فوق جمرات الثواني الثلاث.

في تضاعف سرعة هذا العصر ، يقف الإنسان مذهولاً أمام إيقاع الزمن الذي تبدلت ملامحه ؛ فبعد أن كان الصبر يقاس بالأيام والفصول ، استحال اليوم إلى ذرات مجهرية تُحسب بأجزاء الثانية ، حتى بات تأخر تحميل صفحة إلكترونية أو ترقب علامات القراءة في برامج المحادثات سبباً في إشعال فتيل التوتر النفسي الدائم .  هذه الفورية الفائرة انتزعت من النفوس ميزة الملل الإيجابي الذي كان يوماً مهداً لولادة الأفكار العظيمة والتأمل البناء ، ودفعتها نحو الركض المستمر باتجاه الشاشات لمحاصرة أي فراغ زمني والإجهاز عليه ، بل والأخطر من ذلك أنها نقلت عقلية الآلة الجافة إلى عمق العلاقات الإنسانية ، فأمسينا نطالب الآخرين باستجابات لحظية ، ونبغي نجاحات عاجلة وصداقات جاهزة الصنع ، دون أن نمنح الوقت فرصته الطبيعية لإنضاج الأشياء وتجويدها .  والمفارقة العجيبة هنا أن هذا الصخب اللامحدود ليس غسقاً فرض نفسَه ، بل هو صناعة بشرية خالصة ؛ فالإنترنت وسرعة تدفق المعلومات كلها أدوات ابتكرها الإنسان بحثاً عن الراحة والرفاهية ، فإذا به يقع في فخ وسائله ، وكأنه بيديه جلب التوتر والتململ لساحة الحياة ونقله إلى ذاته بطبيعة الحال ، ليصبح الصانع أسير صناعته .  ومع تفاقم هذا الشتات والتشويش ، يتجلى طوق النجاة في حقيقة أن المسألة في جوهرها هي مسألة وعي ، فالوعي هو القوة الوحيدة القادرة على كسر حلقة التلقائية ، وجعل الإنسان يدرك متى تسحبه الشاشات ومتى يتسلل القلق إلى روحه ، فيتدخل ليسترد هدوءه الداخلي ويختار لنفسه واحة من السكينة وسط كل هذا الصخب . ولتحقيق ذلك ، فلزاماً على المرء أن يخوض مواجهة مع ذاته بكل جدية ووضوح ، مستصحباً بيقين أن السرعة المجردة من الهدف والغاية السامية هي ضرر محض وخطر داهم يهدد الاستقرار النفسي ، فالأيام ماضية في جريانها سواء عجّل وتيرتها أم تأنى فيها ، لكن الحكمة الإنسانية المستقرة تظل تهمس في وعيه بأن العجلة مظنة الخطأ والزلل ، وفيها الندامة ، بينما التأني الواعي هو السبيل  لاستعادة سكينة الروح وهيبة الكيان .  ومع ذلك ، فإن هذا الوعي الفردي -على أهميته- يظل قاصراً ومحدود الأثر ما لم يتجاوز عتبة الذات والفردية ؛ فالإنسان كائن اجتماعي يسبح في تيار جارف من المواضعات المجتمعية ، وحين يتحول المجتمع بأسره إلى كيان مبرمج على الاستهلاك والسرعة ، يصبح التأني الفردي ضرباً من الانعزال أو ملمحاً من ملامح التخلف عن الركب ؛ وإن كان في الحالتين محمود العاقبة .  إن التأني بصورته الايجابية ، هو ثقافة سلوكية تحرس قيم التركيز والتأمل ، وتحترم حق الإنسان في الاستمتاع بالتوازن النفسي عند التعامل مع التقنية ، ليعود للتروّي نضجه ، وللصبر جلاله ، وللحياة إيقاعها الفطري الساكن .