«عبد الوهاب المسيري» في كتابه «رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمر»..
رحلة التحول من الإيمان بالمادي إلى أفق الروح .
إنه من الممتع قراءة أفكار الموتى! لعل هذا أكثر ما يعجبني: الغوص في ذهن رأس ميت، قضى نحبه ودفن منذ بضعة سنوات أو أكثر، وبرغم ذلك، برغم انقضاء أجله وفناء عمره وذوبان جسده، وبرغم اختفاء كل أثر أو رائحة أو وجود مادي له من فضاء هذا العالم، إلا أنه يعيش حقاً بيننا ويتنفس أكثر قليلاً من الأحياء الذين لا زالت لهم قلوب نابضة في صدورهم! وهكذا تفعل معجزة الكتابة! وهذا الكتاب هنا هو سيرة غير ذاتية، غير موضوعية كما أصرّ وأكّد لعشرات المرات صاحبها في أسطرها، وصاحبها هو المفكر الكبير ذائع الصيت عبد الوهاب المسيري، وأنا هنا بدأت الكتاب وبي بعض الفضول لأتعرف عن قرب على طريقة تفكير هؤلاء المثقفين المتبحرين في علومهم، ثم وجدتني دون أن أدري وقد سُحبت إلى آلاف الذكريات والمواقف والأفكار الصغيرة والكبيرة، عبد الوهاب المسيري ظلّ طوال حياته تتآكله رغبة في الكتابة بشمولية واسعة وتفصيل دقيق في موضوع ما، ولعل الله سخّر له هذا العقل المفكر كي يكتب لنا أهم موسوعة تحدثت عن الصهيونية في العصر الحديث. دمنهور: نداء الجذور وحنين الذكريات من جديد تعود إليّ دمنهور بشكل أو بآخر، تبرز لي وتطل برأسها محيية في مرحلة ما من مراحل عمري، أراها كثيراً في كتابات الأدباء وأراها اليوم في رحلة عبد الوهاب المسيري الفكرية، منها يبدأ شارحاً أصل تسميتها وأنه قد يكون (دم نهور) لأن الدماء سالت فيها أنهاراً ذات معارك حربية عتيقة! يتحدث عبد الوهاب المسيري عن حقول الطماطم والخس التي كان يحاذيها في أثناء مسيرته إلى المدرسة جيئة وذهاباً، فيتبدى لي على الفور منظر سماء دمنهور الممتدة وحتى الأفق، ودار الأوبرا والأشجار وحوض المياه في أثناء طريقي للمدرسة الثانوية في دمنهور، حيث عشت لسنة واحدة كاملة قبل أن أتركها للأبد وحتى اليوم. سعيدة جداً لقراءتي حديثه المستفيض عن دمنهور بدءاً من سبب تسميتها بهذا الاسم، وحتى بالحديث عن عادات أهلها ولباسهم وتقاليدهم ومآدب أفراحهم وسرادق أحزانهم، ويوم العمل ويوم الإجازة، وتمازج الطب الحديث بالشعبي بين بيوتها، ووقت العصرية وكيف يُقضى، سعيدة لأنني أكتشف جزءاً نابضاً من قلبي، مدفوناً ربما، لكنه حي وموجود قطعاً، ينبض بحب دمنهور ويعلن بحماسة انتمائي لها ووفائي لذكراها، كنا أطفالاً ونحن نقضي فيها ما بين الشهر والشهرين في الإجازات الصيفية حيث بيتنا القديم الأول وبيت جدتي يواجهه تماماً، وحيث صخب العائلات وحنان الخالات وفرحة اجتماعي ببناتهن، وجميع مغامراتنا مع أخويّ فوق سطح بيتنا وكنت لسبب أجهله أنفر من جلسات البنات وأعشق ألعاب الصبيان، وجميع جلساتي في شرفة بيتنا وحيدة يؤنسني كوب شاي وكلمات رواية، أثملُ حقيقة لا مجازاً بها، أحببت من قلبي بيتنا في دمنهور، كان فسيحاً تضيء الشمس كل ركن وزاوية منه، له شرفتان ونوافذ واسعة ويطل على أحد شوارع دمنهور الرئيسية التي لم تكن تخلو من المارة والعربات. أذكر أنني وجدت ذات هذا الدفء والجو في روايات عجوزي المفضل رفعت إسماعيل، تحديداً كوب الشاي و»البلكونة» وثمالة الأحلام التي لا تنتهي، أحب أنني واحدة من أهالي دمنهور الذين يتحدث عنهم عبد الوهاب المسيري، حتى وإن جئت متأخرة، ومن كوكبة الحداثة التي لم تكن تروق له، يذكرني الأمر بذات إحساس الانتماء والوفاء والذي شعرته مع عزيز ضياء وهو يتحدث عن طفولة المدينة المنورة وشوارعها وأزقتها وتاريخها في النضال وأسماء الأحياء والكلمات التي تتميز بها لهجة أهل الحجاز، غريب كيف أنه ممزقة أنا بين كل زوايا الوطن العربي، ينبض لي قلب هنا وتحيا لي روح هناك! الهشاشة الإنسانية ووهج الشغف «إنه لا يوجد مرض، بل يوجد مرضى». كان عبد الوهاب المسيري يفاخر بكون الأمراض عرضاً بعيداً دوماً عنه، وظل منكباً على موسوعته ربع قرن من الزمان، من ثلاثيناته وحتى الخمسينات، هذه الموسوعية التي وسمت عبد الوهاب المسيري كأحد أكثر أسماء المفكرين لامعية وتأثيراً في وطننا العربي الإسلامي، موسوعة الصهيونية ونشأتها الواقعة في ثمانية مجلدات، وفور انتهاء العمل عليها بدأت الأمراض تدب في جسده، وكأنها تذكرت فجأة أن هذا جسد من لحم ودم وكتلة أعصاب وأوعية يمكن للأمراض أن تسرح وتمرح فيها، فجأة عرف عبد الوهاب المسيري طعم المرض وحيرة الأطباء ومذاق التخدير وأضواء غرف العمليات الزرقاء الباهتة! «لا يوجد مرض بل يوجد مرضى»، هي عبارة قالها له صديق، أي أنه لا يوجد قوالب جاهزة للمرض وأسباب معينة له، بل يوجد فقط مرضى وتختلف استجابة كل منهم للمرض نفسه، ما حيّرني هو أيهم الصحيح: هل الجسد المتين هو الذي تداعى فجأة، أم أن العمل والشغف به والإخلاص له هو الذي كان يؤخر المرض ويتجاهل أعراضه عامداً؟! داء التأمل ورحلة الروح أما الحيرة بين الأحزاب وأفكارها المختلفة والانتقال بين أحدها والآخر فهو أمر رأيته من دكتور غازي القصيبي ومع المفكر أحمد أمين بل وحتى مع الدكتور مصطفى محمود، بذات والثورة والاضطرابات، وكلها تنتهي النهاية نفسها، وهي الوعي والإدراك بكم التخبط والنفاق والنرجسية والازدواجية وإفساد المعايير في أغلب هذه الأحزاب إن لم يكن جميعها، وأن دين الإسلام ونهجه القويم هو المتانة والبساطة ذاتها، وأن الاستقامة عليه تهدي نوراً في الفكر واطمئناناً في القلب لا يهدي إليهما غيره، ولعل ثمرة هذا التنازع والتشتت الوحيدة في نظري هي الثبات من بعدها على الصراط المستقيم والاستماتة في الدفاع عن دين الله والانتفاضة في شرح أصوله وأسسه للأجيال التي سوف تأتي من بعد، علّها لا ينازعها هذا التشتت طويلاً. في كل المذكرات الذاتية، أو غير الذاتية كما يصر عبد الوهاب المسيري، يروعني مدى انشغال أصحابها بالثقافة والعلوم والنهل من معينها وحرصهم وعطشهم على الارتواء بأكبر قدر منها خلال سنوات شبابهم، من الكتب والقصائد والتاريخ إلى المسارح والسينما والمقاهي التي تدور النقاشات الثقافية فيها مع حلقات الدخان حتى تبلغ السقف، إصرار دؤوب على التعلم مهما كان الثمن، وأعجبتني هذه المرة كيف رافقت زوجة عبد الوهاب المسيري زوجها في كل خطوات هذه الرحلة الثقافية الشاقة والشيقة، وكيف حصل على الدكتوراه ثم تبعته هي، وكيف كانا يسكنان ذات الغرف الضيقة زهيدة الثمن ويرتادان دور السينما ويجوبان شوارع نيويورك طولاً وعرضاً، ولم يمنعها حملها في ابنتهما نور من تفويت أي من هذه المتع. من الشك إلى الإيمان: الاستخلاف الإلهي «كائن أقدامه مغروسة في الوحل، وعيونه شاخصة إلى النجوم» يشرح دكتور عبد الوهاب المسيري بالتفصيل كيف بدأ يتحرر من شرنقة الشك الخانقة ويتغلغل في وجدانه أكثر فأكثر مفهوم الإنسان باعتباره كائناً استخلفه الله في الأرض، وأوجده فيها لعمارتها، وكيف أنه في شتى الأنحاء متى ما أنكر هذا الوجود، هذه الحقيقة، هذا الشطر الروحي الجوهري منه صار تعيساً تائهاً تتقلبه أمواج الحياة ورياحها دون أن تستقر قدمه على أرض صلبة، «كائن أقدامه مغروسة في الوحل، وعيونه شاخصة إلى النجوم»، لا يقنع ولا يهدأ ولا يرحمه الليل والتساؤل والحيرة التي تمزقه إرباً، هكذا هو طالما بعد عن مصدر الروح منه، وقد ساعده في الاهتداء إلى هذا الاستنتاج ميلاد ابنته نور، وكيف ذهل لمشاعر الأبوة التي عصفت به وهو يراقب هذا الكائن الوديع ذو العينين المتسعتين ويغرق حتى أذنيه في حبه، ساعده تحول زوجته وزميلته من امرأة عاملة عاشقة للعلم والسينما إلى كائن أمومي هش يحتضن وليده بين ذراعيه وتفيض عيناها لأجله وتهجر الدنيا بأسرها في سبيل ضحكة واحدة من ثغره! ذكرني هذا الجزء بمذكرات دكتور مصطفى محمود الأكثر من رائعة «رحلتي من الشك إلى الإيمان»، كلهم تقريباً يمر بالمراحل ذاتها وينتهي إلى المحطة ذاتها، وهذا بديهي فالروح تجنح إلى بارئها، هذه البذرة التي نُخلق بها تهفو إلى خالقها. النموذج الأمريكي: زيف الحرية وتفكك الفطرة «مرفأ في عالم بلا قلب» من أكثر الأمور المثيرة للاهتمام التي تحدث عنها عبد الوهاب المسيري هي الإنسان الأمريكي ومدى عطب كل مثله ولا أخلاقيات أخلاقه وتفاهة جدواه التي أمضى عقوداً يثرثر بها ويملأ الدنيا صخباً بأهميتها، وكيف أن حريته هي في حقيقتها قيد، فحين يقبل كل ما يباع له من إعلانات وأخلاقيات معلبة جاهزة في كبسولات ليطالعها فهو في الحقيقة مأسور وليس حراً، وحين يرتدي كل ثيابه تماماً حسب «الموضة» فهو في الحقيقة في سجن، فذوقه وتفكيره وألوان ملابسه تُملى عليه إملاءً! ويشرح عبد الوهاب المسيري بتفصيل شديد يتخلل قصصاً ومواقف لا حصر لها رحلة تحوله من الإيمان المطلق بالماديات فحسب إلى رحابة الإنسانية وأفق الروح الواسع، وكان أول ما أثبت له حتمية اتصال ثنائية الروح والمادة هو أنه كم تبدو الأمور كلها مجردة، قاحلة، فقيرة جداً دون جوهر الروح منها، وكيف يستحيل الناس وحوشاً إذا هم نظروا لأقرانهم من البشر من منظور مادي بحت فقط، فالخوف والحنين والرقة والحزن والتوق، جميعها أمور حية تماماً موجودة فعلاً مثلها مثل الدموع التي تنهمر على الوجنتين إثرها، مثلها مثل الأعصاب والدماء والأعضاء والقدم التي بها تمشي واليد التي بها تكتب، لا تفرق عنهم شيئاً، ولله در هذا الإنسان كم هو وحيد بائس حين يعتمد على عقله فقط ويترك أكثر الغيبيات! لكن هذه الرحلة طالت كثيراً مع عبد الوهاب المسيري وقضمتْ ربع قرن من عمره! خمسة وعشرون عاماً يسأل ويبحث ويتحير ويلتهم الشك روحه، حتى انتهى به الأمر أن كفر بالعالم المادي المطلق الذي يقدس الجسد الفاني ويهمل الروح الخالدة، وحتى وقف يستمع لأذان الفجر يهزّه لأول مرة من الأعماق هزّاً! وآمن أن الثابت الوحيد في العالم هو خالقه جل جلاله وما عداه ممكن أن يتغير ويتحول وأن الإنسان أبداً لن يحيط بكل شيء علماً وأنه مثل النحوي الذي قضى حياته يفتش عن معنى كلمة واحدة ثم مات وهو يقول كلمته الأخيرة «أموت وفي نفسي شيء من حتى». ومثل خيوط صغيرة تشكل نسيجاً متماسكاً، ومثل قطع أحجية تستقر في موضعها الصحيح، كانت كل هذه الطرق والتساؤلات هداية لصاحبها، وفيما بعد ساعدته أيما مساعدة في وضع موسوعته التي تحدث فيها عن الصهيونية ودقائق نشأتها وعن موقف أمريكا منها التي تتباهى بعلمانيتها ثم تدعم هذا الكيان استناداً لأساطير خزعبلية ادّعى فيها أن الأرض موعودة له! ولله سبحانه الحكمة من قبل ومن بعد. «أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض» هو شعار الصهيونية الذي باتت اليوم تحرص على إخفائه، ويعني أن فلسطين هي أرض لا سكان فيها، وأنها هي أرض اليهود الذين لا أرض لهم! انظر كيف كانت نظرتهم لأرض فلسطين وشعبها الطيب منذ البداية، «أرض بلا شعب» وكأنهم هواء، لا وجود لهم، أو لا أهمية لوجودهم! وكلما قرأت عن منشأ الصهيونية ازددت احتقاراً وبغضاً لها، تخيل أنه عندما كان عبد الوهاب المسيري طالباً جامعياً شاباً، أي في ستينات القرن الماضي، لم تكن الصهيونية معروفة عالمياً إلا أنها بضع عصابات متفرقة ويمكن للعرب التخلص منها في أي وقت وبكل الطرق! وكان بني صهيون يؤكدون للجميع أنهم لا يريدون الاستيلاء على فلسطين لا سمح الله، بل هدفهم فقط إنشاء وطن بديل لليهود بعد الشتات الذي أصابهم! ومن الطريف أنك كنت إذا أردت أن تتحدث عنها بسوء فيجب ألا تذكر اسمها صراحة بل تقول الدولة «المزعومة»، ذكرني الأمر بفولدمورت الساحر الشرير في هاري بوتر، «الشخص الذي لا يجب ذكر اسمه» كما كان السحرة المذعورون يهمسون، فالخوف منه حتى بعد أن سقط واختفى كان يمنعهم من ذكر اسمه صراحة، ثم يأتي دمبلدور ساحر الحق والقوة ويعلم هاري أنه لا بد أن ينطق باسمه بداية إذا أراد مجرد التفكير في هزيمته، وأن الأساطير التي تُحاك حول الطغاة هي ما يشجع طغيانهم! نفي الأسطورة وحتمية تفكيك الكيان «لهذا، وبرغم إحساسي الغامر بخطورة الغزوة الصهيونية (بحُسبانها تعبيراً أخيراً وحادّاً عن الغزوة الحضارية والعسكرية الغربية)، وبرغم إيماني العميق بضرورة التصدي لها، فقد عرفت منذ البداية أيضاً أن اليهود ليسوا عباقرة أو شياطين، وإنما بشر يمكن الحديث معهم، ويمكن إراقة دمهم، وأن عوامل القوة والضعف والحياة والموت كامنة في هذا الكيان الضخم، وأنه من الممكن التحدث عن لحظة سقوطه، ومن الممكن أيضاً مناقشة الآليات التي تؤدي إلى ذلك». ويتحدث المسيري باستفاضة كيف أن الصهيونية هي كيان شأنه شأن كل الكيانات الأخرى التي تنشأ وتحاول أن تبني حضارة لنفسها، بمعنى أنها ليست شيئاً خارقاً عن المعتاد، وأن الشطط في إثبات شرها الخالص أو تصويرها وكأنها أحد الأبالسة لهو شيء يخدم الصهيونية ويقدم لها الدعاية بالمجان ويجعلها مارداً مخيفاً في أعين العرب! بل إن كل محاولات التهديد التي وصلته كانت في نظره غير متفردة بل وسيلة تستخدمها أي دولة ضد من يعاديها، وهو منظور جديد بالنسبة لي تماماً، الأساطير مجدداً التي تُبنى حول الأعداء تجعل منهم شيئاً خارقاً يصعب المساس به، في حين أنك لو نظرت إليه على حقيقته: أناس يحاولون إنشاء دولة على أرض ليست لهم وعلى حساب أهل هذه الأرض، فأنت وقتها فقط تستطيع تقييم الموقف بحكمة. «ولكن الأدهى والأمر، أن هذا النموذج لا يفيد كثيراً من الناحية العملية. فابتداءً يرى أصحابه أن الصهيونية، ومن ثم عداءنا لإسرائيل، مصدره هو نزعة اليهود الشيطانية. واستناداً إلى هذه الرؤية المخيفة، قد ينجح نموذج المؤامرة في مراحله الأولى في تخويف الجماهير وتوليد العداء للعدو الصهيوني، بل وفي تجنيدها ضده. إن مثل هذه الرؤية تحول اليهود إلى عباقرة وشياطين، أي قوة عجائبية. فأما إن كانوا شياطين فنحن لا نملك إلا الاستعاذة بالله أو الفرار أو الاستسلام، وأما إن كانوا شعباً من العباقرة، يدهم الخفية متحكمة في العالم بأسره، فبطبيعة الحال لا قِبَل لنا بالحرب ضدهم، فهذا، يقيناً، فوق طاقة البشر، أليس كذلك؟” وفي إحدى محاضراته، صرخ أحدهم: «إن حربنا ضد اليهود إلى قيام الساعة»، فانتظر المسيري أن يهدأ تصفيق القاعة ليُعقّب بهدوء: «إِن هذا القول يعني أن قيام دولة إسرائيل جزء من مخطط إلهي، وأن انتصاراتها علينا (أمر مكتوب) علينا تقبله إلى أن تحين الساعة!». وفي مناسبة أخرى ذكر أحدهم أمامه أن اليهود قتلة الأنبياء، فقال المسيري نعم لكن الصهاينة اليوم لم يقتلو أي نبي لسبب واحد بسيط هو أنه لا يوجد أنبياء اليوم! ما أراد المسيري بشدة أن يوصله هو أن اعتبار قيام إسرائيل جزءاً من مخطط كبير ومن مؤامرة أكبر، وأن أصابع اليهود تلعب في الخفاء على كل الحبال، وأنها امتداد لليهودية القديمة الضاربة في التاريخ، هو أمر في الواقع يدعو للاستسلام! في المقابل يجب أن ننظر إلى الصهيونية على حقيقتها: وهي أنها حركة إمبريالية غربية نشأت في القرن التاسع عشر في أحضان الحضارة الغربية لتنفيذ مصالحها في الشرق، ولولا دعمها لأصبحت الصهيونية مجرد شعارات، وعلى هذا الأساس يمكن تمحيص الخطط الصهيونية ودراستها وتفكيكها ومن ثم إعداد مخطط مناهض لها. ظاهرة التنصيص والمواجهة الفكرية كما تحدث عن ظاهرة التنصيص، أي أخذ كل ادعاءات اليهود والتعامل معها على أنها حقائق! فعلى سبيل المثال، حينما صرح أحد الصهاينة عام ١٩٨٣ بأنه سيتم توطين مليون يهودي في الضفة الغربية قبل نهاية القرن الحالي، ارتجف الجميع واقتبسوا هذا القول بموضوعية متلقية بلهاء، دون أن يخضعوه للاختبار، ودون أن يسألوا بعض الأسئلة البدهية: من أين سيأتي هذا الصهيوني بكل هؤلاء المستوطنين؟ وبحلول عام ١٩٨٨ كان عدد المستوطنين لا يزال لا يتجاوز ١٣٠ ألفاً. ولم تكن الموسوعة هي السلاح الوحيد الذي استخدمه المسيري ضد الصهيونية، بل كان يخوض حرباً معهم أسماها حرباً فكرية هادئة، لكنها كانت تسبب لهم ألماً شديداً، لأنها تنخس بإصبعها جروحاً متقيحة في الجدار الصهيوني، مثل أنه كان يحاضر في أمريكا ويقول: «كنت أشير إلى علمنة يهود الولايات المتحدة وانصرافهم عن الشعائر اليهودية، فقلت أنه إذا أتى أحد حاخامات اليهود من القرن التاسع عشر معنا، فإنه سيجد فيّ أنا المسلم صفات يهودية أكثر مما يجد فيهم! فأنا على الأقل مؤمن بالله وباليوم الآخر وهو الأمر الذي لا ينطبق على غالبية يهود أمريكا الساحقة». أسطورة بيع الأرض والتشابه النازي الصهيوني ويتحدث المسيري عن مسألة «الفلسطيني باع أرضه» وكيف أنها إشاعات من تدبير الصهاينة، وكيف أنه لم يصدقها قط نظراً لأنه يعرف أن الفلاح لا يبيع أرضه أبداً ولا يخرج منها إلا مجبراً مضطراً، وأسرح وأنا أتذكر عدد المرات التي سمعت فيها هذه العبارة، كان الغيظ والغضب يحتدمان في صدري فور سماعها، كنت متأكدة أنها أكاذيب ويذهلني أن أسمع إنساناً بالغاً عاقلاً يرددها حقيقة! اليوم بعد كل هذه المجازر نعرف جميعاً ما يحدث للفلسطيني الذي يمتلك ذراعاً من أرض فلسطين، وأسأل نفسي أكانت لزاماً كل هذه الدماء حتى نصدق أخيراً؟! كما أنه يشير إلى مدى التشابه الكبير بين النازية والصهيونية، هتلر الذي اتخذته الصهيونية غطاء لها ومبرراً لأفعالها ما هو في الواقع إلا الفكر ذاته الذي تتبعه الصهيونية وبكل حذافيره! فكما آمن هتلر بتفوق العرق الآري ومن ثم احتقر كل الأعراق الأخرى واستحلّ دماءها، فهذا بالضبط ما تفعله الصهيونية باعتبار تفوق اليهود وحق دولتهم في البقاء الذي لا يمكن بحال أن تقف في وجهه أية أعراق أخرى! كما تحدث عن أنه كيف في الحضارتين هناك عقلانية في الوسائل والإجراءات ولا عقلانية في الهدف، وهو تشابه بدأ يظهر بشدة مؤخراً بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي، وكأن العالم فجأة تنبه له وذهل من المفارقة! وبالطبع عرض في حديثه للإشارة إلى المذابح التي تزعم الصهيونية أن هتلر أقامها في حق اليهود، بينما كل المصادر التاريخية تؤكد أن الاضطهاد كان موجهاً للمجر والروس وفئات كثيرة ممن رأتهم الدولة النازية أعداء لها، ولم تقتصر الإبادة قط على اليهود فقط، وهذا بالطبع ينافي كل ادعاءاتهم التي أصابونا بالصداع بسببها. أطفال الحجارة وبذور الفناء الداخلي«أطفال الحجارة» «إن كل ما ينغص على المستوطنين حياتهم هو في نهاية الأمر إحباط للمخطط الصهيوني» في طفولة المسيري في دمنهور، اعتاد الأطفال إلقاء الحجارة على جنود الإنجليز، لم يكن الحجر ليؤذيهم بأي حال من الأحوال، ولكن مجرد محاولة إزعاجهم كانت جديرة بالمخاطرة، كما أن الحجر سلاح محلي، لا يُستورد من الخارج ولا يتطلب تدريباً، «إن هدموا بيتك فسينهار حجارة، خذ الحجارة وقاتل من جديد»، هكذا عاش أطفال فلسطين لعشرات السنوات حقيقة، والمذهل أن المسيري أخذ يرصد الاجتماعات التي أقيمت عند المجتمع الصهيوني، والجرائد التي كتبت، والمقالات التي رُصدت فقط من أجل هذه الحجارة، كم سببت لهم إزعاجاً وضيقاً بل وخوفاً! هكذا يخبرك المسيري بكل منطقية وبدون غضبات كبرى أو انفعال كيف أن الصهيونية عدو يمكن قهره إذا أراد العرب. ومن الطرق التي فاجأتني بشدة والتي تحدث عنها المسيري كأحد أساليب الصهيونية في «تنويم» العرب هي إغراقهم في وسائل الرفاهية من خلال الأسواق والبنوك والسلع الاستهلاكية، وهو نفس الأسلوب الذي تتبعه لإرضاء المستوطنين داخلها وإغرائهم بالسكنى فيها، حتى أطلق عليهم المفكرون لقب «مستوطنو التكييفات أو مستوطنو سوبر لوكس»!، مما يعني أن الصهيونية تحمل بذور فنائها بداخلها، وكيف أن العصابات الصهيونية القديمة كانت تدفع الدم والمال، أما اليوم فالمستوطن لا يرغب بأكثر من عيشة هنية مترفة، وأي شيء ينغص عيشته تلك يجعله راغباً على الفور في الهجرة، من هنا كانت الحجارة، ومن هنا كانت الانتفاضة. التقاطع والافتراق: وقفة مع المنهج والمسيري في كل السير التي كنت أقرؤها كنت أجدني قريبة جداً من راويها، أكاد أشعر بكلماته تتنفس من خلال رئتي، أكاد أشعر به أباً أو جداً جلس وإياي لساعات يحكي وأنا منصتة مأخوذة، لكن عبد الوهاب المسيري لم أشعر باقترابه هكذا خلال قراءتي له، بل بالعكس كانت هناك العديد من المتناقضات بيننا، فأنا أكره الفلسفة وأحب الإيجاز المفيد والاختصار غير المخل، فما يستغرق ساعات لتحليله يمكن إدراكه بكلمة، وهو ما أجده في أحاديث المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، يقول في كلمة ما يملأ عشرات الصفحات، لكن في حديثه عن فلسطين وجدتني مع المسيري قلباً وقالباً، هو أنا وأنا هو، نفس الإيمان بالحجارة وبصغار الانتفاضات، غير أنه هو -جزاه الله عني وعن العرب أجمعين خيراً- أخذ على عاتقه هذه المهمة بحق واضطلع بها خير اضطلاع. كل الكتب العظيمة سيمتها الصبر، وهذا الكتاب لا يختلف في شيء عنهم، إن مهارة المفكر والباحث عبد الوهاب المسيري تكمن في قدرته الفائقة على تحليل الموضوعات وتفكيكها بل وتفتيتها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فيأتي ببذرتها الأولى ثم يتتبعها نمواً في عملية تشريحية بطيئة لا يقدر على مثلها إلا جراح ذهني بارع متقد الفكر، وهو هنا يمارس هذه العملية الجراحية لكن على ذهنه هو وذكرياته هو وتفكيره هو، كيف تكوّن وكيف نبت وكيف تبرعم حتى صار هذه الشجرة السامقة، «البذور والجذور والثمر».