ما الذي تصنعه الحارة في الإنسان؟
لا زلت أذكر ذلك السؤال الذي راودني وأنا في الثامنة من عمري، حين كنتُ أتجول في حارات بلاد الشام. كنت أرى الجيران يخرجون كراسيهم وطاولاتهم مع نسمات العصر، فيتحول الحي إلى احتفالٍ يومي؛ أصوات الضحكات، والأطفال يتسابقون بدراجاتهم، وأحاديث الكبار التي تمتد حتى المساء. ورغم أننا في حيّنا كنا نخرج صغارًا لنلعب بالدراجات مع أبناء وبنات الحارة، فإن ما افتقدناه كان جلوس أمهاتنا معًا خارج البيوت، وتلك الألفة التي رأيتها هناك. كنتُ ألتفت إلى أمي وأسأل ببراءة: «لماذا لا يحدث هذا في حيّنا؟». ولم تجب حينها، ربما لأنها لم تجد جوابًا يقنع طفلةً كانت ترى أن للحارة روحًا لا تكتمل إلا حين يجتمع الجيران خارج بيوتهم. ولعل هذا ما كانت تمثله الحارة؛ فلم تكن مجرد تجمعٍ للمنازل، بل كانت شبكةً من العلاقات الإنسانية. كان الجار يعرف غياب جاره قبل حضوره، وتنتقل أطباق الطعام بين البيوت كما تنتقل الأخبار السارة، ويكبر الأطفال وهم يحفظون أسماء الجيران قبل أسماء الشوارع. لذلك لم تكن قيمة الحارة في عمرانها، بل في شعور الإنسان بأنه معروف بين أهله، وأن هناك من يفرح لقدومه، ويسأل عنه إذا غاب. فالإنسان، مهما اتسعت دوائر معارفه، يظل في حاجةٍ إلى ذلك الدفء الذي لا تمنحه إلا مودة الجيران. لم يكن ذلك السؤال مجرد دهشة طفلة، بل كان بذرةً لرؤيةٍ اجتماعية نمت معي عبر السنين. وحين أصبح لي بيتٌ في حيٍّ جديد، شعرت أن الفرصة قد حانت لأختبر تلك الفكرة التي رافقتني منذ الصغر. كان الجميع جيرانًا جددًا، تجمعهم فرحة البدايات، لكن الجلوس أمام البيوت لم يكن من عادات الحي. وربما لم تختفِ تلك العادة لأن البيوت تبدلت، بل لأن أسلوب الحياة تغيّر؛ فكم من عادةٍ جميلةٍ اندثرت، لا لأنها لم تعد ممكنة، بل لأن أحدًا لم يبادر إلى إحيائها. ومع ذلك، بقيت مؤمنةً بأن روح الحارة لا تحتاج إلا إلى من يوقظها. وذات نهارٍ ربيعي، حملت كراسيَّ إلى الرصيف أمام منزلي، ودعوت جاراتي إلى جلسةٍ بسيطة. في البداية، ارتسم شيءٌ من التردد على الوجوه، وكانت رهبة الخطوة الأولى حاضرة. لكن جلسةً واحدة كانت كفيلةً بتبديدها؛ فتحولت المجاملات إلى أحاديث، والأحاديث إلى مودة، ثم إلى لقاءاتٍ ينتظرها الجميع. ومنذ ذلك اليوم، صار الجلوس أمام البيوت عادةً تتكرر، واتسعت الدائرة حتى غدت تلك الجلسات موعدًا ينتظره الجميع. عندها أيقنتُ أن العادات الجميلة تبدأ بمبادرةٍ صغيرة، وما إن يخطو أحدٌ الخطوة الأولى حتى يلحق به الآخرون. ومع مرور الأيام، بدأنا جميعًا نعتني بما يحيط بنا. زُرعت شتلات الزهور أمام البيوت، فاستعادت المداخل بهجتها، وصارت الأشجار والورود امتدادًا لتلك الجلسات، وكأن المكان يبادلنا الحياة التي بثثناها فيه. كنا نجتمع لنتحدث عن تفاصيل بيوتنا، فإذا بالأحاديث تمتد إلى دواخلنا أيضًا. نتبادل القصص، ونبوح بهمومنا، ونكتشف مواهب بعضنا. وحرصت على أن تكون عربة الكتب حاضرةً بيننا، فتبادلنا عناوين الروايات وتجارب القراءة، حتى غدت المساحات أمام بيوتنا مكانًا تنمو فيه الصداقات، وتقوى فيه روابطنا. ومن بين تلك الجلسات ولدت أفكار، وكبر بعضها حتى صار مشاريع صغيرة. فتحت بعض الجارات مشاريعهن، وكانت الجارات أول الداعمات والعميلات، نتبادل الترشيح والتشجيع، ونحتفي بكل نجاح كما لو كان نجاحًا لنا جميعًا. ولم يعد الحي يجمع البيوت فحسب، بل صار يجمع الأحلام أيضًا. واكتشفت أن العلاقات، مثل الأشجار، تزدهر بالرعاية المستمرة. فكل لقاءٍ يضيف خيطًا جديدًا إلى نسيج الثقة، ومع الأيام تصبح الجيرة سندًا اجتماعيًا يمنح الإنسان شعورًا بالطمأنينة والانتماء، ويجعل مكانه في هذا العالم أرحب من حدود منزله. واليوم، حين أنظر من نافذتي، أرى شارعًا استعادت فيه الحارة شيئًا من روحها. الكراسي مصطفة أمام البيوت، والضحكات تتردد بين المنازل، والأطفال يركضون بينها كما لو أنها بيتٌ واحد. ولعل أجمل ما حدث أن إحدى الجارات الشاميات سألتني يومًا بتردد: «هل عادي أن أضع كرسيًا خارج البيت وأجلس؟». ابتسمت، فقد أعادني سؤالها سنواتً إلى الوراء، حين كنتُ أنا الطفلة التي تسأل أمي السؤال نفسه في أزقة بلاد الشام. قلت لها: «بالطبع، افعلي». وبعد أيام رأيتها تجلس أمام منزلها، تُحيّي المارة، وتتبادل الحديث مع الجارات. عندها أدركت أن الحارات لا تستعيد روحها دفعةً واحدة؛ إنها تبدأ بكرسي، ثم تحية، ثم حديث، حتى يصبح الجيران أهلًا.