الصداقة ... لغة الإنسانية الخالدة.
الصداقة ضرورة إنسانية لا يقل أثرها عن أثر الأنظمة والقوانين. فليست مجرد علاقة شخصية تنشأ بين فردين تجمعهما الألفة أو المصالح العابرة، بل هي بناء إنساني يقوم على الثقة، والوفاء، والاحترام المتبادل، ويمنح الإنسان شعورًا بالأمان والانتماء، ويجعله أكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة وتقلباتها. وتأكيدًا بليغًا لأهمية الصداقة في بناء المجتمعات قال الشاعر إيليا أبو ماضي: فالبحر يعظم وهو مجتمع ... وتراه أهون ما يُرى ديما والسّور ما ينفكّ ممتنعًا.. فإذا يناكر بعضه انهدما فكما يستمد البحر عظمته من اجتماع قطراته، ويستمد السور قوته من تماسك حجارته، تستمد المجتمعات قوتها من ترابط أفرادها وتعاونهم. ولذلك تكون المجتمعات التي تنتشر فيها الصداقة والثقة أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، لأن أفرادها لا يشعرون بأنهم متروكون لمصيرهم، بل يدركون أن بينهم روابط تجعل التضامن سلوكًا تلقائيًا، لا واجبًا مفروضًا. ظل سؤال الصداقة حاضرًا في الفلسفة والأدب وعلم الاجتماع: هل ينشأ الإنسان ميالًا بطبيعته إلى الصداقة، أم أنه يلجأ إليها بدافع الحاجة والمنفعة؟ يُنْبئُنا الواقع أن الإجابة ليست أحادية، لأن الصداقة تحمل في داخلها البعدين معًا، فهي تبدأ من نزعة إنسانية فطرية، ثم تترسخ بما تحققه من منافع نفسية واجتماعية. فالإنسان كائن اجتماعي بطبيعته، لا يستطيع أن يعيش منعزلًا عن الآخرين، ولا يكتمل وعيه بذاته إلا من خلال علاقاته بمجتمعه. ومن هنا تنشأ حاجة الإنسان إلى الرفقة الحسنة، وإلى من يشاركه أفراحه وأحزانه، ويمنحه الشعور بالقبول والانتماء. وقد تكون المصلحة مدخلًا أوليًا إلى التعارف، لكنها لا تكفي لتأسيس صداقة راسخة، فما يضمن للعلاقة دوامها هو الثقة، والوفاء، والإيثار، والقدرة على الاختلاف دون خصومة، وعلى النصح دون تجريح، وعلى العطاء دون انتظار مقابل. ولذلك تبقى بعض الصداقات عقودًا طويلة، بينما تنهار علاقات أخرى عند أول اختبار. فالصديق الحقيقي لا يقاس بكثرة حضوره في أوقات الرخاء، وإنما بثباته عندما تتغير الأحوال، وتتبدل المواقع، وتضعف المكاسب المشتركة. وقد عبّر الشاعر محمود سامي البارودي عن هذه الحقيقة حين جعل معيار الصديق حسن الشمائل وثبات الموقف، لا كثرة المال، ولا المكانة الاجتماعية، والمناصب الإدارية. فقال: ليس الصديقُ الذي تعلو مناصبهُ ... بل الصديقُ الذي تزكو شمائلُهُ إن رابكَ الدهرُ لم تفشل عزائمُهُ... أو نابكَ الهَمُّ لم تفتر وسائلُهُ وقد جعل الفلاسفة من الصداقة موضوعًا عميقًا للتأمل. فما من قيمة إنسانية حظيت باهتمام الحكماء مثلما حظيت به الصداقة، لأنها تمس جوهر الإنسان، وتكشف عن طبيعة علاقته بذاته وبالآخرين. وكان “أرسطو 384 ق م – 322 ق م.” من أوائل الفلاسفة الذين درسوا الصداقة دراسةً منهجية، فقسّمها إلى ثلاثة أنواع: صداقة المنفعة، وصداقة اللذة، وصداقة الفضيلة، ورأى أن الأخيرة هي أكملها وأبقاها، لأنها تقوم على محبة الخير للآخر لذاته، لا لمنفعة تُرجى منه. ورأى أن النوعين الأولين مؤقتان، إذ يزولان بزوال المنفعة أو المتعة، بينما تبقى صداقة الفضيلة لأنها تقوم على الإعجاب المتبادل بالأخلاق، وعلى إرادة الخير للآخر. أما الخطيب والفيلسوف الروماني “شيشرون 106 ق م – 43 ق م.” فقد رأى أن الصداقة الحقيقية لا يمكن أن تقوم إلا بين أهل الفضيلة، لأن فاقد الأمانة والصدق لا يستطيع أن يكون صديقًا حقيقيًا. وكان يؤكد أن الصديق الصادق هو من يجرؤ على قول الحقيقة، ولو كانت مرة، لأن النصيحة الصادقة صورة من صور المحبة، وليست انتقاصًا منها، ولا تهديدًا لها. وفي عصر النهضة نظرَ” فرانسيس بيكون 1561 – 1626 م” إلى الصداقة من زاوية عملية، حيث رأى أنها تحقق للإنسان فوائد كبرى، فهي تريح القلب حين يبوح بما فيه، وتعين العقل حين يتبادل الرأي مع صديق حكيم، وتدعم الإرادة حين يجد الإنسان من يسانده في الشدائد. ولذلك لم يكن الصديق عنده رفيقًا في أوقات الفراغ، بل شريكًا في التفكير والحياة. ولم يكن التراث العربي والإسلامي بعيدًا عن هذا الاهتمام. فقد كثرت فيه الوصايا بالوفاء للإخوان، وحفظ الود في أوقات الشدة والرخاء. فقد نظر “الجاحظ 775 – 868 م” إلى الصديق بوصفه: مرآة لصاحبه، يكشف له ما لا يراه في نفسه. وتلتقي هذه الرؤى، على اختلاف عصورها وثقافاتها، عند حقيقة واحدة: أن الصداقة ليست علاقة اجتماعية عابرة، بل مشروع أخلاقي يقوم على الثقة والصدق والوفاء، وعلى القدرة على تقبل الآخر كما هو، مع السعي إلى الارتقاء به لا استغلاله. الصداقة الحقيقية كالشجرة الطبيعية، لا تنمو بالمصادفة، بل تحتاج إلى الماء والضوء، ، ولا تستمر بقوة العادة وحدها، وإنما تحتاج إلى رعاية مستمرة. أما الصداقة المنفعية فإنها كالزهور الصناعية، قد تكون جميلة في منظرها الخارجي، لكن حقيقتها خواء. فالعلاقات الإنسانية مهما بلغت متانتها معرضة للذبول إذا أهملت، وقادرة على الازدهار إذا أحسن تعهدها. ويأتي الصدق في مقدمة العوامل التي تمنح الصداقة رسوخها. فالصدق لا يقتصر على مطابقة القول للواقع فحسب، بل يشمل الصراحة في المشاعر، والوضوح في المواقف، والبعد عن التظاهر والمجاملة المفرطة. ويأتي بعد ذلك الوفاء، وهو الامتحان الحقيقي لكل علاقة، فالوفاء يظهر حين تتغير الأحوال، أو تتبدل المصالح، أو يمر أحد الصديقين بظروف قاسية. وما أكثر من يشاركون الإنسان أيام نجاحه، وما أقل من يبقون معه حين تضيق به الحياة. ويُعَد التسامح أيضًا من أهم أسباب استمرار الصداقة. فلا أحد يخلو من الخطأ، والصداقة التي لا تعرف العفو محكوم عليها بالفشل. وليس المقصود التغاضي عن كل إساءة، وإنما إدراك أن البشر يتعثرون، وأن الاعتذار الصادق وقبول الاعتذار من علامات نضج العلاقة. هذا من جهة دعائم الصداقة، أما من جهة موهناتِها، فإن لها معاول هدمٍ قد تعمل بدون صليل أو قعقعة حتى تضعفها أو تقطعها. ويأتي الكذب والنفاق في مقدمة هذه المعاول، فحين يفقد الإنسان ثقته بصديقه يصعب أن تستعيد الصداقة عافيتها وحميميتها. فالكلمة الكاذبة قد تُنْسَى، لكن أثرها في النفس قد يبقى طويلًا. كما أن المصلحة المجردة تُعَد من أكثر أسباب هشاشة الصداقات. وحين تتحول العلاقة إلى وسيلة لتحقيق منفعة، يصبح استمرارها مرهونًا باستمرار تلك المنفعة. ومن أخطر ما يهدد الصداقة في عصرنا – الراهن - سوء الفهم الناتج من التواصل الرقمي. فكثير من العلاقات تضعف بسبب رسالة أسيء فهمها، أو تعليق فُسِّرَ على غير مقصده، أو غياب الحوار المباشر الذي يزيل الالتباس. لقد قربت التقنية المسافات، لكنها لم تستطع أن تحل محل دفء اللقاء الإنساني الدافئ. إيمانًا من “الجمعية العامة للأمم المتحدة” بأن العلاقات الإنسانية الصادقة لا تصلح حياة الأفراد فحسب، بل تُسْهِم - كذلك - في بناء جسور التفاهم بين الشعوب والثقافات، وتدعم قيم السلام والتسامح والتضامن بين الأمم. فقد خصصت اليوم الثلاثين من يوليو – من كل عام - يومًا دوليًا للصداقة، وذلك إدراكًا منها بأن الصداقة حين تتجاوز حدود الأفراد إلى رحاب المجتمعات، تتحول إلى قوة ناعمة قادرة على تخفيف الاحتقان، وتقريب وجهات النظر، وصناعة بيئة أكثر استقرارًا وإنسانية. مؤكدةً أن السلام يبدأ من العلاقات الإنسانية اليومية قبل أن يصاغ في الاتفاقيات الدولية. ومن كل هذا وذاك، يتأكد أن الاحتفاء باليوم الدولي للصداقة ليس بعاطفة عابرة، بل هو تذكير بأن بناء عالم أكثر أمنًا وعدلًا يبدأ بخطوات صغيرة يمارسها كل إنسان في حياته اليومية: كلمة صادقة، وموقف وفي، ويد تمتد إلى الآخر بالمودة والاحترام. وحين تترسخ هذه القيم في العلاقة بين شخصين، تمتد آثارها إلى المجتمع، ثم إلى الإنسانية جمعاء. فالصداقة ليست هبة يمنحها الزمن لبعض الناس فحسب، بل فضيلة يختارها الإنسان، ويجدد بها إيمانه بأن الخير لا يزال قادرًا على جمع القلوب. ولهذا ستظل الصداقة لغة الإنسانية الخالدة، والجسر الذي يعبر به الإنسان إلى رحابة العالم، دون أن يختنق في سرداب الأنانية الضيق.