أكاديمية وباحثة عملت مستشارة في هيئة التراث وفي فريق عمل معني بالمخطط الوطني للسياحة..
أيلين أورباسلي: التراث السعودي ليس طبقة واحدة .. بل ذاكرة ممتدة من الصخر إلى طريق الحج.
منذ أكثر من ربع قرن، بدأت علاقة البروفيسورة أيلين أورباسلي بالمملكة العربية السعودية. جاءت في مطلع الألفية الجديدة ضمن فريق عمل معني بالمخطط الوطني للسياحة، لكنها لم تغادر المشهد السعودي معرفياً منذ ذلك الوقت. فقد تحولت المملكة، بتراثها المتعدد وبيئاتها المتباينة وطرقها القديمة ومواقعها الصخرية والبحرية والصحراوية، إلى واحد من أهم الحقول التي أثّرت في مسيرتها البحثية والمهنية. أورباسلي، أستاذة العمارة التاريخية وإدارة التراث في جامعة أكسفورد بروكس، وباحثة متخصصة في البيئة العمرانية التاريخية وإعادة الاستخدام التكيّفي وإدارة التراث الثقافي، عملت دولياً مستشارة في حماية المواقع التاريخية وصونها وإدارتها، وفي ملفات ترشيح مواقع لقائمة التراث العالمي. تركز في أبحاثها على الشرق الأوسط والبحر المتوسط، وتقرأ التراث لا بوصفه مباني وآثاراً فحسب، بل بوصفه علاقة مركبة بين الإنسان والمكان والماء والذاكرة والحركة. التقتها «اليمامة» في لندن، على هامش برنامج «أفق التراث» الذي أقامته هيئة التراث مؤخرا في لندن، فكان هذا الحوار الموسّع الذي جرى باللغة الإنجليزية وترجم للعربية، حول التراث السعودي، وتحوّل مفهوم إدارة التراث، ودروب الحج، والبحر الأحمر، والماء، والعمارة المحلية، والعلاقة التي لا تنفصم بين الطبيعة والثقافة. منذ 2001 لم تنقطع الرحلة * لنبدأ من البداية. متى بدأت علاقتك بالمملكة العربية السعودية؟ - كانت البداية عام 2001. كنت قد أنهيت رسالة الدكتوراه، ونُشرت لاحقاً في كتاب، فأصبح عملي معروفاً لدى بعض المختصين في المدن التاريخية والسياحة الثقافية. في ذلك الوقت كان هناك فريق يعمل على المخطط الوطني للسياحة في المملكة، وكان اهتمامي البحثي والمهني مناسباً للعمل على ملف المدن التاريخية والمواقع التراثية. ومنذ ذلك الوقت، استمرت علاقتي بالمملكة، ليس فقط بوصفها عملاً استشارياً، بل بوصفها تجربة بحثية ومعرفية أثّرت كثيراً في تفكيري. * كيف أثّرت المملكة في مسارك البحثي؟ - عملي في المملكة جمع دائماً بين البحث الأكاديمي والعمل الاستشاري والممارسة المهنية. كثير من أبحاثي ومنشوراتي تأثر بما شاهدته وتعلمته من المشاريع التي عملت عليها هنا. لقد رأيت مواقع ومشاهد ثقافية لم أكن أعرف عنها شيئاً من قبل، وبعضها لم يكن معروفاً على نطاق واسع حتى قبل عشرين أو خمسة وعشرين عاماً. لذلك أقول دائماً إن عملي في المملكة لم يكن مجرد تطبيق لمعرفة سابقة، بل كان مصدراً لإنتاج معرفة جديدة أيضاً. التراث السعودي لا يُقرأ بتصنيف واحد * تحدثتِ في محاضرتك عن التراث السعودي بوصفه تراثاً متعدد الطبقات. كيف تنظرين إليه كباحثة جاءت من الخارج؟ - حين بدأنا العمل على المخطط الوطني للسياحة عام 2001، كنا نفكر في كيفية تصنيف التراث. فكرة التصنيف نفسها تنتمي إلى تقليد أوروبي إلى حد ما؛ إذ ننظر إلى المستوطنات التاريخية، والآثار، والعمارة، والتراث الإسلامي، ثم نحاول ترتيبها في فئات محددة. لكن مع الوقت، ومع العمل على مشاريع متعددة في المملكة، أدركت أن التراث السعودي لا يمكن اختزاله في تصنيفات جامدة. هو ليس نوعاً واحداً من التراث، بل شبكة من الطبقات: تراث ما قبل التاريخ، الفنون الصخرية، المنشآت الحجرية، الطرق التجارية، الواحات، البحر الأحمر، دروب الحج، الماء، العمارة المحلية، التراث الإسلامي، سكة حديد الحجاز، ثم التراث الحديث مثل تراث النفط والمطارات والبنية التحتية المرتبطة بالحج. * لو أردنا ترتيب هذه الطبقات زمنياً، فمن أين نبدأ؟ - يمكن أن نبدأ من الفترات الأقدم جداً: ما قبل التاريخ، والعصر الحجري، والفنون الصخرية، والمنشآت الحجرية المنتشرة في المشهد الصحراوي. هناك اليوم أبحاث كثيرة تكشف عن عمق الاستيطان البشري في الجزيرة العربية، خصوصاً مع مشاريع مثل مشروع «الجزيرة العربية الخضراء»، الذي غيّر بعض تصوراتنا القديمة عن حركة الإنسان القديم من أفريقيا إلى آسيا. بعد ذلك تأتي حضارات ما قبل الإسلام، والواحات الكبرى، وطرق التجارة، مثل طرق البخور، ثم تأتي الطبقة الإسلامية: مكة والمدينة، السيرة النبوية، المساجد، المعارك، ودروب الحج. وبعدها تأتي طبقات لاحقة مثل سكة حديد الحجاز، ثم التحولات الحديثة في رحلة الحج، بما في ذلك صالات الحجاج والمطارات. إذا نظرت إلى هذه السلسلة كاملة، تجد أن التراث السعودي يمتد من الصخر والنقش القديم إلى الطائرة والمطار الحديث. الفنون الصخرية ليست رسوماً فقط * توقفتِ عند الفنون الصخرية في المملكة، خصوصاً في حِمى ونجران. ما الذي يجعلها مهمة؟ - الفنون الصخرية في المملكة غنية بصورة استثنائية. ليست مجرد رسوم جميلة على الصخور، بل هي سجل معرفي. إنها تخبرنا عن الحيوان، والمناخ، وحركة الإنسان، وتغير البيئة عبر الزمن. عندما ترى رسوماً لحيوانات لم تعد موجودة اليوم في تلك البيئة، فأنت لا تنظر إلى فن فقط، بل إلى دليل على تغيرات مناخية وبيئية عميقة. وقد عملت في مواقع فنون صخرية في حِمى ونجران، ورأيت كيف يمكن لهذه المواقع أن تفتح أسئلة واسعة: من كان هنا؟ كيف عاش؟ ماذا رأى؟ كيف تغيّر المشهد الطبيعي من حوله؟ لذلك أرى أن الفنون الصخرية في المملكة ليست تراثاً بصرياً فحسب، بل أرشيفاً للذاكرة البيئية والإنسانية. * وماذا عن المنشآت الحجرية التي تظهر بوضوح من الجو؟ -هذا جانب مدهش جداً. هناك منشآت حجرية واسعة النطاق في مناطق مثل خيبر وغيرها، لا تراها بسهولة إذا كنت تمشي على الأرض، لكنها تظهر بوضوح في الصور الجوية وخرائط الأقمار الصناعية. بعض هذه المنشآت قد يكون مرتبطاً بالدفن، وبعضها بالصيد، وبعضها ما زال يحتاج إلى بحث أعمق. اللافت أن هذه ليست «نقاطاً» منفصلة، بل مشاهد كاملة. هنا تأتي أهمية مفهوم المشهد الثقافي؛ لأن الموقع لا يُفهم فقط من خلال عنصر واحد، بل من خلال علاقته بالمكان المحيط، بالطرق، بالتضاريس، بالماء، وبما كان يفعله الإنسان في هذا الفضاء الواسع. ما الذي يجعل التراث السعودي فريداً؟ * ما العنصر الذي يجعل التراث السعودي حالة فريدة في نظرك؟ - أعتقد أن التفرد لا يأتي من عنصر واحد فقط، بل من الاتساع والعمق معاً. هناك دول تمتلك نوعاً معيناً من التراث بقوة، لكن في المملكة تجد امتداداً زمنياً ومكانياً هائلاً: من أقدم الفترات، إلى التراث الإسلامي، إلى الحج، إلى البحر الأحمر، إلى العمارة المحلية، إلى تراث النفط والحداثة. والأهم أن هذه الأنواع لا تظهر بصورة عادية، بل في نماذج عالية الجودة. الفنون الصخرية مثلاً ليست كثيرة فقط، بل ذات قيمة فنية ومعرفية عالية. وإدارة المياه ليست مجرد حلول عملية، بل نظم ذكية ومعقدة في بيئة قاسية. والعمارة المحلية ليست مجرد مبانٍ قديمة، بل إجابات دقيقة عن أسئلة المناخ والأمن والمواد والعيش اليومي. * هل لعبت الصحراء دوراً في هذه الخصوصية؟ - بالتأكيد. البيئة القاسية فرضت على الإنسان أن يكون مبتكراً. لكن ما يثير الإعجاب أن المجتمعات لم تكتفِ بالبقاء فقط، بل صنعت جمالاً أيضاً. خذ برك درب زبيدة مثلاً. كان يمكن أن تكون مجرد أحواض ماء عملية للحجاج والدواب، لكنها بُنيت بعناية، وفيها حس جمالي واضح. هذا يعني أن الإنسان هنا لم يفكر في النجاة وحدها، بل في الجودة، والكرامة، والجمال، والاستدامة. من السياج إلى التجربة الحية * أنتِ متخصصة في إدارة التراث. كيف نشأ هذا الحقل؟ - إذا عدنا إلى السبعينيات والثمانينيات، كان التراث الثقافي يُفهم غالباً بوصفه مجالاً للآثاريين والباحثين. كان الاهتمام منصباً على التنقيب، والدراسة، ونشر الكتب، ووضع القطع في المتاحف. ثم جاءت فكرة الحماية: ضع الموقع على قائمة، أحِطه بسياج، وضع لوحة تقول: ممنوع الدخول. لم يكن هناك آنذاك حقل متكامل اسمه إدارة التراث. هذا الحقل نشأ إلى حد كبير بسبب السياحة، وكان في بدايته رد فعل على ازدياد أعداد الزوار، خصوصاً في مواقع أثرية في اليونان وإيطاليا. كان السؤال بسيطاً جداً: كيف نُدخل الناس إلى الموقع ونُخرجهم بأسرع وقت ممكن دون أن يسببوا ضرراً كبيراً؟ * ومتى تغيّر هذا الفهم؟ - حين بدأنا ندرك أن الزائر ليس رقماً. إذا منحت الزائر تجربة ذات معنى، فإنه يقدّر الموقع أكثر. وقد يعود إلى بلده أو مدينته وهو أكثر تقديراً للتراث عموماً. هنا تغيرت الفكرة: لم تعد إدارة التراث مجرد حماية مادية، بل أصبحت تشمل التفسير والعرض، وإدارة الزوار، والتعليم، وإشراك المجتمع المحلي، والتنمية الاقتصادية، والصون طويل المدى. منذ التسعينيات اتسع الحقل أكثر. دخلت قضايا مثل التغير المناخي، وأهداف التنمية المستدامة، والتراث غير المادي، والمجتمعات المحلية، وأصحاب المصلحة. كما ظهر مجال أكاديمي مهم يسمى الدراسات التراثية النقدية، وهو ينظر إلى التراث بوصفه مجالاً اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، لا مجرد آثار ومبانٍ. العُلا: حين يصبح التراث أصلاً اقتصادياً * كثيراً ما يُذكر مثال العُلا عند الحديث عن التراث والتنمية. كيف تقرئين هذه التجربة؟ - العُلا مثال واضح على أن التراث يمكن أن يكون أصلاً اقتصادياً وثقافياً في الوقت نفسه. العُلا لا تُسوّق بوصفها منتجعاً شاطئياً، بل بوصفها موقعاً تراثياً وثقافياً. قبل عشرين عاماً، لم يكن اسم العُلا معروفاً عالمياً كما هو اليوم. أما الآن فقد أصبحت علامة ثقافية وسياحية ذات حضور دولي. لكن من المهم أن نتذكر أن هذه العلامة قائمة على التراث. لولا التراث لما وُجدت هذه القيمة. وهذا يفرض مسؤولية كبيرة؛ لأن التراث إذا استُهلك أو أُتلف، فإن الأصل الذي تقوم عليه التنمية نفسها يضيع. * هل هناك مخاطر في نجاح المواقع التراثية سياحياً؟ - نعم. الخطر الأكبر هو السياحة المفرطة، أو تجاوز الطاقة الاستيعابية للموقع. مدن كثيرة حول العالم استفادت اقتصادياً من السياحة، لكنها اليوم تعاني من آثارها، مثل برشلونة. لذلك لا بد من التخطيط المبكر: كم زائراً يمكن أن يستوعب الموقع؟ كيف نوزع الزيارات؟ كيف نحمي التجربة؟ وكيف نضمن ألا يتحول النجاح السياحي إلى عبء على الموقع والمجتمع المحلي؟ إدارة الموقع التراثي: حوكمة وصون وتفسير وزوار * ما العناصر الأساسية لإدارة أي موقع تراثي؟ - أولاً الحوكمة: من يتخذ القرار؟ من يدير الموقع؟ ما الهيكل الإداري؟ ولمن تُرفع التقارير؟ لا يمكن أن تنجح إدارة موقع تراثي دون وضوح في المسؤوليات. ثم تأتي الحماية القانونية، لأن من يدير الموقع لديه واجب قانوني في صونه. بعد ذلك يأتي البحث العلمي، ليس البحث التاريخي أو الأثري فقط، بل البحث في المواد، وطرق الصون، والتراث غير المادي، وأنظمة الإدارة، وحتى نظم المعلومات الجغرافية. ثم يأتي الصون، وهو مصطلح مهم. الصون لا يعني تجميد الموقع، بل التعامل الواعي مع مادته الأصلية وقيمته الثقافية. وهناك أيضاً صون الطبيعة؛ لأن الموقع التراثي لا يعيش في فراغ. له بيئة، ومشهد، وإطار بصري، وعلاقات مكانية. نحتاج أيضاً إلى التفسير والعرض: ما القصة التي نرويها؟ لمن نرويها؟ وكيف؟ هل من خلال اللوحات؟ المتاحف؟ التطبيقات الرقمية؟ الجولات الإرشادية؟ ثم تأتي إدارة الزوار: المسارات، الظل، دورات المياه، السلامة، سهولة الوصول، الفعاليات، وكل ما يجعل التجربة جيدة دون أن تُلحق ضرراً بالموقع. الحج: تراث حي لا يسير في خط مستقيم * عملتِ على دروب الحج. ما الذي يميز هذا التراث؟ - الحج تراث حي ومستمر. وهو ليس تراثاً ثابتاً في مكان واحد، بل تراث حركة وزمن ومواسم. مواعيد الحج تتغير عبر الفصول، وهذا كان يغير طبيعة الرحلة تماماً. في الصيف كانت القوافل تتحرك ليلاً بسبب الحرارة، وكانت تحتاج إلى الفوانيس والمنارات. وفي مواسم المطر قد تتغير حالة الطرق والآبار، وقد يصبح بعض المواضع صعب العبور بسبب الطين. كما أن طرق الحج لم تكن خطوطاً ثابتة كما نرسمها اليوم على الخرائط. كانت تتغير بحسب الأمن، والماء، والقبائل، والظروف السياسية، وأحياناً بحسب أمان الطريق البحري أو البري. لذلك يجب ألا نفكر في درب الحج كخط واحد جامد، بل كمشهد حركة واسع ومتغير. * ما الجوانب المادية وغير المادية في تراث الحج؟ - هناك التراث المادي: الطرق، الآبار، البرك، الحصون، المحطات، سكة حديد الحجاز، الموانئ، والاستراحات. لكن هناك أيضاً تراث غير مادي غني جداً: القصص، الطقوس، الطعام، الأغاني، الذاكرة الجماعية، كسوة الكعبة، قوافل الحبوب، وشبكات الضيافة والخدمة. كسوة الكعبة، على سبيل المثال، كانت تُصنع في مصر لسنوات طويلة، وكان وصولها إلى مكة جزءاً من طقوس الحج. هذا ليس مبنى ولا أثراً ثابتاً، لكنه جزء جوهري من قصة الحج. وكذلك قوافل الحبوب والطعام التي كانت تؤمن احتياجات الحجاج. هذه التفاصيل اللوجستية هي أيضاً تراث. سكة حديد الحجاز: طبقة صناعية في ذاكرة الحج * سكة حديد الحجاز بدت حاضرة بقوة في اهتمامك. لماذا؟ - لأنها طبقة مهمة جداً من تاريخ الحج، ومن التاريخ العثماني، ومن التراث الصناعي في المنطقة. هذه السكة اختصرت رحلة كانت تستغرق أسابيع إلى أيام قليلة. كان ذلك تحولاً هائلاً في زمنه. سافرت على أجزاء كبيرة من مسار الخط، وزرت محطات كثيرة في السعودية والأردن. بعض هذه المحطات لا يخدم مدينة كبيرة، بل كان وظيفته تزويد القطار بالماء والفحم وتأمين الحركة عبر الصحراء. وهذا في حد ذاته يخبرنا عن علاقة التكنولوجيا بالمشهد الصحراوي. ثم جاءت الحرب العالمية الأولى، وتعرض الخط للتفجير. عندما رأيت بعض القاطرات أول مرة، كانت ما تزال في الصحراء حيث توقفت منذ تلك الأحداث، قبل أن تُنقل لاحقاً إلى المتاحف. هذه أيضاً طبقة من الذاكرة: الحج، والعثمانيون، والحرب، والصحراء، والتكنولوجيا. الماء: عصب التراث في أرض شحيحة * الماء يتكرر كثيراً في حديثك عن التراث السعودي. لماذا؟ - لأن الماء هو مفتاح فهم كثير من المواقع في الجزيرة العربية. لا يمكن أن تفهم بئراً أو بركة أو عيناً بمعزل عن النظام الكامل الذي أوصل الماء إليها. الماء ليس عنصراً منفرداً، بل شبكة. عين زبيدة في مكة مثال مهم. هي ليست مجرد قناة أو عين، بل نظام مائي كامل ينقل الماء من الجبال باتجاه مكة والمشاعر. لكي تفهمها يجب أن تفهم الجغرافيا كلها: من أين يأتي الماء؟ كيف يتحرك؟ كيف يُخزن؟ كيف يُوزع؟ وكيف يخدم الحجاج والسكان؟ في بيئة شحيحة المياه، تصبح إدارة الماء جزءاً من التراث، وجزءاً من العبقرية المحلية أيضاً. وهذا يمنحنا دروساً معاصرة مهمة، لأن إدارة الماء ما زالت واحدة من القضايا الكبرى في عالم اليوم. العمارة المحلية: لا شيء للزينة وحدها * كيف تنظرين إلى العمارة المحلية في المملكة؟ - العمارة المحلية، أو العمارة الشعبية، هي استجابة دقيقة للمناخ، والمواد المتاحة، والأمن، والعادات الاجتماعية. لا شيء فيها عشوائي. في رجال ألمع مثلاً، تجد مباني حجرية عالية، الطابق الأرضي غالباً للحيوانات، والطوابق الوسطى للتخزين، والطوابق العليا للسكن حيث الهواء أفضل. النوافذ صغيرة لأسباب إنشائية ومناخية وأمنية. حتى العناصر الجمالية لها وظيفة. الطلاء الأبيض حول الفتحات، على سبيل المثال، يمكن أن يكون له دور في عكس الضوء، وربما أيضاً في التشويش البصري عند الحاجة للدفاع. السطح ليس مجرد سطح، بل فضاء للتهوية والمراقبة. البيت ليس بيتاً فقط، بل مخزن، وحظيرة، ومكان حماية، وفضاء عائلي، ونقطة مراقبة. * ما المبدأ الذي يجمع هذا التنوع المعماري؟ - الوظيفة. في البيت التقليدي، كل شيء له وظيفة. حتى الأشياء الجميلة تُستخدم. الدلة المزخرفة تُستخدم للقهوة، والإبريق الجميل يُستخدم للماء، والروشان له وظيفة مناخية واجتماعية وجمالية في الوقت نفسه. الجمال هنا ليس شيئاً منفصلاً عن الحياة اليومية، بل جزء منها. البحر الأحمر: شبكة ثقافية لا مجرد ساحل * قلتِ إن البحر الأحمر ينبغي أن يُفهم بوصفه شبكة. ماذا تقصدين؟ - البحر الأحمر ليس مجرد شريط ساحلي، بل حوض ثقافي وتجاري. تاريخياً، كان التواصل عبر البحر أحياناً أقوى من التواصل بين الساحل والداخل، لأن الداخل في جهات كثيرة قاسٍ وصعب العبور. لذلك قد تجد أن عمارة ينبع أقرب في بعض سماتها إلى عمارة سواكن في السودان، أكثر من قربها إلى مدن ساحلية قريبة جغرافياً. وقد تجد أن بعض مدن شمال البحر الأحمر لها صلات أوضح بمصر. هذه العلاقات لا تفسرها الحدود الإدارية الحديثة، بل تفسرها حركة الناس، والتجارة، والحج، والبحارة، والمواد، وأنماط البناء. * هل يعني ذلك أن الخرائط الحديثة قد تضللنا أحياناً؟ - نعم، إذا اعتمدنا عليها وحدها. الحدود الإدارية الحديثة مفيدة للإدارة، لكنها لا تشرح دائماً العلاقات الثقافية القديمة. التراث يتحرك مع الناس، ومع البحر، ومع القوافل، ومع التجارة. لذلك يجب أن نقرأ المواقع داخل شبكاتها، لا داخل حدودها الحالية فقط. التراث والطبيعة: فصل إداري لا يعكس الحقيقة * ذكرتِ أن الفصل بين الطبيعة والثقافة مفهوم حديث إلى حد ما. - في كثير من النظم الإدارية الحديثة، الطبيعة تتبع وزارة أو هيئة، والثقافة تتبع جهة أخرى. لكن في الواقع، لا يمكن الفصل بينهما بهذه السهولة. المشهد الطبيعي جزء من معنى الموقع الثقافي، والثقافة بدورها شكلت ذلك المشهد. في أماكن كثيرة من العالم، خصوصاً في مجتمعات تقليدية، لا يوجد هذا الفصل الصارم بين الطبيعي والثقافي. الجبل، والوادي، والماء، والطريق، والمبنى، والذاكرة، كلها جزء من منظومة واحدة. العُلا مثال واضح؛ فهي تجمع بين موقع ثقافي ومشهد طبيعي شديد الأهمية. لذلك يجب أن تعمل الجهات المسؤولة عن التراث الطبيعي والتراث الثقافي معاً، لا كأنهما عالمان منفصلان. التراث السعودي فرصة.. لكن الصون هو الشرط * ما التحدي الأكبر أمام التراث السعودي في المرحلة المقبلة؟ - أرى أن الفرصة كبيرة جداً، لكن التحدي هو التوازن. هناك نمو، واستثمار، ومشاريع كبرى، واهتمام عالمي. لكن التراث لا يتحمل التعامل معه بوصفه مورداً لا ينضب. الموقع التراثي إذا تضرر، لا يمكن ببساطة استبداله. لذلك لا بد من إدارة واعية: صون، وبحث، ومشاركة مجتمعية، وتخطيط للزوار، وفهم للطاقة الاستيعابية، وربط بين الثقافة والطبيعة، وبين التنمية والذاكرة. التراث يمكن أن يكون محركاً للتنمية، لكنه يحتاج إلى عناية طويلة النفس. كلمة أخيرة * ما الكلمة التي تودين قولها في ختام هذا الحوار؟ - تمسّكوا بتراثكم، واعتنوا به.