جبران قحل يعيد للقصيدة وهجها في جازان ..

حين ينتصر الشعر على الزمن .

ليس كل مساءٍ أدبي يُكتب عنه، فثمة أمسيات تُروى لأنها تتحول إلى جزءٍ من ذاكرة المكان، وتصبح القصائد فيها أكثر من نصوصٍ تُلقى، بل شهاداتٍ على زمنٍ كامل، وسيرةً لوطنٍ عبره الشعر كما تعبر الأنهار سهولها، تاركةً أثرها في الوجدان. هكذا بدا المشهد في جازان، حين فتح نادي ملتقى المبدعين الثقافي، بالشراكة مع جمعية أدبي جازان، أبوابه لأمسية «وهج الشعر من مشكاة شاعر»، التي أدارتها الإعلامية والأديبة نعمة حسن حسين خيراني، واستضافت الشاعر جبران محمد قحل؛ أحد الأصوات التي لم تكتفِ بكتابة القصيدة، بل جعلت منها ذاكرةً وطنية تحفظ مناسبات الوطن، وترافق أفراحه، وتسجل ملامح تحوله الثقافي. لم يكن تقديم الضيف استعراضًا لسيرة ذاتية، بل قراءةً في تجربةٍ امتدت لعقود. فمن أوبريت الأطفال «يا بابا عبدالله» الذي رافق الزيارة التاريخية لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز – رحمه الله – إلى جازان، مرورًا بأوبريت «جازان الفل… مشتى الكل»، وأوبريت جامعة جازان «مجد الثمانين»، وصولًا إلى دواوينه الشعرية ومسرحياته وأوبريتاته الوطنية، بدت رحلة الشاعر وكأنها سجلٌّ موازٍ لذاكرة المنطقة الثقافية. وحين بدأ جبران قحل حديثه، لم يبدأ من الشعر، بل من الوطن. تحدث عن المملكة العربية السعودية باعتبارها مشروعًا إنسانيًا قبل أن تكون مشروعًا تنمويًا، وعن الدولة التي جعلت العدالة والتمكين والخدمات حقًا للمواطن منذ أن أرسى الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – طيب الله ثراه – قواعدها الراسخة. واستوقف الحضور وهو يتأمل شعار المملكة، معتبرًا أن السيف والنخلة ليسا مجرد رمزٍ رسمي، بل فلسفة وطنٍ جمع بين الحزم والرخاء، وبين القوة والعطاء. ومن الوطن عاد إلى القصيدة، لكنه لم يتحدث عنها بوصفها إلهامًا عابرًا، بل كرحلةٍ طويلة من الشك والأسئلة والمراجعة. قال إن الشاعر الحقيقي لا يولد مكتملًا، وإن أخطر ما قد يواجه المبدع أن يصدق المديح، لأن القصيدة لا تنمو إلا بالنقد، ولا تنضج إلا بالتجربة، مؤكدًا أن التطور هو الشرط الأول لبقاء الشعر حيًا. ثم باغت الحضور بقصيدةٍ لم يسبق أن قرأها في أي أمسية، حملت عنوان «أخاف من الشعر»، وكأنها اعترافٌ شعري نادر، يقف فيه الشاعر أمام مرآة قصيدته، لا ليتباهى بها، بل ليصارحها بخوفه منها؛ لأنها وحدها القادرة على أن تكشف الإنسان كما هو. توالت بعد ذلك القصائد، فكان المكان ينتقل مع كل نص بين ضفاف الذاكرة وأودية العاطفة.ثم نصوصًا أخرى، فيما ظل صوته محتفظًا بذلك الهدوء الذي يمنح المعنى فرصةً ليتقدم على الإلقاء، ويجعل القصيدة تُسمع بالقلب قبل الأذن. وحين انتقل الحوار إلى المشهد الثقافي في جازان، أطلق عبارته التي اختصرت تاريخًا كاملًا من الخصوبة الأدبية: