شاعر تونسي يكتب الرواية ويفوز بالجوائز ..

منصف الوهايبي: الشعر الحيّ هو الذي سينقذ القصيدة .

يعتبر الشاعر التونسي منصف الوهايبي من أبرز الأصوات الشعرية في العالم العربي، فالقصائد في أشعاره منفتحة على كل الاحتمالات و حمالة لكل ألوان التفسير و التأويل، إذ المتأمل في دواوين الوهايبي الشعرية يلحظ أن المكان عالم قائم بذاته يستمد حضوره من لغة تتراوح بين الذاكرة و والتخييل و الرمز و تشتغل على بناء النص من داخل النص ذاته، فتحضر مدينة القيروان، مهده الأول، الى جانب حضور الجزيرة العربية و عالم الفنيقيين و الشمال الافريقي و الغرب على نحو تصبح معه الكتابة الشعرية مادة استعادية للأسلاف دون أن نكررهم.« حسب تعبير الوهايبي.فالفضاء المكاني يستمد أبعاده الجمالية و حريته و حركية تجدده من داخل اللغة، حيث يقول الناقد التونسي محمد الغزي عن ديوان «الصيد البحري» إن هذا النوع من الشعر الذي كتبه الوهايبي « يذكرنا بأن اللغة هي سكن الانسان ذاكرته الذاهبة بعيدا في الزمن، طريقة حضوره في العالم». اذ يقول منصف الوهايبي في قصيدة معلقة تقريظ المكان حيث جاء في مستهلها “ حيث المكان جزيرة العرب القدامى والزمان هنا زمان لولبي “نحن عوّدنا أصابعنا على أن تخرق البلور في الصحراء وتوقّع الأحجار و الأشجار علمنا الأصابع أن تشيم البرق في نجد ... وتمسك الضوء المبلل، علمنا الأصابع أن تكون الماء لكأننا أسلافنا اذ نلتقي أسلافنا، وكأن هم جاؤوا الينا من وراء البحر أو خرجوا الينا من وراء البحر حيث الضوء أزمنة بها مجدولة لكأننا في البدء لا عدم و لا موت و لا ليل يرين ولا نهار يستبين بها... لنا تمتد أيديهم الينا من خلال عيونهم وبريقها ومرددين جميعنا: هل نحن أنتم أيها الأسلاف؟ أم؟” وكأن الوهايبي يستعيد الفضاء المكاني لا كأوصاف مجازية فقط و انما كهوية ملحمية تختلج في ذاته لاستنطاق اسئلته الوجودية تجاه الذاكرة و الاسلاف عبر الإيقاع و الصور ليخلق بذلك عالمه الشعري الخاص، ضمن فضاءات متجددة لا تخلو من استنطاق للمكان بكل تيماته . و من المكان تحضر عدة بورتريهات في ديوان بورتريهات؛ من الوالدة الى الزوجة، الى الشعراء، في مجموعته الشعرية “ الكأس ما قبل الأخيرة” فنرى : عبدالعزيز المقالح، ومحمود درويش،. وغوستاف كوربيه، وغيرهم. هذه اللغة الذي طوعها شاعرنا لكتابة الرواية مثل رواية “ عشيقة آدم” التي فاز بها الوهايبي بجائزة “ الكومار الذهبي” الى رواية “ هل كان بورقيبة يخشى حقا معيوفة بنت الضاوي” الى رواية “ ليلة الافك” إذ يقول شاعرنا عن تجربته الروائية: “إني أكتب ما يفيض عن الشعر أو ما لا أستطيع قوله شعرا.” وبين الشعر و الرواية و الترجمة والنقد يسافر بنا الشاعر منصف الوهايبي الى عوالم إبداعية مختلفة يعرف عبرها كيف يشكل و ينحت “معازف الالفاظ”. عن كل ما قدمنا؛ كان لــ... “ اليمامة “ هذا اللقاء مع الشاعر التونسي الكبير التونسي منصف الوهايبي. في أحد حواراتك قلت:” أعتبر نفسي شاعر أمكنة بامتياز ؛ لو تحدثنا عن علاقة الشاعر منصف الوهايبي بمدينة القيروان، و تمثيلات هوية المكان في شعرك؟ ـ ما قبل كتابي الشعري الأوّل “ألواح”(1982) كنت شاعرا “ملتزما”، وجلّ القصائد التي نشرتها منذ أواخر الستينات في مجلّة “الفكر” التونسيّة، وإن لم أجمعها في كتاب مستقلّ؛ تحتفي بقضايا الناس والكادحين عامّة وشواغلهم. ومنذ الثمانينات سعيت إلى أن أكون في الصميم من شعريّة متنوّعة تتمثّل أساسا الفضاء المتوسّطي في صوره الواقعيّة والتاريخية والأسطوريّة. وهو فضاء المغرب العربي منذ عهود سحيقة. والكتابة الشعريّة الحيّة في تقديري، هي تلك التي نشمّ فيها رائحة الأسلاف، دون أن نكرّرهم . وقصائدي منذ كتابي”من البحر تأتي الجبال” ف”مخطوط تمبكتو” إلى “بالكأس ما قبل الأخيرة” وهي كلّها أو جلّها قصائد مركّبة “طويلة”؛ تستنطق المكان التونسي والمغاربي والعربي في الجزيرة العربيّة واليمن، وعالم الفينيقيّين، والشمال الافريقي والغربي(شبه الجزيرة الايبيريّة وعالم الأندلس والموريسكيّين وجنوب البرتغال ولنبدوزا وجنوة في ايطاليا وسيت في فرنسا وباريس...) والمكان هنا إنّما يحضر في علاقته الملتبسة بالماضي والحاضر معا أي “الحال” كما كان يسمّيه نحاة العرب، وليس في سياق الزمنيّة الخطيّة التي لا تناسب الزمنيّة الشعريّة؛ وهي في محاولاتي حاضر أبديّ، لا يحتاج الشاعر بموجبها إلى أن يعيد إحياء “الموتى” فهم حاضرون في قصائده ،وهو يحاوروهم باستمرار قدماء ومعاصرين. قصيدتك الأولى كتبتها دون سن 15 سنة، و هي بالتأكيد كانت عمودية هل يمكن القول أن موهبة الشعر في صميمها إيقاع؟ ـ كانت بداياتي مع “قصيدة البيت” ولا أقول القصيدة العموديّة لأنّها تسمية غير دقيقة؛ فعمود الشعر هو نظريّة الشعر عند العرب، وليس شكل القصيدة أو وزنها. لكنّي أكتب ولا أزال ــ ما عدا استثناءات جدّ قليلة ـ داخل شعريّة الوزن “التفعيلة” لأنّ الوزن ليس حلية خارجيّة كما يتوهّم البعض، وإنّما هو من كنه بنية العربيّة ونظامها الصرفي. وهذا الوزن مشرع على كلّ إمكانات الشعر، إذا كان الشاعر متمرّسا به وبلطائفه. وهو ما يجهله جلّ شعراء “قصيدة النثر” التي ولّى زمانها في أوروبا والغرب عامّة؛ وهي عندهم من الماضي أو من “المنسيّات”. بل أنّ منهم من يسمّي قصيدته “قصيدة بياض”؛ ولها من الخصائص المميّزة ما يعقد أكثر من علاقة مختلفة بين الواقع والكلمات، ومن ترتيب جديد للنصّ على صعيد رؤية الأسطر، أو الجمل الشعرية متناثرة بطريقة «عشوائية» أو مجّردة أو مجازية (الخطوط الخطيّة) حيث الأبيض مساحة للقارئ الذي عليه أن يملك «إبرة» ناقد حصيف، حتّى يعرف كيف يحسن «خياطة» العناصر المرئيّة. بالرغم من أنك شاعر، كتبت الرواية أيضا، إلى أي مدى يمكن للشاعر أن يكون روائيا، و هل بإمكانه أن يتمثل شرطي هوية الفنين بسوية واحدة؟ ـ جرّبت الرواية في ثلاث محاولات، فازت إحداها وهي “عشيقة آدم” بأكبر جائزة تمنح للرواية في تونس وهي “الكومار الذهبي”، وكان أستاذنا الراحل توفيق بكّار هو الذي اقترح نشرها في سلسلة “عيون المعاصرة” دار الجنوب؛ واعتبرها رواية “تجربيبّة” بل “فيسبوكيّة”؛ والمحاولة الثانية “هل كان بورقيبة يخشى حقّا معيوفة بنت الضاوي” وهي عن بورقيبة في مخيال عامّة الناس، وليست عن بورقيبة السياسي ورجل الدولة؛ أما الثالثة فكانت “ليلة الإفك” وفيها أحاول أن أتمثّل تونس الحديثة خلال العقدين الأخيرين وما استجدّ فيهما من أحداث. ولديّ محاولة رابعة لا تزال قيد الكتابة وهي “جمهوريّة جربة” حيث “أتصوّر” هذه الجزيرة وقد انساحت في البحر، وأخذت تقترب من مالطة. ومع ذلك فأنا لست روائيّا، ولا أجاذب الروائيّين الكبار مكانتهم؛ وإنّما أكتب ما يفيض عن الشعر، أو ما لا أستطيع قوله شعرا. لكن دون أن يعني ذلك أنّي أكتب ب”سويّة واحدة”؛ وفي ضوء مفهوم”التلفّظ” يمكن أن نفهم صفة التّفاوت، تفاوت الإنشائيّة بين الفنّين وعدم اطّرادها على نسق واحد. أقول هذا إذ أكاد أقرّر متعجّلا أنّ هذه “الروايات” إذا جاز لي أن أصنّفها هكذا هي أقرب ما يكون إلى نمط من السّيرة الرّوائيّة الذاتيّة. كيف يملي الشاعر منصف الوهايبي ايقاعه على بياض الورقة و هل لازال بياض الورقة عنده شرطا للكتابة في هذا العصر الرقمي؟ ــ “بين ما أراهُ، وما أقولهُ بين ما أقولهُ، وما أسكتُ عنه بين ما أسكتُ عنه، وما أحلمُ به بين ما أحلمُ به، وما أنساهُ: هناك يكون الشعر” بهذه الشذرة الذكيّة للشاعر المكسيكي أكتافيو باث، التي تكاد تمسك بالشعر حدّا، وهو الذي “يُعرفُ” و”لا يُعرّف”؛ أجيب عن سؤالك؛ ففي هذه “البينيّة” ينشأ الشعر في بياض الورقة أو بياض الحاسوب.. ويظلّ عالم اللعبة الشعريّة أبدا منغلقًا على نفسه استيطيقيّا، والشاعر نفسه قد لا يعيه تماما؛ وهو يكتب أو يخطّ ويمحو.. ما دام ينشأ داخل فجوات ما أو مسافات ما: بين الرؤية والقول.. بين القول والسكوت أو الصمت.. بين الحلم والنسيان.. لأقلْ إنّه فعل القول..ولا تعنيني ها هنا الناحية السيكولوجيّة أو السوسيولوجيّة، حيث عالم الشعر يظلّ مهما يكن نصيبه من الواقع تخليقا لعالم افتراضي؛ وهو من ثمّة يقتضي جهدا تأويليّا ليكون بالفعل أثرا فنّيّا. وهو ما يجعلني أطرح مسألة “الكتابة البينيّة أو المابيْن” من منظور “التداخل” أو “التشابك” أو “التراكب” وما يمكن أن يفضي إليه من نعت النصّ ب”العمل الهجين” الذي يراوح “بين... وبين” دون أن يعني ذلك تنقّصه أو الاستهانة به؛ وما إذا كان مصدر هذا الوصف العمل نفسه، أو إخفاق القارئ أو الناقد في تصنيفه. كتبت القصيدة العمودية كما كتبت قصيدة النثر، هل في الاختلاف بينهما امتياز لشكل على آخر ، أم مجرد تقنية متكافئة؟ ـ قد لا يكون بعضنا على دراية بأنّ السجال حول”قصيدة النثر” و”الشعر المنثور” بدأ منذ أوائل القرن الماضي، أي قبل ظهور “قصيدة التفعيلة” بأكثر من ثلاثة أو أربعة عقود. كان ذلك مع أمين الريحاني عام 1905 مترسّما والت ويتمان في “أوراق العشب”. وكتب التونسي زين العابدين السنوسي عام 1928 أي منذ حوالي قرن، مقالا وسمه ب”الشعر المنثور” نبّه فيه إلى أنّ هذا النمط “يشارك الشعر في خياله وحذلقته[الحذق والمهارة] الرائعة الرقراقة، وإن كان لا يتقيّد بوزن ولا يتسلسل على نظام مخصوص.” الحقّ أنا أقرأ هذا السجال في سياق مختلف؛ حيث “قصيدة البيت” أو”القصيدة العموديّة” وهي تسمية غير دقيقة كما أسلفت، عند أكثر المعالصرين “باب بدفّتين” وهي تسمية تلقّفتها من محمود درويش في لقاء بالقاهرة؛ وهو يسألني عن شاعر صديق عاد بقوّة إلى قصيدة الشطرين: صدر وعجز. أمّا أنا فلا أزال أكتب “قصيدة التفعيلة” على قلق هذه التسميّة، وأحاول أن تكون مركّبة، وأن أتخفّف فيها من التقفية. وأردّد أنّ شعراء قصيدة النثر عندنا، لا يتصوّرونها إلاّ خارج الأوزان المعروفة، وأنّ أكثر شعراء الموزون لا يتصوّرون الشعر خارج الوزن. وهذا على ما أرجّح فهم قاصر، قد ينمّ عن أنّنا لا نتقبّل أنّ الأشكال الفنّيّة أو الأجناس الأدبيّة، يمكن أن تموت هي أيضا، وأن تنتسخ، وتتحوّل وتُبعث في هيئات جديدة. و”القصيدة النثر” وأنا أقترح هذه الترجمة باعتماد الوصف بالمصدر وهو من لطائف العربيّة؛ بدل التركيب بالإضافة “قصيدة النثر” كما ترجمها أدونيس أو شوقي أبي شقرا، وهو تركيب يعاني من قلق العبارة.. ثمة مقولة بأن الشاعر طفل كبير ، كيف يعبر الشعر عن هوية الطفولة في موضوعاته؟ ـ أتمثّل هذه الهويّة “لعبًا” بالمعنى الجمالي لكلمة “لعب” حيث الكتابة كما أنشدها وأحاولها أشبه بلعبة الشطرنج، أو برموز في الجبر معقّدة. أحاول أن «ألعب» كما يلعب بطل زفايغ، دون رقعة شطرنج وأحجار؛ وبلا شريك سوى ذاتي، وكأنها صورتي في المرآة. ومثلما صنع لاعب زفايغ رقعة شطرنج من لحاف سرير زنزانته، ومن قماشه المرسوم في هيئة مربّعات، واتّخذ من فتات الخبز الذي كان يدّخره، قطع شطرنج؛ كان يشكّلها في هيئة أحجار، ثم يستغني عن هذا كله ليلعب على نحو أعمى، أو مثل موسيقي محترف؛ أحاول أن أصنع بهذا “اللعب”، رقعة للكتابة الذاتية، أحرّك أحجارها بتقدير كمّيّ نوعيّ.. في شكل لولبيّ أو حلزونيّ؛ وأنا أتعهّد موضوعاتها من كلمة إلى كلمة، بما يعني أنها تفتح ولا تغلق، كما هو الشأن في الدائرة. واللولب حتى وهو يدور كالدائرة، فإنّه يفتح على اللانهائي، وهو في النصّ الذي أنا به وفيه “ طفل لاعب”، قد تقول به اللغة أكثر ممّا يقول بها. كتبت عن الحياة و الموت و الحلم و المصير و الترحل في أمكنة كثيرة ، كيف تختبر بالشعر دلالة المكان و فلسفته في تلك الموضوعات ؟ الشعريُّ في تقديري قائم على التداخل، وهو منشدّ إلى نفسه مثلما هو منشدّ إلى سابقه بل إلى لاحقه؛ إذ هو ينشأ “قرائيّا أي وهو يَقْرأ موادّه وخاماتِه وكلّ ما يدور في فضائه، بحسب ما تمليه عليه طبيعة جنسه، وبحسب ما يستعيره من عناصر من الأجناس الأخرى مثل الملحمة والدراما خاصّة. ومادام الشعر يتّسع لهذه الظواهر أو الأجناس سواء تعلّقت بشعريّة الدال أو بشعريّة المدلول، فلا ضير أن يصل الشاعر بعضها ببعض ما دام منبتها الأصلي هو الشعر نفسه. وقد كان الشعر منذ القديم وبخاصّة شعرنا العربي وهو شعر المكان حقّا والرحلة والترحّل؛ في علاقة حميمة بالتاريخ والحاضر وباليوميّ والمعيش. وفي القصيدة العربيّة يتواشج الإيقاع الزماني المسموع(الوزن/ التفعيلة) في علاقة حميمة بالإيقاع المكاني المرئي. وهو موضوع فصّل فيه القول الأندلسي التونسي حازم القرطاجنّي، وهو يصل البيت الشّعريّ بالبيت المضروب للسّكن، على أساس أنّ العرب الأقدمين، وهم يجترحون تجربتهم الشّعريّة الأولى، إنّما قصدوا أن يجعلوا هيئات ترتيب القول ونظام وزنه متنزّلا في إدراك السّمع منزلة وضع البيت وترتيباته في إدراك البصر. وفي هذه الأوزان وهو من لبّ العربيّة، من حيث هي لغة رياضيّة، يحيل الزّمانيّ (البيت الشّعريّ) على المكانيّ (البيت المضروب للسّكن) وهذا الإيقاع الذي أدير عليه قصيدتي، طقس جماعيّ حميم؛ أو هو من لطائف لغتنا. في مجموعتك الشعرية: “ بورتريهات”، قصيدة إلى والدتك عنونتها “ لأمي منى بنت محمد بن صالح رحمها الله و أخرى إلى زوجتك “ بورتريه السيدة: حوارية إلى روح رشيدة امرأة و زوجة” كيف يشتغل الشعر على ترميم الوجع في ذاكرة الفقد؟ ـ كلّنا يحزن عندما يفقد عزيزا أكان أمّا أو أبا أو أخا أو أختا أو صديقا أو شاعرا أغنى حياتنا، وقد كاد يرسخ في أذهاننا أنّ الموت ليس من عاداته. لكنْ عزاؤنا أنّ كلّ هؤلاء أحياء في الذاكرة والوجدان. ومع ذلك لابدّ من إشارات خاطفة، حتى يتّضح جوابي عن سؤالك؛ ففي العصور السحيقة، كانت الأبيقورية تدحض فكرة الموت؛ فهو في تصوّرها لا شيء. وهو موقف تلقّفه فلاسفة الأزمنة الحديثة مثل سارتر الذي يضع فكرة الموت خارج المشروع الوجودي. على حين أنّ هيدغر يبذل قصاراه حتى يتعرّف إليها في غور سحيق من أعماق تجربتنا، أو ما يسمّيه (الكينونة من أجل الموت)؛ وأنا هنا إنّما أترجم العبارة عن الفرنسيّة، ولا أعرف الأصل الألماني. ولعلّ استعمال «لام المآل» التي تأتي لبيان العاقبة أفضل، وأكاد أقرّر حدسا أنّ الأصل يناسب قول أبي العتاهية «لِدُوا للموت» أو لأقل “الكينونة للموت”. وقصائدي في الفقد ليست رثاء بالمعنى الذي استتبّ لهذا الغرض من حيث هو ندبة وتأبين؛ وربّما هي “غنائيّة” في جانب منها أو “دراميّة”. فعالم الموت يظلّ لونا من الحقائق اللّطيفة ومن دخائل الذّات؛ ونحن «مائتون» جميعا، لكنّ الميّت يموت وحده.. لأقلْ “إنّما يموت الموتى يوم تنسدل ستائر النسيان على ذاكرة الأحياء.” كيف تتمثل الأسطورة في شعرك؟ ـ الشعر لا يمكن أن يكون موضوعا للأسطورة، بل هو مصدر لها أو هو على الأرجح كذلك. فإذا كانت المعرفة في لحظة أساسيّة من لحظاتها أو فيها كلّها، موقفا مندهشا حيال العالم يروم أن يستكشفه على أنحاء مختلفة وبطرائق متغايرة هي أجناس المعرفة ومناهجها؛ بما في ذلك الأسطورة؛ ولكلّ عصر أساطيره وهي “حقائق” بما في لك عالم “الذكاء الاصطناعي”؛ فذلك لأنّ العالم التبس وأشكل على صاحب المعرفة المنظّمة، بفعل احتجابه ضمن الاستعارة والمجاز وشتى ضروب البيان، وهي المجاري التي يحفرها الشعر في الأسطورة والدين، وفي ضروب غيرهما من رؤى الانسان للعالم، وكأنّما المعرفة ترمي إلى تبديد اندهاشها باختراق هذه الحجب.ولكن هيهات فالعالم الذي يستوعبه الشعر في هذه الرؤى هو عالم الشعر ذاته وليس”آخره” أوَ ليست الحقيقة التي ينشدها الشعر مثلما تنشدها المعرفة، حقيقة هي في الأصل نسيان لحقيقة أخرى؟ أليست هذه الحقيقة هي ما يحسّه الشعر ذاته؟ إذن هذا الآخر الذي تفترضه المعرفة آخـَر ليس له وجود سابق على دفقة الشعر، وإنّما هو مجترَح منها اجتراحا. ودون كثير من الحجاج، على ضرورة ذلك ،أقول إنّ الأسطورة بحسب ما تأوّلته،يستغرقها الشعر،كلّما سعت إلى أن تتقاطع معه؛طالما أنّها تدور في فلك مخلوقاته. في مجموعتك: “ الكأس ما قبل الأخيرة” أسماء لشعراء كعبد العزيز المقالح، محمود درويش، السياب، أدونيس، غوستاف كوربيه، هل ثمة تناص تختبر به نصوصا للشعراء المذكورين؟ أم تتبادل معهم أصواتا شعرية حميمة؟ ـ على أصابعي أعدّ الأيّام/ وعليها أعدّ أيضا أصدقائي وحبيباتي وسيأتي يوم لن أعدّ فيه على أصابعي/ سوى أصابعي أردّد هذا الشعر وهو للإيطالي بول فانسانسيني. ومع ذلك فأنا أحاول في كثير من قصائدي أن أنقل الصداقة من مستوى المعيش الحيّ، إلى مستوى الكتابة الفنّيّة وأن أتمثّل هذا المعيش العاطفيّ شعرا أو نثرا؛ وأعيش بطريقتي تجارب هؤلاء الذين تعرّفت إلى بعضهم أو قرأت لهم؛ إذ ليست الصداقة مجرّد موضوع من موضوعات المعرفة أو غرضا من أغراض الأدب والفنّ؛ وإنّما هي طريقة من طرائق الكتابة الإبداعيّة. وقد يعني هذا من ضمن ما يعني أنّنا نحبّ ما نفتقد؛ حتّى لكأنّ العبارة المأثورة في كلّ لغات العالم «أحبّك»، تعني «افتقدك» أي «أريدك». و»أريد» في بعض اللغات «مرادف» لـ»أحبّ» كما هو الشأن في الإسبانيّة. ولعلّها استرفدته من العربيّة. وحجّتنا لهذا لسان العرب، فقد جاء فيه: أراد إرادة الشيءَ: أحبّه وعُني به، ورغب فيه. هل يمكن القول بتلاشي أفق الشعر في زمن الحداثة التقنية و عصر السرد؟ ــ قد لا يستشعر الناس عامّة أو سوادهم الأعظم حاجة إلى الشعر، لكن اللغة هي التي تحتاج الشعر وإلى الشاعر! ماذا ستكون اللغة العربية دون شعرائها؟ والشعر له من الأريحيّة ما يجعله يتخطّى الانقلابات الحاصلة في كل زمان ومكان، ويمنحنا مثل هذا التواصل الحرّ المبنيّ على الإرادة الواعية... التواصل الذي نتعلّم منه جميعا أنّ الشعر ثقافة، والثقافات لا تُغتصَب ولا يمكن إخضاعها لأي نوع من التّلقيح القسري. فقد تلاقت في ثقافتنا العربيّة منذ الإسلام ثقافات شتى؛ في أفق من “عالميّة” رحبة قائمة على التّنوّع، حتى أن البعض لا يزال يجد في الأندلس نواة تاريخيّة وأنموذجا مكتملا لثقافة المستقبل وامتدادا للإطار الكونيّ في جذوره الأقدم في فينيقيا واليونان. ما اسمّيه “الشعر الحي” ، أي ملامسة الحياة وأشيائها باللغة حيث كلّ شيء يتبدّل هو “منقذ” الشعر؛ في عالم ما انفكّ يتبدّل ويتغيّر. والعبء أكبر على الشاعر الذي يستخدم اللغة العربية، فهو ينهض بمهمة مزدوجة تحديث اللغة العربية حتى تتمكّن من مواكبة الزمن “الرقمي”، وتحريرها من الاستيهامات البلاغيّة التي تفسد الشعر ، وأقصد شعريّة “المناويل” أو النسج عليها. و هذا “النسج” تشعير وليس شعرا، أو هو “نظم” كما يسمّيه العرب. والحقّ ليس لي أن أقطع برأي في مسألة كهذه قد تكون أعلق بالفرد منها بالجماعة؛ وهناك شعراء مهما يكنْ نصيبهم من الشعر، ليسوا بمنجاة من التّحوّلات التي طرأت على مجمل القيم التي كان الفكر البشريّ ولا يزال يجريها مجرى الوجود، إمّا لرمزيّتها المجرّدة، أو لانتسابها إلى مجال الغائيّة. وأقدّر أنّها اليوم في معيشنا أو ما يحفّنا من وسائل الاتّصال المسموعة والمرئيّة. بعد مسيرة طويلة في الشعر و النقد و السرد و الترجمة هل اقترب منصف الوهايبي من كتابة نصه الأخير؟ ـ إذا كان المقصود ب”النصّ الأخير” كتابة “السيرة الذاتيّة”، فقد نشرت منذ سنة محاولة في سيرتي الأدبيّة وسمتها ب”ما الذي ينقص الأزرق ليكون سماء”؛ وهونصّ ـ سيرة قد لا يُكتنه إلاّ في ضوء سيميائيات الصورة، وفي إيقاعها الذي يجري مجرى دوّامات الماء حيث يرتسم عالم الطفولة والمراهقة والزواج والرحلات، التي أستعيدها وأعيد تركيبها في الميديوم/الوسيط السردي؛ وقد تخفّفت اللغة من شعريّتها، أو مِمّا زاد منها على الحاجة، أو من فضل القول. نصّ الشاعر الحالم.. والأستاذ الباحث.. رؤية أو خيالا أو حلما، إن لم يكن أملا.. هو نصّ لا أزكّيه، وقد حرّرته على غير ما عهد القارئ من مواثيق أدب السيرة وسننه؛ وإنّما هو كتاب تنتظم كل مكوّناته داخليّا بحبل سريّ معرفيّ. ومع ذلك فإنّ كلّ نصّ في تقديري “مُسوّدة” لنصّ قادم، أو هو دائما النصّ “ما قبل الأخير”.. لأقلْ: أنا أكتب إذن أنا موجود.