ثمن التطوير .

لم يكن سبب القلق الذي اجتاح الوسطاء العقاريين خلال الأيام الماضية هو مبدأ التطوير ذاته، فالتطوير مطلب لا يختلف عليه اثنان، ولا أحد يعترض على رفع كفاءة الممارسين أو تحديث البرامج التأهيلية بما يواكب تطور القطاع العقاري. لكن التطوير، حتى يحقق أهدافه، يحتاج إلى وضوح، واستقرار، وحسن إدارة للتغيير، لأن أي خلل في هذه الجوانب قد يحجب إيجابياته ويجعل المستفيد لا يرى إلا ما ترتب عليه من ارتباك. ولعل إعلان المعهد العقاري السعودي عن تحديث البرنامج التأهيلي المرتبط بالحصول على رخصة “فال” أثار حالةً من الإرباك لدى الوسطاء، خاصةً مع تزامنه مع إشكالات تقنية أوحت لكثير منهم بأن الدورات التي سبق لهم اجتيازها لم تعد محتسبة، وأن عليهم إعادة التسجيل فيها، وهو ما أثار موجة واسعة من التساؤلات والقلق. وزاد من ذلك غياب التوضيح الرسمي في الساعات الأولى، فانتشرت الاجتهادات، وتعددت التفسيرات، وأصبحت الردود الآلية عاجزة عن تبديد حالة الغموض التي صاحبت الحدث. ولو كان ما حدث مجرد خلل تقني، فإن الدرس المستفاد يبقى واحداً، وهو أن إدارة التغيير لا تقل أهمية عن التغيير نفسه. فالمستفيد لا يعنيه سبب الخلل بقدر ما يعنيه أن يجد جهة تبادر إلى التوضيح، وتحتوي الموقف قبل أن تتحول الشائعات والاجتهادات إلى مصدر للمعلومة. وقد سبق أن تناولت في مقالات عدة عدداً من التحديات التي تواجه الوسطاء العقاريين، وكان جوهرها أن الممارس أصبح يتحمل التزامات ورسوماً ومتطلبات متزايدة، في وقت يشعر فيه كثير من الوسطاء بأن دورهم المهني لم يحظَ بالتعزيز الذي كانوا يأملونه. ومن هنا فإن أي تطوير جديد ينبغي أن يرسخ لدى الممارسين الشعور بأن الهدف هو الارتقاء بالمهنة وتيسير ممارستها، لا زيادة الأعباء أو خلق حالة من عدم اليقين. ولا خلاف على أهمية التدريب والتأهيل، لكن من حق الممارس أن يطمئن إلى استقرار المتطلبات المهنية، وأن تكون آلية الانتقال إلى أي نظام جديد واضحة وعادلة، مع فترات انتقالية كافية، ورسائل توضيحية استباقية، حتى لا يفاجأ بتغييرات تثير لديه تساؤلات أكثر مما تقدم له إجابات. إن ثمن التطوير لا ينبغي أن يدفعه الممارس في صورة غموض أو ارتباك أو إجراءات متغيرة، وإنما تتحمله الجهات المعنية بالتخطيط الجيد، واختبار الأنظمة قبل إطلاقها، وإعداد خطط واضحة للتواصل مع المستفيدين، لأن نجاح أي تطوير لا يقاس بإطلاقه، بل بمدى سلاسة تطبيقه وقبول الممارسين له. فالتطوير الحقيقي هو الذي يرفع جودة المهنة، وييسر ممارسة العمل، ويعزز الثقة بين الجهة المنظمة والممارس. وعندما تتحقق هذه المعادلة، يصبح التطوير خطوة إلى الأمام، لا ثمناً يدفعه الممارسون قبل أن يلمسوا ثماره.