العوسج اسم نبات شوكى ينمو في الصحاري العربية، يصمد أمام الجفاف طويلا ، مثل إنسان الصحاري العربية ، وهو الاسم الذي اختاره الدكتور علي خليفة الكواري عنوانا لسيرته التي ظهرت في ثلاثة أجزاء ، أقدم هنا الجزء الثانى الخاص بالعمل في قطاع النفط. عاد الكاتب إلى قطر بعد أن أنهى مرحلة الدكتوراة ، وكانت قطر قد خطت خطوات متقدمة في تحسين الخدمات العامة وارتفاع مستوى معيشة السكان وقد تدنت نسبة البطالة للقطريين . عين وكيلا لإدارة التسويق والنقل ورئيسا لقسم البحوث فى المؤسسة القطرية العامة للنفط. وهكذا فإن مهمته الأولى كانت تسويق النفط القطري . امتلكت الحكومة القطرية 40 % من رأسمال شركات النفط العاملة في البلاد، ولكنها بقيت تعتمد في تسويق حصتها على شركات النفط ذاتها. وحرصا على مواجهة مشكلات الرشا والفساد اتخذت قرارا يلزم كل شركة تشتري النفط القطري بالتوقيع على تعهد، ينص على أنه ليس لها وكيل في قطر وأنه لم يدفع عمولات لأى أحد له علاقة بشراء النفط القطري، وإذا ثبت أنها فعلت ذلك فإن من حق المؤسسة الرجوع عليها بكل الأضرار المادية والمعنوية» . تملك قطر احد أكبر حقول إنتاج الغاز الحر ( غير المصاحب للزيت) في العالم، عين الرجل ممثلا للحكومة في المباحثات مع شركة شل ، وكان الهدف تحويل الغاز من شكله الطبيعي إلى غاز مسال، يتم بعدها شحنه بناقلات خاصة تختلف عن ناقلات البترول العادية، وتم تكليفه بالسفر إلى اليابان للاطلاع على المشروعات التى ستقام على الغاز المسال، وكانت زيارتهم لليابان زيارة مثيرة في جانبيها السياحى والتقني ، ولكنه رأى أنها تحولت إلى زيارة علاقات عامة، وعلم أن تصدير الغاز المسال إلى اليابان يستهلك ثلث تكلفة الإنتاج ، وأن الطريقة التي يُنقل بها مكلفة جدا كما أن اكتشاف وسائل أخرى للحفاظ على الغاز خلال نقله سيأخذ سنوات طويلة ، ولو حصل حادث عطل للتبريد في البحر فستكون الخسارة عظيمة ، بل لو حدث انفجار في احدى الخزانات فإن نتائج الانفجار كفيلة بتدمير مدينة أكبر من طوكيو. وعند دراسة المشروع تبين له أن المشروع سيكون لمصلحة شركة شل وليس لمصلحة قطر ، لأنه قائم على تخفيض العائد على قطر إلى أدنى مستوى ، إذ جعلوا تكلفة استخراج الغاز مماثلة لتكلفة الغاز في أبو ظبي متجاهلين أن غاز أبوظبي هو من نوع الغاز المصاحب الذي يخرج تلقائيا مع الزيت الخام دون تكلفة ، على عكس الغاز الحر ( غير المصاحب) وهذا قياس جائر. ورغم محاولة الشركة عمل تعديلات فقد تبين أنه لن تكون هناك جدوى اقتصادية عائدة للشركة ما لم تدعم حكومة قطر المشروع بتنازلها عن ثمن الغاز الطبيعي في باطن الأرض. و تبين له من خلال ما حضر من الندوات أن الدول المستهلكة تضغط لتطوير صناعة تسييل الغاز ليصبح بديلا عن الزيت عند الضرورة . بل واطلع الكاتب بعد سنوات على وثائق بريطانية تفصح عن مراسلات بين مكتب رئيسة الوزراء مارغريت ثاتشر و شركة شل ، تشير إلى أنها ستطرح موضوع تصدير الغاز من قطر خلال زيارتها للإمارة. ولذا فقد كانت توصياته بعدم الاستمرار في هذا المشروع وكبديل أوصى بإقامة مشروع لإنتاج البتروكيماويات، تستثمر هذا الغاز في الصناعة داخل قطر وتوفر تكاليف تصديره إلى مناطق الاستهلاك البعيدة. وهكذا سيعود المشروع على قطر بفائدة أكبر بكثير من تصدير الغاز المسال. وافق الأمير على تأجيل المشروع ولكنه أرجأ البت في مشروع البتروكيمياويات. شارك خليفة في الكثير من الأعمال كممثل لقطر، منها المباحثات مع شركة كوبينور الفرنسية، طلبت الشركة استيراد مادة نفتا من قطر، والنفتا مادة شبيهة بالزيت الخام تُفصل عن الغاز المسال، وأسعارها مقاربة لأسعار النفط الخام، تم تحديد الأسعار بناء على الأسعار العالمية، ولكن قطر واجهت ضغوطات فرنسية لإعطائها مزايا خاصة، وذلك لدعم إنتاج البتروكيمياويات في دنكيرك بفرنسا ، وشارك الرئيس الفرنسي جيسكار ديستان في هذه الضغوط ، والحجة أن قطر شريكة في مصنع البتروكيمياويات الفرنسي، وأن لها مصلحة في تخفيض تكلفة الإنتاج لتضمن المنافسة في الأسواق العالمية. رد الكاتب بأن إنتاج الشركة الفرنسية يناظر إنتاج الشركة القطرية للبتروكيماويات ( قابكو) وأن الشركة القطرية تشتري احتياجاتها من الخدمات والآلات من الشركة الفرنسية بالسعر العالمى والتعامل يكون بالمثل . مثل الكواري قطر في لجان للتعاون العربي المشترك، وهذه اللجان مشروعات تنموية بامتياز، ظهر أغلبها بعد الطفرة النفطية الأولى، منها الهيئة العربية للتصنيع الحربي في مصر، والهيئة العربية للزراعة في السودان، رُصد لها و لغيرها مبالغ طائلة بلغت أربعين مليارا من الدولارات، عانت هذه المشروعات من تدخلات البلد المضيف والتنافس على مواقع الإدارة، وقد فشلت معظم هذه المشروعات. مثل الكاتب قطر في اجتماعات شركة سوميد ( الشركة العربية لأنابيب نقل النفط)، وكان هدفه نقل النفط بالانابيب بين السويس والإسكندرية للتصدير إلى أوروبا ، وكانت قناة السويس أيامها مغلقة. واضح أنه لم يكن هناك اتفاق على الهدف المشترك، فقد فشل المشروع. كذلك أصبح ممثلا لقطر في هيئة الخليج للتنمية في مصر، وهى هيئة رأسمالها أثنان مليار دولار لتمويل مشروعات استثمارية بقروض ميسرة طويلة الأجل، أظهرت الاجتماعات إن الجانب المصري يريد تمويل استيراد الغذاء وتمويل عجز ميزان المدفوعات، ولم يقوموا بتقديم مشروعات إنتاجية، قيل لهم أنه لا بأس بتوجيه جزء من المساعدة لسد حاجة مصر من الغذاء ، ويذهب جزء منها على سبيل المساعدة في تطوير الإدارة العامة في مصر ، هنا قدم المصريون مشروعا لتجميع سيارات فورد في مصر ، فقيل لهم ان شركة فورد عليها مقاطعة عربية و لا مانع من تمويل مشروع بديل لتجميع السيارات . لم يتم التوصل إلى اتفاق ، وعندما اندلعت مظاهرات يناير ١٩٧٧م في مصر ، صدر قرار من دول الخليج بتحويل رأس المال إلى منحة . لم ينقطع الكاتب عن نشاط البحث ، منها أبحاثه « أوجه استخدام عائدات النفط في العراق بين عامي ١٩٤٤- ١٩٧١»، «الاستخدامات البديلة للغاز الطبيعى غير المصاحب في قطر» ، «التغيرات الجديدة في صناعة النفط» ، و الرابع « النفط وخياراته بين الاستهلاك والاستثمار» ، وقد نشرت في مجلات متخصصة وصدرت في كتب بعد ذلك، أهلته هذه الأبحاث لتدريس اقتصاد النفط في الجامعة القطرية . توصلت حكومة قطر عام ١٩٧٦ م بالتراضي الى استرداد كامل ملكيتها لشركتى النفط العاملتين في قطر ، و هما شركة نفط قطر (العمليات البرية) ، و شركة شل قطر( العمليات البحرية )، وهكذا تأسست الهيئة القطرية لإنتاج البترول للحلول مكان الشركتين ، عُين مجلس إدارة للهيئة و كان الكواري من بينهم . المهمة الأولى للهيئة كانت دمج المؤسستين السابقتين ، وعمل كادر وظيفي موحد يساوى في رواتب الموظفين بين الموظفين المعارين من الشركات السابقة ذوى الرواتب العالية، والموظفين الذين توظفهم الهيئة من القطريين وغيرهم ، وقد سُمى النظام الموحد ب « الكتاب الأزرق» . تبين عند دراسة المشروع ضخامة الهدر المالي، فإن الهيئة تقدم مساكن مجانية لكبار الموظفين وأغلبهم من الأجانب ، كما أن أعدادا متزايدة من موظفي الهيئة القطريين يحصلون على تقاعد مبكر دون مبرر ، ويتزايد غياب القطريين لأسباب واهية عن العمل ، مثل مرافقة مريض للعلاج بالخارج دون ضرورة . تكفل الكتاب الأزرق بتصحيح كل ذلك. وقد طُرح الكتاب الأزرق للاستفتاء على الموظفين وحاز على نسبة موافقة 98 % بالنسبة للعمليات البرية و50 % للعمليات البحرية ، ويفسر الكاتب انخفاض نسبة الموافقة عند العاملين في القطاع البحري بنشاط لوبي المصالح الخاصة من غير القطريين و معظمهم أوروبيون. رافق إصدار الكتاب الأزرق لغطٌ شديد ، قيل أن قرار إعطاء علاوة سكن بدل تأجير المساكن يضر بالمُلاك القطريين ، وأن منح بدل سكن للعاملين القطريين سوف يؤدى إلى هجرة موظفي القطاعات الحكومية الأخرى إلى قطاع النفط ، أدى ذلك إلى وقف العمل بالكتاب الأزرق لإعادة دراسته . يعقب الكاتب بالقول إن اقترابه من الشيخ خليفة وابنه ولي العهد وابنه الآخر وزير النفط وأخيه وزير الخارجية أوضح له أنهم لا يختلفون من حيث المشاعر الشخصية والتوجهات الوطنية العامة عن أبناء جيله من العرب عامة ومن القطريين خاصة وخاصة ممن تكونوا سياسيا في زمن المد الوطنى في العالم العربي. وفي لقاء بالأمير طلب منه أن يقدم له رؤية لعمل قطاع النفط بقيادة المؤسسة العامة القطرية للبترول. وبعد. دراسة قدم الرؤية التالية « أن غرض صناعة النفط الوطنية في قطر هو تحقيق الاستفادة المالية والإقتصادية والإجتماعية القصوى من برميل النفط والقدم المكعب من الغاز الطبيعي ، وزيادة القيمة المضافة لصناعة النفط تدريجيا وتوسيع ارتباطاتها بالاقتصاد القطري ، وتنميته، وذلك في ضوء الإعتماد على كوادر بشرية مؤهلة ومدربة يؤدي المواطنون فيها دورا رئيسيا» . بعدها طلب أن يحظى بمنحة تفرغ لمدة سنتين يقضيها في جامعة هارفارد. أتاحت له إقامته في هارفارد الاتصال بالكثير من المفكرين العرب والأجانب المرموقين، منهم ابراهيم الميرغني من السودان، الذي ساعده في سبر غور بعض اتفاقيات المشاركة في قطاع النفط بين قطر و الشركات الدولية. أدرك مدى الإجحاف فيها إذ يتم تهريب جزء معتبر من أرباح المشروعات إلى الشريك الأجنبي، نتيجة احتكار الشريك تقديم الخدمات التقنية و التجارية المبالغ فيها بسبب انعدام المنافسة واحتكار التسويق. أثمر تفرغه في هارفرد عن دراسة صدرت بعنوان «دور المشروعات العامة في التنمية الإقتصادية: مدخل إلى دراسة كفاءة أداء المشروعات العامة في أقطار الجزيرة العربية المنتجة للنفط». اقتضت هذه الدراسة مقابلة مجموعة من الشخصيات المهمة في عدد من الدول المعنية بالدراسة، وصل أكثرهم إلى مناصب الوزارة وما في مستواها ، وممن حاورهم في السعودية مثلا الدكتور غازي القصيبي وزير الصناعة والشيخ محمد أبا الخيل وزير المالية، وتطورت هذه اللقاءات إلى ندوة جمعت عشرين منهم من شتى دول الخليج، استضافت الندوة الأولى حكومة أبو ظبي، بمبادرة من وزير الخارجية أحمد خليفة السويدى ، وتطورت إلى لقاءات دورية عُقدت في أكثر من عاصمة خليجية ، وكان منصب المنسق العام يتغير كل أربع سنوات، وتحول المسمى إلى منتدى التنمية، كان المشاركون يحضرون على نفقتهم الخاصة ، و نتج عن هذه اللقاءات مجموعة من الأبحاث التي نُشرت في كتب. لا شك أن للمثقف دور كبير في بناء الأوطان، لا يُقبل التلكؤ فيه، و هو ما نشهده من هذه السيرة. سيرة نبات العوسج، العفو، اقصد سيرة إبن الصحراء العربية.