قراءة في الرؤيا الشعريّة وجماليات التشكيل في ديوان «غرق في نغمة عالية» لناجي حرابة..

تنوّع في الإيقاع وتعدّد في الرؤى وثراءٌ في التصوير وجماليات التشكيل.

جمع الشاعر في عنوان هذه المجموعة الشعرية بين عتبة مزدوجة تحمل معنى الوحدة الشعرية ممثلة في الديوان وبانوراما التجربة عبر القصائد المختارة من دواوين الشعر المختلفة التي تتشكل على نحو بانورامي تتمثل فيه رؤية الشاعر و فلسفته و أساليبه ؛ وفي مثل هذه الحالة لاتبدو القراءة نصوصيّة محضة تنطلق من جماليات النص ؛ بل يفترض أنها تتعقّب خطا الشاعر عبر تجربته الفنية ورؤيته بأبعادها الذاتيّة و الموضوعيّة ، و مثل هذه المقالة لاتتّسع لمثل هذه الدراسة ؛ و لكنني سأحاول أن ألقي نظرة طائر تحاول استراق النظر إلى معالم هذه التجربة البارزة رؤيةً وفنّاً؛ وإذا كان من الواضح أن الشاعر ضرب في مختلف الآفاق ولم يلقِ عصا الترحال في محطة بعينها ذاتيّةًّ وجدانيّة أو اجتماعيّةً إنسانية فإن مدخلي إلى هذه القراءة يتمثل في إمعان النظر في عتبته الرئيسة التي تتكىء على مفردتين : الأولى الغرق و الثانية التغمة العالية ، وهنا يتبادر إلى ذهني أن الغرق يعني الانصراف الكلّي وتركيز الاهتمام ؛ وأما النغمة العالية ففي ظنّي أنها تشير إلى طموح الشاعر إلى تقرّي الظواهر التي ينطلق منها بوضوح وشجاعة وقدرة واثقة على مطاردة شواردها و اقتناص خوافيها ؛ و من هنا نستطيع أن نفهم لجوءه إلى هذه الاختيارات التي تنتمي إلى مراحل عدة في تجربته الشعرية وثراء رؤاه وعمق غوصه إلى أغوارها رؤيةً وجماليات ما أمكن. ينتمي ديوان «غرق في نغمة عالية» إلى الدواوين التي لا تقدم تجربة شعرية متولدة في زمن كتابي واحد، وإنما تعيد النظر في مسار شعري ممتد، من خلال اختيار نصوص تمثل مراحل متعددة من تجربة الشاعر، ويضم مختارات من ثماني مجموعات شعرية، يعيد الشاعر من خلالها ترتيب تجربته، واختيار النصوص التي يراها أقدر على تمثيل رؤيته للعالم والشعر والإنسان. ومن قصائده الذاتية التي تبحر في أعماق وعيه وترسم كينونته وتفصح عن تطلّعه إلى الصورة الكونية المبتغاة قصيدة (أريد أن أكون) أُريدُ أنْ أكونْ طائرةً من ورقٍ تعشقُها البناتُ والبنونْ يلتقط فيها ظواهر الطفولة البريئة في سلسلة من التجليات ، يتكرر عبرها فعل الكينونة وترتسم المشاهد التي تجمع بين الواقع و الرمز وتستلهم سر الصفاء و النقاء فمن طائرة الورق التي تتساوى فيها الطفولة بين الذكورة و الأنوثة بعيدا عما تلوّث به الوجدان الانساني من التمييز بينهما ؛ فالطفولة رمز النقاء و البكارة و هو ما تطمح إليه رغبة الشاعر الذي يتمثّل وجوده على هذا النحو الذي يعود بنا إلى رومانسية مثالية عميقة الجذور في الوجدان الإنساني وليس سطحية ىمبتذلة تنهض على ما عرف لدى بعض النقاد (بالطرطشة العاطفيّة) ثم ينتقل من هذا المشهد الذي تتجلى فيه بكارة الوجود البشري في فطرتها النقية التي لم تشبها شائبة إلى مشهد كوني يتمثل فيه الكائنات الأخرى التي يتمثل فيها جوهر الكينونة في أجمل مظاهرها فيختار الحمامة رمز السلام ببياضها الذي يخلو من شوائب الحياة : حمامةً ناعسةً تنتظرُ الفجرَ لكي تُطعمَ من هديلِها السّكونْ أو بللًا في شفةِ المزونْ وهنا تتراءى بنية الصورة الشعرية لديه في كثير من قصائده؛ إذ يجمع بين تشخيص الكائنات ( حمامة ناعسة) وتجليات الزمن في مظاهره الكونية (تنتظر الفجر) وتجسيد المعاني (تطعم من هديلها السكون) وأنسنة الظواهر الطبيعية (بللاً في شفة المزون) فهذا المشهد جامع بين الحمامة الطير الرمز والفجر بإطلالته الندية والسكون المخيم و المزن الذي يهطل رائقا خاليا من الشوائب حيث تتقاطع في معجمه حقول دلالية يجسدها في صور تفضي إلى رؤية الشاعر التي يتعهدها لتصبح مرآة لذاته ، وتنثال التداعيات منهمرة في تدفق تلقائي ينتهي به إلى تصوير معاناته الإبداعية و صراعه لتحقيق هذه الكينونة المبتغاة في تجسيدها لطموحه الذي يتحدّر في شعريّةٍ ذات ملامح عفويّة تلقائيّة لا تكلّف فيها و لا تعمّل ، يصور نفسه كما يحب أن يكون لا في مفردات مطلقة الدلالة عصيّةّ على التمثّل و التحقّق؛ بل مستلهمة عبر التخييل و التمثيل ، مثمناً وقائع منتقاة من زمن الطفولة ولثغتها البريئة ؛ ولكن بعمق يبحر فيما وراء المشهد الماثل مستجلباً مكنونات الوعي وتجلّيات الرؤيا: أريدُ أنْ أكونْ مفردةً غامضةَ الغُضونْ يحارُ في تأويلها اليقينُ والظنونْ أو لثغةَ الطّفلِ الذي يصيحُ باسمِ أُختهِ شُجونْ فالمفردة الغامضة والحيرة و التأويل والحقيقة و الظنون ،كلها مفردات دالة على معان مطلقة الدلالة في موازاة لنداء الطفل و لثغته حيث تتقاطع الظواهر و المشاعر و الهواجس في تشكيلة تعبيرية دالّة ومنذ مطلع الديوان تحت عنوان (سفر في الذوات) تتأكد رؤيته لذاته وعلاقاتها بمن حوله ؛ ففي قصيدته يستعيد إلى الذاكرة قصة ليلى و المجنون فيما يشبه الملحمة ليس من حيث الطول فحسب ؛ فهي لاتستأثر بمساحة لغوية ممتدة تستغرق مئات الأبيات كما في الملحمة ، ولكنها تنهج نهجا سرؤديا يختزل ما انطوت عليه هذه القصة من تمَحوُر حول علاقة العشق في تألقها واندياحها على مساحة تستقطبها بحيث تبدو بؤرة هذا الحسّ الإنساني الأزليّ الطويل الذي تتقاطع معه الذات الشاعرة، فوصفُه التصويريّ المشهديُّ موصولٌ مع السّرد في إيقاعه البطيء الذي يستعيد ويفسّر، مستثنياً التعاقب والتوالي ؛ فهو قد حيّد الزمن ؛ بل ربطه بزمنه الخاص ، واتّسع به ليلامس سقف المعنى المطلق في أمثولات رمزية أقرب إلى التشابك مع الواقع ، حيث ينضبط الإيقاع مع هواجس الذات و أفكارها وتطلعاتها وأوجاعها و أحلامها ؛ فمنذ البدء ( قرن بينها بوصفها أيقونة العشق الأزلي في عذريته ونقائه ممثلا في البياض (ليلى انتظار أبيض) وإضافته إلى ضمير المتكلم: (ليلى) انتظارٌ أبيض ليلى/وينهمرُ الجَمالُ علَيْ ليس هذا فحسب ؛ بل ربطها بخطابه الشعري وارتقى بها إلى مدوّنة الحب في أصولها الشعرية : ليلى تُسافرُ في القصائدِ كي تصبَّ لهيبَها الغزليَّ تُنضجَ لهفةَ الحرفِ الطريِّ فليس يحلو الحبُّ نَيْ وهنا يتضح أسلوب شعري حداثي سبق أن عُرف بالأسلوب الحسي الذي أشار إليه صلاح فضل في كتابه (أساليب الشعرية المعاصرة) في مثل مفرداته : اللهيب و الطري ونيّ ، وقد جاءت قصيدته على تفعيلة الكامل الأصلية هيمُتَفَاعِلُنْ وقد جاءت كثيرًا في النص مضمرَةً، أي بتسكين الحرف الثاني وهي تماثل مستفعلن من الناحية الصوتية، لكنها هنا فرع من متفاعلن وليست من بحر الرجز، ومعروف أن تفعيلة المتكامل فيها إيقاع النفس الذاتي المعتد بقوله في ذاتية مرهفة . ويمضي ليستكمل سرديته ويؤسّس لها في تناصٍّ يستلهم و لا يقتبس، يستوحي ويؤصّل و يفلسف و يبوح ويعترف؛ ولكن في التقاطٍ رهيفٍ مُنتقى لملامح العشق وعذابته وملامحه و جماليّاته ، ومواجعه وآلامه ؛ فهو يكرّر في لازمةٍ متتابعةٍ تتواشج مع متن النص مفردة (المدامع) في صيغة الجمع. وفي منهج تأملي فلسفيّ أقرب إلى الاستبطان الذاتي الذي يمتح من عمق الوعي تأتي قصيدته (هذيان فكرة) التي يقول في مستهلها: أُفكِّرُ في فكرةٍ لم تلحْ فوقَ ذهنٍ ولم تختمرْ في جِرارِ القلوبْ هنا تتجلّى رؤيا الشاعر الذي يمزج بين إشراقات العقل وجيشان العاطفة ؛ فيتقاطع نتاج الذهن مع معطيات القلب ، فيختار لها الصورة التي تنبىء عن دراما الصراع الحسّي في صورة شعرية عناصرها الوعي و الوعل و الحروب، تتقاطع المحسوسات و المرئيّات ، وتتعامد الروح والحروب في فلسفة كونيّة وجودية ذات بعد ذاتيٍّ في إيقاعٍ غنائي يمتح من أغوارالنفس وعمفق الوعي ، وهو يؤكد نزعته الفكريّة التأمليّة على نحو صريح وتقريري واضح ؛ إذ يقول : “أُفكّرُ في فكرةٍ/غضَّةٍ كالطُّيوبْ/ وعريانة ٍكالصباحِ / ومستورةٍ كالغيوبْ /وكمْ كنتُ أَحدسُ أنّ ملامحها/ من طيوفِ الحياةِ تُصبُّ/ وفي عَرَقِ النّورِ/ مغموسةٌ بيدَي طاعةٍ جرَّحتها الذُّنوبْ” وهو يتمثّل ذاته كائناً جامعاً لكل مظاهر الكون و الحياة وكل معالم الطاقة والوجوه في تجسيد حي لكل ظواهر الوجود والحياة : الماء والنار و الطين و الريح والجمر ومفعمة بمعطيات الحواس بصرية وصوتية وحركية في إشارات نصية تراثية (فهل أصحو على صوت : هل غادر الشعراء ) و لا يتّسع مجال هذه المقالة لاستشراف رؤاه المختلفة في الديوان الذي هو خلاصة تجربته الشعرية ؛ فقد طاف الشاعر في مختلف الاتجاهات سواء في القصيدة العمودية أو التفعيلية أو النثرية من حيث الإيقاع و التشكيل ، أو من حيث الرؤى الذاتيّة والاجتماعيّة و الإنسانيّة و الفلسفيّة؛ فهذه المقالة تقتصر في مقاربتها على نماذج قليلة تكاد بالكاد تغطّي عتبات يسيرة، فلا تدلف إلى جوهر الرؤى و الجماليات في الديوان ؛ ولعلها تكون مدخلاً لدراسة وافية يستحقُّ صاحبها التنويه بشاعريته و بخصوصية منحاه الرؤيوي و الجمالي.