الطرفان اللذان يخافان الاعتدال.
لا يخيف الاعتدالُ المتطرفَ وحده، بل يخيف أيضاً المنحل، لأن كليهما لا يستطيع العيش في مجتمع يملك توازنه، و يعرف هويته، و لا يحتاج إلى وصاية أحد. المتطرف يريد مجتمعاً خائفاً، حتى يقدم نفسه حارساً للدين، و المنحل يريد مجتمعاً مرتبكاً، حتى يقدم نفسه حارساً للحرية، الأول يزعم أن الناس لا يحسنون حماية عقيدتهم من دونه، و الثاني يزعم أنهم لا يحسنون ممارسة حياتهم من دون أن يعيد تعريف الأخلاق لهم. و بين الوصايتين، تضيع حقيقة بسيطة، هي أن المجتمع السعودي لا يحتاج إلى من يختطف دينه، و لا إلى من ينتزع منه قيمه، و هذه الفلسفة الوطنية اختصرها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله، بقوله: «لا مكان بيننا لمتطرف يرى الاعتدال انحلالاً، و يستغل عقيدتنا السمحة لتحقيق أهدافه، و لا مكان لمنحل يرى في حربنا على التطرف وسيلةً لنشر الانحلال، و استغلال يسر الدين لتحقيق أهدافه.» لم تكن هذه الكلمة موقفاً من جدل اجتماعي عابر، بل إعلاناً سيادياً يحدد المسافة التي تقف عندها الدولة السعودية بين مشروعين متناقضين في الظاهر، و متشابهين في العقلية. أحدهما يريد اختطاف الدين، و الآخر يريد اختطاف الحرية، الأول لا يعيش إلا حين يصور المجتمع غارقاً في الفساد، و الثاني لا يعيش إلا حين يصوره أسيراً للتخلف، و كلاهما يحتاج إلى تشويه المجتمع، حتى يبرر وصايته عليه. المتطرف لا يكتفي بأن يكون متديناً، بل يريد أن يحدد للآخرين شكل تدينهم، و تفاصيل حياتهم، و ما يجوز لهم أن يفكروا فيه، و المنحل لا يكتفي بأن يختار حياته، بل يريد أن يحول اختياره الشخصي إلى معيار أخلاقي، ثم يسخر ممن لم يتبعه، و يصف كل تمسك بالقيم بأنه انغلاق، و كل حياء بأنه ضعف، تختلف اللغة، و لكن الرغبة في السيطرة واحدة. و لهذا، لا تكون المعركة الحقيقية بين التدين و الحرية، بل بين الدولة الوطنية، و مشاريع الوصاية. الدولة السعودية لا تعادي التدين، لأنها قامت على الشريعة الإسلامية، و لا تعادي الحرية، لأنها منحت المجتمع مساحات واسعة من الحياة، و الاختيار، و الإبداع، لكنها في الوقت نفسه لا تسمح لأحد باحتكار تفسير الشريعة خارج مؤسساتها، كما لا تسمح لأحد باحتكار تعريف الحرية على حساب هوية المجتمع. و من هنا، فإن الاعتدال السعودي ليس منطقةً رمادية بين نقيضين، بل موقف سيادي واضح، يستمد شرعيته من الشريعة، و النظام، و المصلحة الوطنية، لذلك فهو لا يساوم المتطرف، و لا يجامل المنحل، لأنه لا يتحرك بينهما، بل ينطلق من مرجعية مستقلة عنهما. في النموذج السعودي، لا يملك المتطرف حق احتكار الفضيلة، كما لا يملك المنحل حق احتكار التقدم، فالفضيلة لا يحتكرها من يرفع صوته باسمها، و التقدم لا يحتكره من يسخر من ثوابت المجتمع. و من هنا نفهم أن الحرب السعودية على التطرف لم تكن انتقالاً من ضفة إلى أخرى، و لم تكن تفويضاً مفتوحاً لمن أراد الانتقام من قيم المجتمع تحت أي شعار. المملكة لم تحارب الغلو لتشرعن الانحلال، و لم تفتح أبواب الحياة لتغلق أبواب الأخلاق، ما حدث هو أن الدولة استعادت حقها في تنظيم المجال العام، و نزعت من المتطرف سلطة التحريم التي لا يملكها، و نزعت من المنحل سلطة الإباحة التي لا يملكها أيضاً. الدولة وحدها هي التي تدير هذا التوازن، وفق الشريعة، و النظام، و المصلحة الوطنية، لا وفق مزاج جماعة، و لا وفق نزوة نخبة. و هنا تلتقي المشاريع المتناقضة في مظهرها، فليس المقصود أن المتطرف، و المنحل يتساويان في الوسائل، أو في حجم التهديد، بل إنهما يلتقيان في عقلية الوصاية، و في رفض أن تكون الدولة هي المرجع المنظم للمجال العام. المتطرف يخشى الدولة القوية، لأنها تمنعه من بناء دولة داخل الدولة، و المنحل يخشى الدولة الواثقة، لأنها لا تحتاج إلى شهادته حتى تثبت أنها حديثة. لكن السعودية الجديدة أنهت هذا الرهان،فقد أصبح المجتمع أكثر ثقة بدينه من دون غلو، و أكثر انفتاحاً من دون ذوبان، و أكثر تمسكاً بهويته من دون انغلاق، و هذه معادلة لا ترضي من اعتادوا إقناع الناس بأن عليهم الاختيار بين التشدد، و الانحلال. السعودي اليوم لا يحتاج إلى من يشرح له إيمانه، و لا إلى من يشرح له حريته، فهو يدرك أن الدين لا يناقض الحياة، و أن التقدم لا يشترط إهانة القيم، و أن الانفتاح لا يعني فقدان الهوية، لذلك فإن الاعتدال ليس ضعفاً في الموقف، بل قوة في الوعي. قد يأتي الإرهاب بخطاب تكفيري، و قد يأتي بحملة تشهير ثقافي و قد يهدد باسم الدين، و قد يسخر باسم الحرية. لكن جوهره يبقى واحداً، محاولة كسر المجتمع، و مصادرة حق الدولة في حماية هويته، و تنظيم مجاله العام. و لهذا، كانت كلمة الملك سلمان، حفظه الله، أوضح من كل التنظيرات، فلا مكان في المملكة لمتطرف يرى الاعتدال انحلالاً، و لا لمنحل يرى في محاربة التطرف فرصةً للانقضاض على قيم المجتمع، أو استغلال يسر الدين لتحقيق أهدافه. لهذا، لم يكن الاعتدال في التجربة السعودية حلاً وسطاً بين طرفين، بل كان انتصاراً للدولة على كل مشروع ينازعها حقها في حماية المجتمع.