“الترند” ينتصر!

كان للصحف عادة نبيلة، وربما متعجرفة قليلًا ، إذ  كانت تستيقظ قبل الناس، وتقرر بالنيابة عنهم ما الذي يستحق أن يحتل الصفحة الأولى ، وكأن  المانشيت يقول للقارئ: “هذا هو الحدث الأهم اليوم”، وقد يختلف القارئ معه، لكنه يعرف أن هناك عقلًا تحريريًا اجتهد، وناقش، ووازن بين الأحداث قبل أن يكتب ذلك العنوان العريض! اليوم، لم يعد أحد ينتظر المانشيت ، فالجميع ينتظر الترند..وللمفارقة، فإن الترند لا يجلس في غرفة تحرير، ولا يحتسي قهوته وهو يناقش أهمية الخبر ، إنه يركض..يركض بسرعة تجعلك تشك أحيانًا أنه يعرف إلى أين يذهب! ومع ذلك يصل أولًا! كان المانشيت يقود اهتمام الناس، أما الترند فيبدو وكأنه يتبعهم ، أو هكذا نظن ..لكن بعد قليل من التأمل، يصبح السؤال أكثر إرباكًا: هل الترند يتبع الناس فعلًا، أم أن الناس هم الذين يتبعون الترند؟ لا أحد يعرف على وجه اليقين ، فما إن تستيقظ حتى تجد آلاف الأشخاص يتحدثون عن موضوع واحد، فتظن أن الأمر بالغ الأهمية ، وبعد ساعات، يختفي الموضوع كما لو أنه لم يكن، ويحل محله موضوع آخر لا يمت بصلة إلى سابقه ، وكأن الذاكرة العامة أصبحت شقة مفروشة؛ لا أحد يقيم فيها طويلًا..الجميع عابرون للمحطة التي تليها ! والناقد المسكين هو أول الضحايا ، فما أن يبدأ بكتابة مقال تحليلي عن ظاهرة اجتاحت المنصات مساء أمس، فيراجع أمثلته صباحًا، ثم يكتشف أن الجمهور انتقل بالفعل إلى قضية أخرى، وأن مقاله يشبه رسالة تهنئة وصلت بعد انتهاء المناسبة بأسبوع! حتى السخرية لم تعد تلحق بالترند، فقديمًا - قبل الترند- كانت النكتة تعيش سنوات، وتتنقل بين المجالس، ثم تجد طريقها إلى الرسوم الكاريكاتورية والمقالات ، أما اليوم فإن النكتة نفسها تحتاج إلى من ينعشها كل ساعة، وإلا ماتت اختناقًا تحت ركام الترند التالي. ولعل المفارقة الأكثر طرافة أن سرعة الترند جعلت الجميع خبراء في كل شيء… لمدة ساعتين فقط! في الصباح، محللون اقتصاديون ، بعد الظهر، نقاد سينمائيون ، وفي المساء، مختصون في الذكاء الاصطناعي ، وقبل النوم، يعود الجميع إلى وظائفهم الأصلية، على أمل أن يمنحهم الغد تخصصًا جديدًا. وليس في هذا ما يدعو إلى الضيق ، فالترند في ذاته ليس خصمًا للثقافة، بل هو أحد أبناء العصر، يحمل مزاياه وعيوبه ، المشكلة تبدأ حين يتحول من مؤشر على الاهتمام إلى مقياس للحقيقة، ومن نافذة على ما يشغل الناس إلى غرفة لا يرى الناس خارجها شيئًا. فالمانشيت، رغم ما يؤخذ عليه، كان يحمل مسؤولية التحرير ، أما الترند فلا يحمل إلا مسؤولية الانتشار! وهنا يكمن الفرق. ليس كل ما يتصدر المشهد يستحق البقاء فيه، كما أن كثيرًا مما يستحق البقاء لا يعرف الطريق إلى قوائم الأكثر تداولًا. ربما لهذا السبب أصبحت الأفكار العميقة تبدو بطيئة، لا لأنها فقدت قيمتها، بل لأنها تسير على قدميها، بينما يركب الترند “فيراري” فائقة السرعة لا تتوقف في أي محطة إلا لثوانٍ. ولعل أكثر ما يثير الدهشة أن الجميع يلهث خلف الترند، لكن أحدًا لا يعترف بأنه يلهث. كل واحد يعتقد أنه يراقب الظاهرة من الخارج، بينما هو، في الغالب، جزء من سرعتها. في النهاية، لا يبدو أن المانشيت قد مات، ولا أن الترند انتصر انتصارًا كاملًا ، لكن العلاقة بينهما تغيّرت ، كان المانشيت يسأل: “ما الذي ينبغي أن يعرفه الناس؟”، أما الترند فيسأل: “ما الذي يتحدث عنه الناس الآن؟” ، وبين السؤالين مسافة واسعة؛ هي المسافة نفسها بين صناعة الاهتمام والانجراف معه. وربما يبقى السؤال الذي يستحق أن يتصدر الصفحة الأولى، أو أن يصبح “ترندًا” ليوم واحد على الأقل: هل ما يقود وعينا اليوم هو ما يستحق اهتمامنا، أم فقط ما نجح في الوصول إلينا أولًا؟