الاقتصاد الثقافي في ضوء الرؤية .. بناء الإنسان والمكان.
يعد الاقتصاد الثقافي أحد المفاهيم الجديدة التي تبنتها الدول الحضارية التي آمنت بقيمة الثقافة كمكوّن إنساني حضاري عميق يعمل على تجويد العملية التنموية ويحفظ استدامتها. لذا جاءت رؤية ٢٠٣٠ المضيئة لتجعل من هذا المفهوم واقعاً في عدد من المجالات الحيوية، سعياً للوصول بالمجتمع الحيوي والاقتصاد المزدهر إلى أقصى التطلعات. فالتنمية في مفهومها العميق والدقيق هي عملية حضارية تتظافر فيها العناصر المادية والثقافية لبناء الإنسان وتجويد المكان، فإذا كانت التمظهرات الاقتصادية والاستثمارية هي واجهة التنمية فإن الثقافة هي البُنية التحتية لهذه التنمية، فهي التي تُنتج المعارف والاستراتيجيات والأفكار وهي التي تُمكّن إنسان التنمية من أدواته المهارية والمعرفية وهي التي تحفظ استدامتها عبر منظومة مجتمعية ثقافية مشتركة كمجتمع حضاري عريق، بعكس المجتمعات البرجماتية الآيلة للتصدعات في ظل غياب منظومة اجتماعية ثقافية متينة. لذا يجيء مفهوم الاقتصاد الثقافي لتقوية الذراع الثقافية الوطنية و ذلك بتحويل القطاع الثقافي من قطاع رعوي مدعوم إلى مُنتج قادر على النمو بذاته في كثير من المجالات، وقد تجلّت نجاعة هذا التوجه في عدد من القطاعات كالتراث والمسرح والفنون والصناعات المحلية بحسب المقوّمات الطبيعية لكل منطقة. وفي منطقة الجوف على سبيل المثال ثمة سياحة تراثية قادمة بقوة نظراً لكونها من أعرق المناطق التراثية في العالم وأقدمها، بالإضافة إلى المنتجات التجميلية والصحية للزيتون، و منسوجات السدو وغير ذلك. أعتقد أن العمل على تعميق وتجويد هذه المسارات سيساهم بشكل كبير في جانبين، الأول اقتصادي، والثاني ثقافي مجتمعي داخلي وآخر خارجي، بمعنى التثقيف المحلي أي زيادة الوعي بالإرث الثقافي الوطني، وخارجي عبر عملية المثاقفة أي التبادل والتأثير الثقافي والمعرفي والفكري، فلم تعد الثقافة قوة ناعمة بل قوة مُحرّكة وضاربة وعابرة للجغرافيا والديمغرافيا. ولعكم تذكرون ما طرحه هانتنغتون المنظّر السياسي الشهير من أن الصراعات كلها في حقيقتها هي صراعات ثقافية لفرض هيمنة ثقافة على أخرى. واليوم في ضوء رؤية ٢٠٣٠ المضيئة نشهد بشكل جلي الاعتناء بالمكونات الثقافية الوطنية لغةً وفكرًا وأدبًا و تراثًا، ولعل السياسة الوطنية للغة العربية بما احتوته من تعزيز لحضور اللغة العربية ليس باعتبارها لغة تواصل فحسب بل وعاءً ثقافيًّا وطنيًّا قوميًّا حضاريًّا عريقًا وعميقا، وكذلك إنشاء المعهد الملكي للدراسات الأنثروبولوجية وقبل ذلك الاحتفاء بيوم التأسيس بما يحمل من زخم تاريخي حضاري استراتيجي لهذه البلاد العريقة، وبالإضافة إلى العمل على تحفيز المكونات الثقافية الوطنية عبر تعزيز الاقتصاد الثقافي بالعديد من المبادرات المثمرة، ولعل مؤتمر الاستثمار الثقافي الدولي الذي رعاه عرّاب الرؤية ولي العهد حفظه الله تحت عنوان (من ثقافتنا نبني اقتصادنا) أضخم خطوة نوعية وذات أثر وامتداد في هذا المجال. وفي معرض الرياض الدولي للكتاب العام الماضي أسعدني وجود جناح ممتد لعدد من أصحاب المبادرات والمشاريع الثقافية في مجال الترجمة والأبحاث والتأليف والمسرح تحت عنوان (صُنّاع الثقافة) ، فلم تعد الثقافة حبيسة كتب و جدران و أروقة خاصة بل هي أذرع و معارف وأفكار ومهارات نشطة لتنمية الإنسان وتحسين أدواته بشكل مستمر. أعتقد أن العديد من الجهات الاقتصادية ستعمل على تعزيز الثقافة الوطنية إما بتحويلها إلى منتجات ثقافية مُنتجة أو بدعمها تعزيزًا للنمو الثقافي المجتمعي الذي ينعكس بدوره على الحراك التنموي. ولعلّي أختم بمقولة المفكر الأمريكي (ألفين توفلر) فهي من وجهة نظري حجر الزاوية في علاقة الثقافة بالاقتصاد، يقول توفلر : الثقافة تحدد عادات الناس في العمل والإنفاق، والاقتصاد يوفر الموارد لبناء هذه الثقافة. * كاتبة وشاعرة منطقة الجوف