تداعيات المؤامرة.
نظرية المؤامرة ببساطة تعتمد على ادعاء -دون دليل قاطع- أن أسباب وقوع حدث ما جسيم ليست كما أُعلن رسمياً، وإنما نتيجة قيام مجموعة أو منظمة سرياً بتنفيذه. لن نذهب بعيداً في تاريخ المؤامرات، ونكتفي بأمثلة من القرن العشرين وما بعده: اغتيال الرئيس الأمريكي جون كينيدي عام 1963، الصعود إلى القمر والنزول عليه عام 1969، حادث وفاة الأميرة ديانا بباريس عام 1997، أحداث ١١ سبتمبر عام 2001، وباء كورونا فايروس عام 2021، ومؤخراً وفاة جيفري أبستين المدان بجرائم جنسية في زنزانته منتحراً. من دون ذكر تفاصيل كل هذه المؤامرات، سأكتفي بمؤامرة شهيرة تعتبر (أم المؤامرات) وهي اغتيال الرئيس الأمريكي السابق جون كينيدي؛ فوَقْع الحدث الفجائي وصدمته، يجعل نظرية المؤامرة للعامة أمراً مفروغاً منه، فليس سهلاً القبول بأن يُفَجَّر رأس رئيس أكبر دولة عالمية دون أن يكون هنالك تخطيط من جهة ما غير ما ذُكر رسمياً. كما أن اغتيال منفذ الجريمة بعد يومين من الحادث وأمام كاميرات التلفاز زاد الطين بِلة في انتشار نظريات المؤامرة، وأُلفت شتى الكتب تروج لهذه النظريات، إضافة لأفلام عُرضت عنها . المتهمون في هذه المؤامرات: مخابرات الاتحاد السوفياتي، كوبا، كاسترو، نائب الرئيس ليندون جونسون، المخابرات الأمريكية (CIA)، -ونحن العرب- من يمكن أن نتهم غير الصهيونية العالمية!. برهنت التحقيقات من لجان مُشكلة من خارج الحكومة بأنه لا يوجد ما يثبت وجود مؤامرة في مقتل كينيدي، ولم يظهر مما تم نشره مؤخراً من ملفات حكومية سرية أي دلائل خلاف ذلك. نظرية المؤامرة منتشرة بين الشعوب إلا أنها تختلف من مكان لآخر حسب الوعي الاجتماعي والثقافي، وتنتشر أكثر على المستوى السياسي بين الشعوب المضطهدة، وتذكر إحدى الدراسات أن سبب تصديق واعتقاد الفرد بالمؤامرة عائد إلى نزعة فطرية للإنسان الأول لحمايته من ممارسات أعدائه. وتختلف حدتها بين شخص وآخر حسب الحالة النفسية الجينية والمكتسبة للشخص، فبينما قد لا يعتقد البعض بها، تجد البعض، الآخر متشبعاً بها لدرجة أنه مهما كانت ظروف المؤامرة غير صحيحة، إلا أنه يصر عليها بسبب ظاهرة (Self-sealing logic) المنطق المغلق ذاتياً، والتي يمكن تفسيرها من باب المثل الشعبي الدارج (عنز ولو طارت)، ومن الحكمة أن لا تجادل قريب أو صديق مؤمن بالمؤامرة كي لا تفقده . ما يعزز التصديق بنظرية المؤامرة أن هنالك مؤامرات كثيرة قد تم كشفها للعلن مثل فضيحة (Watergate) التي أطاحت بالرئيس الأمريكي السابق نيكسون، والفضيحة الأخرى المشفرة بعملية (MK Ultra) حين قامت المخابرات المركزية الأمريكية من عام 1953 إلى عام 1973 بإجراء تجارب على أمريكيين وكنديين دون علمهم بجرعات من المخدر LSD للاستجواب وأحياناً بالتعذيب لأخذ اعترافات منهم أثناء هلوستهم وذلك بالتعاون مع مستشفيات وجامعات وسجون بادعاء أنها مؤسسات وجمعيات وهمية. اكتشاف بعض المؤامرات لا يعني بالضرورة أن كل حدث آخر وقع هو مؤامرة أخرى، قد تكون هنالك مؤامرة في الحدث لكننا لا نجزم بها دون وجود برهان ثابت وقاطع لا غبار عليه، وليس تخمينات وتحليلات ليست مبنية على وقائع الحدث وأدلته، كما أنه من الواضح صعوبة التصديق أو القبول بنظرية المؤامرة عندما يكون هنالك عدد ضخم يشتركون في المؤامرة مثل الصعود للقمر أو أحداث ١١ سبتمبر خلاف، مثلاً، انتحار أبستين والذي قد يقوم شخص واحد أو اثنان بفعله مما يسهل كتمان سرية الحدث. في العالم العربي السياسي، نظرية المؤامرة هي الأساس وكل شيء آخر لا أهمية له، والسبب في ذلك أننا أُصبنا بنكسات متعددة؛ ومن يعتقد بالمؤامرة عادة يكون في الجانب الأضعف من الصراع خلاف من هو في الجانب الأقوى، فالمؤامرة هي التبرير الأسهل لضعفه. نتذرع بأن العالم الغربي هو المتسبب في مصائبنا، ألا يدرك العربي أن أسباب مآسيه داخلية وليست مؤامرات من الخارج؛ صدام حسين، والقذافي، والأسد الكبير والصغير والصراعات بين منظمات القضية الفلسطينية، ولا ننسى ابن لادن وأتباعه، ولنا ما ذكرته السيدة هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة في مذكراتها - حتى وإن اختلفنا معها في أمور كثيرة - من أنها سئمت كثيراً من مستوى تفسير كثير من النخب العربية للأحداث بنظرية المؤامرة من قبل أميركا خلال حواراتها معهم في ليبيا ومصر بعد الربيع العربي. ذكر أحمد أبو الهيجاء، الباحث في علم الاجتماع السياسي والحركات الاجتماعية: «لا يوجد في علوم العلاقات الدولية مفهوم اسمه المؤامرة، وبالعكس تماماً فإن الباحث كلما أصبح أكثر تخصصاً في العلاقات الدولية ابتعد تماماً عن باراديغم - فكر ومنظور - المؤامرة في تحليل الصراعات وتفسير الأحداث، وأصبح أكثر قدرة على استخدام أدوات تحليل علمية تفسر علاقات المصالح والقوة والصراعات. يعني ذلك ألا منطق علمياً لأصحاب هذه المدرسة» من الأهمية ألا ننساق وراء ظاهرة المؤامرة لتبرير ما نعانيه كدول عربية وإسلامية من فشل في معرفة ومعالجة قضايانا، بعكس الحضارات المتقدمة التي تعتمد على مراكز الأبحاث والدراسات الحكومية والخاصة ومراكز (Think Tanks) للتخطيط ووضع السياسات التي تهدف إلى تعزيز أهدافها الاستراتيجية في السلم أو الحرب إذا دعت الحاجة إلى ذلك. لا تكمن خطورة المؤامرة في حد ذاتها، بل في تأثيرها على الفرد والمجتمع؛ إذ أصبح بإمكان أي شخص أو منظمة -مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي- تصوير الأحداث على أنها مؤامرة من خلال التلاعب بالنتائج ونسج سيناريوهات زائفة تبدو كالحقيقة . وعندما يتعلق الأمر بالصحة العامة؛ كمثل نظرية أن التطعيمات تسبب مرض التوحد، أو أن الأدوية المضادة للكوليسترول تسبب الألزهايمر، فالأضرار هنا لسهولة التصديق بها، كارثية للفرد والمجتمع. أخيراً، كان الاعتقاد في القرن السادس قبل الميلاد أن الأرض مسطحة وأنه لا نهاية لها، ثم أثبت الفلاسفة اليونانيون أن الأرض كروية وهي حقيقة ترسخت لدينا واقتنعنا بها ولله الحمد؛ ومع ذلك، ظهر في السنوات الأخيرة استشاري البرمجيات الأمريكي مارك سارجنت ليروج عبر مقاطع فيديو لنظرية تزعم أن الأرض مسطحة وأن الأدلة العلمية ما هي إلا تزييف لإخفاء هذه الحقيقة؛ فإذا كان يراودك -عزيزي القارئ- أدنى شك في كروية الأرض، فأنت لست وحدك!