من سراة الباحة إلى تهامتها ..

حكاية جبل «شدا» ومحرابه المعلق فوق القمم.

تقع منطقة الباحة في الجزء الجنوبي الغربي من المملكة العربية السعودية، وتتميز بطبيعتها الجبلية الواقعة ضمن سلسلة جبال السروات، حيث تنتشر المرتفعات الشاهقة والأودية والغطاء النباتي الكثيف. وقد أسهم هذا الموقع الجغرافي في جعل المنطقة بيئة مناسبة للاستقرار البشري منذ فترات تاريخية مبكرة. وتنقسم منطقة الباحة جغرافيًا إلى قسمين رئيسيين هما السراة وتهامة، حيث تمثل السراة المنطقة الجبلية المرتفعة التي تنتشر فيها القرى التقليدية والمدرجات الزراعية، بينما تقع تهامة غرب جبال السروات باتجاه ساحل البحر الأحمر كشريط منبسط ومنخفض جغرافيًا، وتتميز بطبيعتها السهلية ومناخها الأكثر حرارة. وقد أسهم هذا التنوع الجغرافي في تشكيل أنماط معيشية متعددة للسكان. وتُعد المنطقة موطنًا لعدد من القبائل العربية العريقة، ومن أبرزها قبيلة زهران وقبيلة غامد، اللتان استقرتا في جبال السروات منذ قرون طويلة وأسهم أبناؤهما في تشكيل الكيان الاجتماعي والثقافي للمنطقة. كما ارتبط تاريخ المنطقة بعدد من الأحداث والشخصيات التاريخية، من أبرزها القائد “بخروش بن علاس الزهراني” الذي عُرف بدوره في المواجهات العسكرية التي شهدتها المنطقة خلال فترة الصراع مع الحملات العثمانية في أعقاب توسع الدولة السعودية الأولى. وفي الإطار الجغرافي لمنطقة الباحة يبرز جبل شدا بوصفه أحد أهم المعالم الطبيعية في المنطقة، ويقع في الجزء الغربي منها ضمن سلسلة جبال السروات ضمن قطاع تهامة الباحة وتحديدًا يتبع محافظتي المخواة وقلوة. ويتميز الجبل بتكويناته الصخرية الضخمة وتضاريسه الوعرة، إضافة إلى احتوائه على عدد من الكهوف الطبيعية والتشكيلات الجيولوجية التي تشكلت عبر فترات زمنية طويلة. كما يُعد الجبل بيئة طبيعية مميزة تضم تنوعًا نباتيًا وحيوانيًا، الأمر الذي جعله محل اهتمام الباحثين في مجالات البيئة والجيولوجيا والآثار. وينقسم جبل شدا إلى قسمين رئيسيين هما جبل شدا الأعلى وجبل شدا الأسفل، ويتميز كل منهما بخصائص جغرافية مختلفة نسبيًا من حيث الارتفاع والتضاريس. حيث يقع الجزء الأكبر منه وهو “جبل شدا الأعلى” في محافظة المخواة يصل ارتفاعه نحو 2200م وتنتشر فيه زراعة البن والمدرجات الزراعية القديمة. بينما يقع الجزء الأصغر منه وهو “جبل شدا الأسفل” في محافظة قلوة يصل ارتفاعه نحو 1500 م ويشتهر بتشكيلاته الصخرية العجيبة وكهوفه التي استغلها السكان في المجال السياحي. ويضم الجبل في أجزائه المختلفة عددًا من المواقع الطبيعية والتاريخية التي تشير إلى وجود نشاط بشري في المنطقة منذ فترات قديمة، ومن بين هذه المواقع ما يُعرف محليًا باسم “محراب إبراهيم”، وهو أحد المواضع التي ارتبطت بالروايات المحلية في جبل شدا الاعلى، ويُعد من المواقع التي تستحق الدراسة والبحث لفهم طبيعته وتاريخه وعلاقته بالبيئة الجغرافية المحيطة به. يقع ما يُعرف بـ محراب إبراهيم في جبل شدا الأعلى ضمن الكتل الصخرية المنتشرة في الجبل، ويُعد من المواضع التي ارتبطت بالروايات المحلية المتداولة بين سكان المنطقة. ويتميز الموقع بوجود تجويف أو موضع صخري يتخذ هيئة تشبه المحراب، الأمر الذي دفع الأهالي إلى تسميته بهذا الاسم. ويقع هذا الموضع ضمن بيئة جبلية وعرة تتخللها الصخور الضخمة والكهوف الطبيعية التي تشكلت نتيجة العمليات الجيولوجية التي أثرت في تكوينات جبل شدا عبر فترات زمنية طويلة. ومن حيث الموقع الجغرافي، يأتي المحراب ضمن المنطقة المرتفعة من الجبل التي تتميز بإطلالتها الواسعة على الأودية والمرتفعات المحيطة، وهي مناطق اعتاد السكان استغلالها قديمًا كمواقع للرعي أو كملاجئ مؤقتة خلال التنقل في الجبل. كما أن وجود الكهوف والتجاويف الصخرية في هذه المنطقة جعلها مواقع مناسبة للاستخدام البشري عبر فترات زمنية مختلفة، سواء لأغراض السكن المؤقت أو العبادة أو الاحتماء من الظروف الطبيعية. أما من حيث الوصف، يقع المحراب في أعلى ذروة من قمة من جبل شدا الأعلى، وهو عبارة عن بناء أثري قديم يتخذ شكل تجويف صخري صغير تبلغ مساحته حوالي 9 أمتار، ويحيط به جدرانه الأربعة قائمة حتى اليوم بينما تهدم سقفه بسبب العوامل الجوية الوعرة. وهذا التكوين الصخري قد تشكل بفعل عوامل التعرية الطبيعية، إلا أن شكله الذي يشبه المحراب أضفى عليه دلالة دينية أو رمزية لدى سكان المنطقة، الأمر الذي أدى إلى ارتباطه باسم محراب إبراهيم في الذاكرة الشعبية المحلية. وقد ارتبط هذا الموضع بعدد من الروايات الشفوية التي يتناقلها سكان المنطقة، حيث تشير بعض هذه الروايات إلى أن الموقع كان موضع عبادة قديم أو مكانًا للصلاة، وترجع الروايات المحلية إن الشخص الذي تبعد في المحراب هو الزاهد الشهير “ إبراهيم بن أدهم “ وهو أحد أشهر أعلام الزهد والتصوف السني في التاريخ الإسلامي، ولد في مدينة بلخ (أفغانستان حاليًا) وتحول أسم إبراهيم في الموروث الإسلامي الشعبي إلى رمز لكل “ محراب “ او “خلوة” في القمم الشاهقة. وفي روايات أخرى وهي الرواية الأكثر شيوعًا بين أهالي جبل شدا ان الشخص هو رجل عابد وصالح من أهل الجبل نفسه (من أسرة الشدوي او سكان الجبل القدامى) وأسمه إبراهيم، اسماه والده تيمنًا بالزاهد المعروف “ إبراهيم بن أدهم، ومع مرور الزمن وبسبب تشابه الأسماء، اندمجت الشخصيتان في الذاكرة الشعبية ونسب الفضل للزاهد الشهير “إبراهيم بن أدهم”. ختاماً، يظل جبل شدا بمحرابه الشهير شاهداً حياً على العلاقة الفريدة بين الإنسان والأرض في قمم السروات؛ فالمكان ليس مجرد تكوينات جيولوجية صخرية، بل هو سجل ثقافي وتاريخي ينسج خيوط الحقيقة بالموروث الشعبي فوق سحاب الباحة. وسواء كان “محراب إبراهيم” خلوةً للزاهد ابن أدهم أو متعبداً لواحد من أبناء الجبل الصالحين، فإنه سيبقى رمزاً لسمو الروح وعراقة الاستيطان البشري في هذه البلاد، ومعلماً يذكر الزائر بعظمة التأمل في خلق الله وسكينة التعبد في رحاب الطبيعة التي سخرها الله لعباده، حيث تمتزج آثار الإنسان بآيات الخالق في أرضٍ حفظت الذاكرة والإيمان عبر الأجيال.