الحياةُ عالم مضطرب ومتوتِّر ومليء بالمصاعب، فكلَّما أراد الإنسانُ إيجاد حلول اصطدمَ بمشكلات أصعب وأكثر تعقيداً، حتى يصلَ مرحلة اليأس والنُّفور من وجودهِ ومعاشه، ليبتدئَ البحث عن عالم بديلٍ تختفي فيه المشكلاتُ وتنتهي منه المصائِب، وهي الفكرةُ الرئيسة التي تطرحها مجموعةُ “أهرب من ظلي” للقاص موسى أبو رياش. مشكلاتٌ لا تتوقف، ستغدو سببَ الهروب إلى عالمٍ خيالي بديل، تنمحي فيه الفواصلُ وتنزاح الطبقيَّات والمصاعب، حيث الواقعُ “كابوس” وصل إلى أحلامِ الإنسان ودمَّرها، ولا فرق هنا بينَ النوم واليقظَة، فالأحلام هي الأحلامُ والإنسان يراها كلَّ وقت (قصة انهيار): “بدأ الأمر بكابوس؛ إذ كنت أقف عند نافذة غرفتي، أراقب الحي الممتد أمامي من مكان مرتفع ... فجأة، ودون سابق إنذار، ودون أسباب ظاهرية، انهارت البناية المقابلة لنافذتي مباشرة ... فأسرعت دون هدى للمساعدة، فضرب رأسي بالباب، فاستيقظت من نومي”. الكابوسُ تكرَّر الليلة التالية بشكلٍ أعنف، فغدا مؤشراً على انهيار عالمِ الإنسان كما يعيشهُ ويمارسه، حيث يعتبر التكرارُ حالة من حالاتِ الرفض العقلي لكلِّ ما يرغب الإنسان في محوهِ من حياته، إذ ينبذُها ويقصيها ويستبدلها، وهيَ مهمَّة تؤديها المجموعة القصصيَّة، التي تقوم بهدمِ العالم الواقعي؛ كي تبني عالماً خياليًّا بديلاً: “في الليلة التالية، عاد الكابوس بشكل أعنف؛ فقد انهارت أمامي ثلاث بنايات”. يتواصلُ هدم البنايات فيتواصلُ الاضطراب والتوتُّر والنُّفور من الحياة، فقد أصبحَ الإنسان يعاني صعوباتٍ في منزله وعملهِ على حدٍّ سواء، إذ الكوابيسُ تأتيه وتحرمهُ النوم، هنا يشتري “منوماً” لعله يهدأُ أو يرتاح، لكنَّ الانهيارَ يستمر: “استيقظت قبيل الفجر فزعاً متألمًا لاصطدام رأسي بالباب، بعدما رأيت صفًّا كاملًا من البنايات ينهار أمامي”، ثم “في ليلة تالية رأيت الحي كله ينهار وما تلاه من غابات وجبال”. الكابوسُ يستمرُّ والاضطراب والتوتُّر يزداد، الحلُّ يتمثَّل في إبعاده عن النَّاس حتى لا تصِيبَهم العدوى، فالمرضُ النفسي كالجسدي يمكنُ أن ينتقل من شخصٍ لآخر؛ لذا فضَّل البقاء محبوساً في مستشفى الأمراضِ النفسيَّة؛ ما أثار تعجُّب الطبيب: “أنت حالة غريبة لم أصدفها من قبل، أنت أول مريض يقول أنا مريض، ولا أريد الخروج”. في (قصة مشوار) يتحوَّل الكابوس من النَّوم إلى اليقظَة؛ فالرجلُ المتقاعد والكبيرُ في السن، الذي يسكنُ الطابق الثالث، لا يستطيعُ الصعود والهبوطَ إلا بمشقَّة؛ لهذا خصَّص “ساعة” كلَّ أسبوع يخرجُ ويشتري ما يحتَاج: “تبقت ساعة كاملة حتى يحين موعد خروجه الأسبوعي، وهي كافية لأن يجهز نفسه ويرتدي ملابسه. هو موعده الأسبوعي المنتظم منذ سنوات ... يذهب إلى أقرب مركز تجاري إلى بيته، ويشتري ما ينقصه ... وقد يلتقي بعض مجايليه فيسلّم عليهم”. أتمَّ استعداداته وهبطَ الدرج بتمهُّل “من ارتفاع طابقين؛ ست وثلاثين درجة، يحفظها جيدًا ويعرف ما فيها من كسور أو تآكل أو اعوجاج”، وحينَ وصل بسلامٍ إلى المدخل، “تذكر المدفأة الكهربائية في غرفة نومه”، حيثُ احتار هل أطفأَها أم لا؟ هُنا “آثر أن يقطع الشك باليقين، تنهد بعمق وحوقل، وعاد على أعقابه في رحلة صعود الدرج”؛ ليجدَ “المدفأة مطفأة”، فجلسَ ليسترِيح “وأخرج قائمة المشتريات من جيبه ونظر فيها متأملًا، ثم خاطب نفسه بصوت مسموع: ... الحمد لله لست بحاجة ماسة إلى أي شيء، فلا داعي للخروج هذا الأسبوع”؛ ليعودَ إلى عزلته. في (قصة معركة خاسرة) تتحوَّل الحياة بكاملِها إلى كابوس، فمنذُ دخوله إلى الحياةِ لم يجد غيرَ المعاناة، فأمُّه ولدته “ثم ماتتْ بحُمّى النّفاس”، وحين تزوَّج والده أخذت زوجته تعاملهُ “كحشرة مؤذية لا لزوم لها في البيت”، ولمَّا بلغ الرابعةَ توفي والده فرمتهُ “عند الجيران، وعادت إلى أهلها مع طفليها”؛ ليتمَّ إيداعه “دار أيتام”، حيثُ تعرَّض “لأبشع أنواع المعاملة والتحرش والاستغلال والتنمر”، ولمَّا وصل “سن البلوغ القانونية” زوَّدته الدار “بكتاب إلى صاحب منجرة” كي يعملَ عنده. استبشرَ خيراً من تعاطُف صاحب المنجرة، الذي عرضَ عليه “غرفة صغيرة فوق المنجرة” يقيمُ فيها، وأن يشاركهُ “الطعام الذي يأكله”، كما سيحتفظُ بأجرته “أمانة عنده” إلى أن يطلبَها، “وبعد خمس سنوات من الجهد والكد والإخلاص في العمل”، قرَّر الاستقلال وافتتاحَ منجرة خاصَّة به، فطلبَ أجرته ليبتسمَ المعلم ويرجِئَه “ثلاثة أيام، ريثما يجهز الحسابات”؛ لتكونَ النتيجة “مبلغًا تافهًا” لا يكفِي “طعامًا لشهر واحد”. صُدم وشعر “بالعجز والفراغ والضياع”؛ لذا قرَّر البقاء حتى يجدَ عملاً آخر، لكنَّ الحياةَ لم تمهله، فبعدَ منتصف الليل بقليلٍ استيقظ “على ألسنة النار تلتهم المنجرة”، فحاولَ النجاة إلا أنه أُغشِي عليه ولم يعُد إلى وعيه إلا “في المستشفى، في حالة خطرة، والحروق قد التهمتْ مساحة واسعة من جسمـ”ـه، حيث تمَّ تقييده وتوجيه الاتهامِ له بـ”محاولة انتقام وانتحار”؛ لتكونَ النتيجة اليأسَ والسعي للهربِ والاختفاء “لا رغبة لي بمواصلة العيش”. تهدفُ قصص المجموعة إلى وصفِ صعوبة التكيُّف مع المتغيِّرات، ففي قِصَّة “انهيار” يكونُ الاختباء وعدمُ المواجهة هوَ الحل، وفي قِصَّة “مشوار” الحلُّ يتمثَّل بإلغاء الخروج طالما الحاجةُ ليست ماسَّة، أما قِصَّة “معركة خاسرة” فتبلغُ المأساة ذِروتها، حينَ يتمنى الموتَ والاختفاء من كابوسِ الحياة. 22 يوليو 2026م