ماجستير في الأدب المسرحي.